بمشاهد مروعة من انقسام عام 1947 وانفصال باكستان عن الهند يفتتح المخرج الشاب علي عباس ظفر فيلم «بِهارَت» 2019، الذي قام أيضاً بكتابته بوحي من فيلم كوري جنوبي بعنوان «قصيدة لأبي»، فنرى ذلك القطار العائد محملاً بكم هائل من الجثث الغارقة في الدم تتكدس فوق بعضها وتتدلى أطرافها من الأبواب والنوافذ، ونرى الفزع وهول الصدمة على وجوه الأحياء الذين يعيشون هذا الكابوس، ويبحث كل منهم عن قريب أو صديق وسط جثامين القتلى، ومع إدراك استحالة التعايش والهجوم المستمر والعنف المتبادل والتهديد بمذابح جديدة يكون الفرار السريع ومحاولة اللحاق بقطار، ربما لن يأتي مرة أخرى، وفي حالة من الهلع والزحام الشديد فقدت الكثير من الأسر بعض أفرادها وأكثرهم من الأطفال أو كبار السن والمرضى، فكل ضعيف كان مصيره الضياع، وفي واقع جديد وحياة مختلفة عاشت الأسر، التي فرت ناحية الهند ولها أحباء لا يزالون مفقودين في باكستان، وكذلك الأسر التي فرت ناحية باكستان ظلت تبحث عن أحبائها المفقودين في الهند، وهو ما يوثق له المخرج بعد ذلك في فيلمه من خلال استعراضه لتاريخ انطلاق قناة «زي تي في» الهندية للمرة الأولى في عام 1992 وتعاونها مع قناة باكستانية في العمل على لم شمل الأسر باستضافة الباحثين عن أحبائهم.
باكستان والهند روح واحدة
ومع عدم توفر الصور للمفقودين في كثير من الأحيان تكون عملية البحث شاقة، خاصة أن الكثير من الأطفال الذين كانوا صغاراً جداً لم يعد أحدهم يذكر اسم عائلته أو اسم بلدته، وربما لم يعد يعرف اسمه الحقيقي، أما الطفل الذي كان أكبر قليلاً يكون من السهل العثور عليه، لأنه يذكر بعض الأمور منها اليد التي كانت تمسكه قبل أن تفلته وآخر كلمات سمعها من صاحب تلك اليد، ومن هؤلاء كان «بِهارَت»، بطل الفيلم الذي يجسد شخصيته سلمان خان، الباحث عن شقيقته الصغرى «غوريا»، التي سقطت من فوق ظهره وحاول الإمساك بها بعد سقوطها، لكنها أفلتت من يده، فنزل الأب من القطار للبحث عنها واختفى وسط الزحام، لينطلق القطار نحو نيو دلهي بالأم وبقية الأبناء وأكبرهم «بِهارَت»، الذي صار مسؤولاً عن عائلته ولا شيء لديه في هذه الحياة سوى ساعة الأب القديمة، التي وضعها في يده لحظة الفراق وكلماته التي توصيه بالاعتناء بالأسرة وتُحمله المسؤولية، وكطيف حالم يظهر هذا الأب من حين إلى آخر في الفيلم من خلال مشاهد قليلة يجسدها جاكي شروف، أحد نجوم الجيل القديم في بوليوود، يتذكره «بِهارَت» في المواقف الحياتية الصعبة لأنه يكون في أمس الحاجة إلى وجوده، يستشعر بخياله حضنه الدافئ، ويتذكر ابتسامته وكلماته ونصائحه التي يعمل بها وتكون مفيدة أحياناً، رغم بساطتها كقوله: عندما تشعر بالحزن تناول القليل من الحلوى.
يستعرض الفيلم فترات من تاريخ الهند منذ عام 1947 من خلال حكاية «بِهارَت» الرجل البسيط، الذي لا يتمتع بأية قدرات غير عادية أو مواهب ومميزات، لكنه بطل لأن البطولة كل البطولة أحياناً تكون في المقاومة والبقاء والاستمرار في هذه الحياة، وقد اختار الكاتب اسم «بِهارَت» لبطله وهو الاسم الذي له دلالة كبيرة وربما يعد مرادفاً للثقافة الهندية على اتساعها، وعندما يسأل عن اسمه الثاني هل هو كومار أم خان في مشهد التعارف بينه وبين بطلة الفيلم «كاترينا كيف» لا يجيب ويكتفي بأن اسمه «بِهارَت» وبأنه هندي.
