شمس حبلى غابت. لا يدري أحد. الحبّ وجود أعمى ووحيد. ما من أحد يعرف في هذا المنفى أحدا. الكلّ وحيد. قلب العالم من حجر في هذا المنفى- الملكوت.
عبد الوهّاب البيّاتي
(سينشأ حبّ مثل هذا الحبّ أو أكثر. ستجري منه أمطار، وأشجار على الحافات قد تزهر. ونجمات صغيرات سيملأن السّماء بأنداء المدى الأخضر. وضوء مثل هذا الضّوء لن يرمى بسهم الموت، أو يصفرّ، أو يكبر).
قالت له.
ورمت على شجر الطّريق سؤالها.
فأجابها.
(لا بدّ من أسطورة أخرى لأبدأ من جديد. لا بدّ من نهر عميق أعمّد فيه حتّى الكعب أغنيتي لتكبر في سلام مثل نعناع الحديقة. لا بدّ من ضوء بلا نبع ولا مرسى، يجيء من الفراغ ليحضن الدّنيا. لا بدّ من حرف وليد فيه أولد من جديد. أولد ثمّ أفنى كالحقيقة، ليس يعنيني برود اللّوح في ظلّ السّقيفة أو برود الرّاحلين.
لي هاهنا ضوئي أحوّله جسورا كي أمرّ إلى ديار الأهل، إلى قرآنهم، إنجيلهم، توراتهم، ثوراتهم وإلى السّماء لكي تصير أقلّ بعدا، وإلى الغياب لكي يكون أقلّ إيلاما، وإلى يديّ لكي تطير الخيل أبعد حين ألمس جملتي من صدرها).
وفارقها بصمت دون يستوقف اللّحظات.
لم يتقابلا من أشهر.
لم يتكلّما.
لم يستطيعا بعد أن يتجاوزا العادات.
الأفق كان مسقّفا بالخوف،
والضّوء مسكونا بماء الذّكريات.
سلمى كعادتها تقول، ولا تقول.
بردى يطوّف في دواخلها خفيفا، لا رياح، ولا طلول.
وهي تدرك كلّ شيء: اللّيل الذّي لا تنتهي أحزانه، السّقيفة بمكعّبات الجصّ فوق أسرّة الأخوات، عشّ السّمانات المندّى، ضريح سيدي تليل، حمام ساحات المساجد، دعاء الأمّ عند النّوم وهي ترفل في ثياب الصّوف،
سلمى كعادتها تطوف، ولا تطوف.
بردى يطوّف في دواخلها، ويشهق بالحروف.
لكنّها عمياء، أو صمّاء، أو بكماء، لا تتذكّر الكلمات. تغنّي كي يقول الأهل: ‘شكرا للسّماء’. وتنسى صوتها في اللّيل تحت شجيرة الإجّاص.
قالت: ‘لماذا لا تراني طفلة كالآخرين؟’.
قلت: ‘لست مثل الآخرين. لست شيئا واضحا أو غامضا كالآخرين. لست نهرا جاريا أو راكدا كالآخرين. لست ضوءا ميّتا أو كامنا كالآخرين. أنت شيء ليس أوّله الجنون وليس آخره الجنون. آباد لذّات في كؤوس من حنين. دنيا تفتّق عودها عن براءات تعتّقها السّنين’.
‘لكنّني كالآخرين’. قالت. ‘ميدعتي زرقاء، أو ورديّة. ومحفظتي بلا لون. ولست أملك هاتفا. ومعدّلاتي في العلوم بسيطة. عاديّة كالآخرين’.
‘عاديّة، عاديّة، كالغيم يمكن، كالنّدى، كالياسمين. كأصابع الأمطار، كالأنهار، كالأفجار، كالشكّ المؤدّي لليقين’.
لم تدر سلمى ما أقول. فلم أواصل. لم أهيئ وردة لتقول عنّي فقرة أو فقرتين، ولا سحابا للبكاء، ولا سماء كي أعدّ وسادة للنّوم.
سرّ سلمى صوتها.
وأنا أحبّ الصّوت،
أحبّ الصّوت لا أكثر.
أحبّ المشي في إشراقة الكوثر.
أحبّ الرّيح وهي تزرّر الأكوان بالأحمر.
أحبّ الياسمينة وهي تذبل تحت معطفها، وتنثر عطرها الأصفر. أحبّ سقيفة الزوّار، ومربّعات الجبس فيها وهي تأتي في الصّباح وحيدة كالآخرين.
– ‘صوتك بردى’.
– ‘وما بردى؟’.
– ‘بردى نهر توقّف في الحقيقة، لكنّه ما زال يجري في دمي’.
– ‘أفهم ما تدرّسني، لكنّني لا أفهم المعنى هنا!’.
– ‘بل تفهمين’.
– ‘لست أفهم ما تقول. صوتي دماؤك، سيّدي؟ أوضح قليلا، ربّما فهم التّراب بدهشة منسيّة حكم السّماء!’.
– ‘لغتي مكبّلة، حطام، أحرف منسيّة، مهجورة، مسقوفة بالوهم، نيّئة، ملاذ للسّراب وللعواء. لغتي مرايا للدّم المرميّ بالسّيدا وبالأوساخ. لغتي امتلاء بالخواء، ورجّة في الهوّ، وبيت للبكاء. فكيف أشرح ضوءك المنساب من خلل الرّؤى بالطّين؟ وكيف أقترح الحياة لنجمة برّيّة وجميع آلاتي الحنين؟ وكيف أكتب هكذا بسهولة شعرا لأشرح ما أرى؟ رؤياي واضحة، نعم. لكنّني أعمى، أصمّ، وأبكم من سماء دون ماء. ليس في قلمي حياة للحياة. وليس في لغتي سماء للسّماء’.
– ‘بدأت أفهم’.
– ‘وأنا فهمت. صرت أكبر. صار عندي سبع أشجار أمام الدّار، لها ظلّ وأثمار، وبئر في السّقيفة، وعشّ فوق سطح البيت للدّجاج وللحمام إذا أحبّ وللسّمانى. صرت أكبر. وصار يمكنني إدّعاء الصّبر، وتوهّم الحكمة. وها عمري توزّعه الرّياح على الرّياح. كلّ ليل سوف يصبح وردة، إلاّ أنا، فجميع ليلي ليس يدركه الصّباح. زبد تمخّضه السّواحل كلّها، لا البحر يحمله، ولا لوح القلوع، ولا صاري النّواح’.
سلمى بعد عام سوف تدرس عند غيري. ألف سلمى غيرها سيكنّ عندي دون أن يعرفن ما بردى. ستقول لي: ‘أهلا’. ويأخذها ويأخذني المدى. سوف أسمع ألف صوت غيرها، ليعيد لي منها الصّدى، ذاك الصّدى، ليس أكثر من صدى.