ما زالت عمان الوسيط الموثوق لدى واشنطن وطهران، وناقلة الرسائل في اللحظات الحسّاسة والدقيقة، وهي أيضاً قناة الاتصال مع الحوثي الذي انقلب على الحكومة اليمنية.
مسقط ـ «القدس العربي»: يُنظر إلى خطاب سلطان عُمان الذي يُلقيه في افتتاح أعمال العقد السنوي لمجلس عُمان على أنه خريطة الطريق للسلطات الدستورية في البلاد. وشهد مجلس عُمان، الذي يُشكِّل السلطة التشريعية والمكوَّن من مجلس الشورى المُنتخب ومجلس الدولة المُعيَّن من قبل رأس الحكم تركيبة أعضاء جديدة مع انتخابات مجلس الشورى التي جرت في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي لفترة أربع سنوات مقبلة، حملت معها تغييراً في وجوه 61 عضواً من أصل 90. ومع صدور المرسوم السلطاني في 8 تشرين الثاني/نوفمبر بتعيين مجلس الدولة الذي ضمَّ 86 عضواً من بينها 18 سيدة تمَّ العمل على تعويض الخسارة المدوّية التي مُنيت بها المرأة العمانية في انتخابات الشورى، إذ خرجت نهائياً من المجلس بعدما كانت تحصد مقعداً أو مقعدين في غالبية الفترات.
أمران أساسيان حددهما السلطان هيثم بن طارق آل سعيد في خطابه في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر هما: العزم على الاستمرار في تنويع مصادر الدَّخل الوطني، من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية لضمان استدامة المالية العامة للدولة، توازياً مع نظام الحماية الاجتماعية الذي أمل أن يكون شاملاً مُستهدِفاً فئات المجتمع كافة لينعمَ الجميع بالعيش الكريم. والأمر الثاني، هو عدم التواني عن بذل كل ما هو مُتاح لتحقيق أهداف وتطلعات رؤية عُمان 2040.
تقليص الدين وترشيد الإنفاق
وعرض التقرير السنوي، الذي صاحب العيد الوطني الـ53 في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، للمسارات التي ترسمها القيادة العليا للبلاد للنهوض بمختلف القطاعات الاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، والصحية، والخدماتية، ولما تحقّق منها. وقال التقرير «إن اقتصاد السلطنة شهد نمواً بالأسعار الثابتة بلغت نسبته 2.1 في المئة خلال النصف الأول من 2023 وتمكّن حتى منتصف العام من تقليص الدَّين العام إلى 16 مليارا و300 مليون ريال عُماني بفضل ترشيد ورفع كفاءة الإنفاق وزيادة الإيرادات العامة نتيجة لارتفاع أسعار النفط، واتخاذ إجراءات مالية لزيادة الإيرادات غير النفطية، بالإضافة إلى إدارة المحفظة الإقراضية من إعادة شراء بعض السّندات السّيادية بأقل من قيمة إصدارها، وسداد قروض عالية الكلفة واستبدالها بقروض أقل، وإصدار صكوك محلية للتداول في بورصة مسقط بكلفة منخفضة نسبياً».
وأدّت الخطط الاقتصادية والبرامج المالية والاستثمارية في إطار الخطة الخمسية العاشرة (2021 – 2025) التي تعكس أولويات رؤية عُمان 2040 إلى رفع التصنيف الائتماني من قبل مؤسسات التصنيف العالمية مرفقاً بنظرة مستقبلية إيجابية.
وأشارت بيانات للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات العُماني إلى أنّ إسهام القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي في السلطنة بلغ مليارًا و70 مليون ريال عُماني في نهاية عام 2022، أي ما نسبته 2.4 في المئة مقترباً من المؤشر المُستهدف لعام 2025 وهو 2.7 في المئة، فيما الطموح أن لا تقل مساهمة هذا القطاع في عام 2040 عن 6 في المئة، كونه يمثل أحد القطاعات الرئيسية لتنويع مصادر الدخل، وتوفير فرص العمل، وتعزيز النهوض، وكذلك التنمية المستدامة.
الاقتصاد الرقمي وتعزيز اللامركزية
وتُركّز السلطنة على استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وقد ارتفعت قرابة 23 في المئة في الربع الأول من العام 2023 بما يزيد على 21 ملياراً. وتقدِّم فرصاً واعدة في مجالات الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر تماشياً مع توجّهاتها لتحقيق أهداف الحياد الصّفري الكربوني بحلول عام 2050. وتعمل على إنشاء المزيد من المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة والاستفادة من موقعها الجغرافي وممرات النقل البحري لربط الأسواق في دول الخليج العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا.