كما يستعرض الفيلم التطور الاجتماعي والاقتصادي والفني الذي مرت به الهند خلال السنوات الماضية، ويشير إلى حقبة التسعينيات والنجومية الساحقة لكل من الممثل «شاه روك خان» ولاعب الكريكيت «ساتشين بيندولكار» بمشاهد توثيقية لكل منهما تنتهي بالإشارة إلى النجم الأهم، كما يقول الفيلم في تلك الحقبة وهو «مانموهان سينغ» وزير الاقتصاد، الذي أنقذ الهند من مأساة اقتصادية كبرى. ويعرض الفيلم بعض اللقطات التوثيقية له أيضاً ونستمع إلى بعض من كلماته وأحاديثه في مشهد عن رجل يستحق التكريم والتعريف به عالمياً من خلال فيلم واسع الانتشار لنجم كبير مثل سلمان خان.
أما «بِهارَت» فنصاحبه في رحلة حياته التي يرويها لنا بعد أن صار مسناً، ويحكي عن عمله منذ الطفولة لكسب المال في السيرك والبحر والقطارات، وتنقله بين المهن والدول أيضاً حيث سافر إلى الخليج تحت إشراف الإنكليز الذين كانوا يستخدمون الهنود في الأعمال الشاقة والخطرة في استخراج النفط والغاز.
ويُظهر الفيلم العنصرية التي تعرضوا لها والتفرقة حتى في الطعام، حيث كانوا لا يقدمون للهنود سوى العدس والأرز، بينما يتناول الإنكليز اللحوم والخضروات والفواكه والحلوى.
التمييز ضد الهنود والباكستانيين
وفي صحراء الخليج اجتمع الهنود بالباكستانيين مرة أخرى بعد أن فرقتهم السياسة والدين، واكتشفوا أنهم إخوة توحدهم الغربة والشقاء والتمييز ضدهم، كما يقول «بِهارَت» للرجل الإنكليزي إنهم يتعرضون للعنصرية بسبب لون بشرتهم واختلاف لغتهم.
وفي مشهد آخر عن اختلاف اللون واللغة يعد من أجمل مشاهد سلمان خان في الفيلم ويوجه من خلاله رسالة محبة تنطق بها العين قبل اللسان وتصل مباشرة إلى قلب المشاهد الإفريقي، حيث يقول «بِهارَت» مخاطباً «ميخائيل» الإفريقي: «نحن الهنود نحب إخوتنا في إفريقيا، إننا بسطاء مثلكم ولنا لون البشرة نفسه» فيعترض ميخائيل بقوله: «إن الهنود بشرتهم بنية اللون» فيجيبه «بِهارَت»: «لا فرق يا أخي، الهند وإفريقيا سواء، لدينا غاندي ولديكم مانديلا، غاندي ومانديلا إخوة»، وتُحل المشكلات بالحديث مع الآخر والتعرف عليه وفهم معاناته والتقرب منه، ويتحول المشهد الذي كان مؤهلاً للصدام والاعتداء إلى تسامح نرى فيه الرقص والغناء وتقاسم المال والطعام القليل المتوفر، كما نستمع في الفيلم إلى 8 أغنيات من ألحان «فيشال شيكار» وكلمات «إرشاد كامل» وغناء الكثير من المغنين، ويتميز كثيراً «سوكويندر سينغ» في أغنية «توربيا» الإيقاعية الراقصة التي تم تصويرها في مالطا، وعلى أنغامها يرقص سلمان خان أطول رقصاته بأسلوبه المميز السهل المرح، وهي رغم إيقاعاتها الفرحة تعبر عن معاناة المغترب عن الهند من أجل العمل وكسب المال وتعلقه بتراب الوطن رغم البعد، ويمكن القول إن الفيلم من خلال الدراما والموسيقى يروي فترات من التاريخ ويقدم الهند للمشاهد كأغنية قد تكون باكية حزينة أحياناً ومرحة سعيدة في أحيان أخرى، لكنها في جميع الأحوال أغنية مسموعة لا تقف اللغة حاجزاً بينها وبين العالم بأكمله، لأنه وكما يقول «بِهارَت»: غناؤنا غناء القلب الذي يفهمه الجميع».
كاتبة مصرية