وتمشياً مع التقنيات الحديثة، استخدمت السلطنة نظام التصويت الإلكتروني في انتخابات المجالس البلدية عبر تطبيق «انتخب» الذي جرى تطوير نسخة ثانية له في انتخابات مجلس الشورى. وشقَّ السلطان هيثم في خطابه السنوي الطريق واسعاً أمام الاقتصاد الرقميّ والإفادة من التطورات العالمية المتسارعة للتقنيات المتقدمة وتطبيقاتها وفي مقدمها الذكاء الاصطناعي، لأهمية ذلك في تنويع مصادر الدخل.
ويبرزُ الاهتمام بتطوير قواعد اللامركزية كإحدى الركائز الأساسية للدفع بالتنمية على مستوى كامل البلاد، وهو ما تجلّى عبر إصدار نظام المحافظات وقانون المجالس البلدية تعزيزاً لدور الإدارة المحلية سواء في التخطيط أو التنفيذ، والعزم على تقييم تلك التجربة بغية توسيع نطاقها، والاتكاء على التنمية العمرانية كمحرك رئيسي لمختلف القطاعات التنموية.
تحديات حرب غزة
ويعتبرُ الكاتب السياسي د. أحمد بن سالم باتميرا أنَّ العام 2024 سيحمل نتائج أفضل من العام 2023 وذلك نظراً للتحسُّن في الأوضاع المالية للدولة خاصة، والتحسُّن في تقييم الأداء المالي من جانب مؤسسات التقييم المالي الدولية، ما يؤكد ثقة تلك المؤسسات في أداء وإدارة الاقتصاد العُماني.
ويرى أنَّ التغيّرات في عدد من المواقع الاقتصادية والإدارية أعطت نتائجها الإيجابية وانعكست إيجاباً على حياة المواطن وخاصة في نتائج عمل هيئة الرقابة المالية للدولة، متوقعاً أن يحمل النظام الجديد لصرف المرتبات بعد دمج الجهات العسكرية والمدنية، والذي سيُبدأ بتطبيقه، بعض التحدّيات والعثرات حتى تتضح كل الجوانب المالية والإدارية والتنظيمية له، وهو أمر يستغرق بعض الوقت في العادة. على أن محللين عمانيين يلفتون إلى أنَّ التطورات الراهنة، والحرب في غزة، واحتمالات استمرارها لمدة طويلة، حسب ما تُصرِّح به إسرائيل، تطرح تحديات تطاول السلطنة كغيرها من دول المنطقة وهو ما ينبغي الاستعداد له.
القناة الخلفية والتحديات
وتبرزُ الحاجة أكثر اليوم للدور الذي تلعبه مسقط كقناة خلفية للإبقاء على نافذة تواصل بين الدول المتصارعة مع منسوب المخاطر من أن تتوسّع حرب غزة في ظل التصعيد الذي تقوم به أذرع إيران في العراق وسوريا ضد القواعد الأمريكية، وإشغال «حزب الله» الجبهة الشمالية لإسرائيل من جنوب لبنان، وتصاعد التهديدات التي تتعرَّض لها الملاحة الدولية والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وحتى في بحر العرب من قبل جماعة الحوثي في اليمن.
ودور الوساطة الذي قامت وتقوم به السلطنة، في رأي باتميرا، هو تأكيد على الثقة الإقليمية والدولية بها وعلى مصداقية مواقفها وحرصها على تحقيق السلام والاستقرار والمصالح المشتركة لكل دول وشعوب المنطقة. وهي حريصة على احتواء أي تصعيد في البحر الأحمر والممرات المائية في المنطقة، بما يخدم كل دولها وشعوبها.
فالسلطنة التي احتضنت المفاوضات السرية الأمريكية – الإيرانية وأسفرت عن توقيع الاتفاق النووي في 2015 ما زالت الوسيط الموثوق لدى واشنطن وطهران، وناقلة الرسائل في اللحظات الحسّاسة والدقيقة، وهي أيضاً قناة الاتصال مع الحوثي الذي انقلب على الحكومة اليمنية. وتوسطت عُمان واستضافت العديد من المحادثات البعيدة عن الأضواء بهدف وقف الحرب في اليمن، حيث قادت السعودية تحالفاً عسكرياً دعماً للشرعية اليمنية التي تتخذ من الرياض مقراً لها. وأسهمت جهودٌ قامت بها إلى جانب الأمم المتحدة في التوصل إلى هدنة في نيسان/أبريل 2022 انتهت في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، لكنها بقيت سارية المفعول على الأرض إلى حد كبير.
وقبل أيام، أعلن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ أنَّ الأطراف المتحاربة في اليمن التزمت بوقف جديد لإطلاق النار، وانخرطت في عملية سلام تقودها الأمم المتحدة كجزء من خريطة طريق لإنهاء الحرب، وقد كان لمسقط دور في تهيئة تلك المناخات إلى جانب الرياض والمنظمة الدولية.