سليم بركات: “أرواح هندسية” و”كبد ميلاؤس”

حجم الخط
0

طبعتان جديدتان من أعمال الشاعر والروائي السوري سليم بركات صدرتا مؤخراً، هما “أرواح هندسية” التي كانت طبعتها الأولى قد نُشرت في بيروت سنة 1987، عن دار “الكلمة”؛ و”كبد ميلاؤس”، وطبعتها الأولى صدرت عن دار النهار، في بيروت أيضاً، سنة 1997.

“أرواح هندسية” تبدو أقرب إلى “فقهاء الظلام”، 1985، من حيث تشييدها لعمارة فانتازية ومنطق خاصّ يسوّغ تأرجح الخيال بصورة حرّة بين المشهد التسجيلي والأجواء السحرية؛ ولكنها تمتاز عن معظم روايات بركات في سمة الخروج من عوالم منطقة “الجزيرة”، شمال شرقي سوريا، وعوالم الأكراد إجمالًا. وبقدر ما يبدو مكان الرواية غير المصرّح به (بيروت) وزمانها غير المدوّن (الحرب اللبنانية ونهايات الاجتياح الإسرائيلي لعام 1982، وخروج الفصائل الفلسطينية)، مسلّمًا بهما، بفضيلة الدلالات العديدة الصريحة؛ فإنّ اقتفاء المطابقات بين شخوص الرواية وما يمكن أن تمثّله في الواقع الفعلي لن يخرج عن إطار التمرين الذهني المحض، الذي لا يطمس في شيء الخصائص الفنية العالية التي تتمتع بها الرواية.

كبد ميلاؤس” هي رواية بركات السابعة، والجزء الثالث من ثلاثية حملت عنواناً موحداً هو “الفلكيون في ثلاثاء الموت”؛ حيث “عبور البشروش” هي الجزء الأول، و”الكون” الجزء الثاني. هنا، أيضاً، يخرج الروائي من مناخات “الجزيرة” السورية إلى جزيرة قبرص، التي أقام فيها ردحاً من الزمان قبل مغادرتها إلى السويد حيث يقيم الآن. لكنه لا يغادر الأجواء الأليفة لديه، والبيئات الكردية والسورية التي التقطها على الدوام؛ سواء عبر استحضار الذاكرة وأمكنتها في الطفولة واليفاعة؛ أو رفد السرد بشخوص عابرة، في قليل أو كثير، لكنها تستدعي الشمال السوري أيضاً؛ أو عبر إسقاط رموز تلك البيئات في العناصر المحلية، من شؤون العمارة والبناء إلى الحيوان والطير، دون إغفال النبات.

هنا سطور من ختام “كبد ميلاؤس”:

أكانت تماثيلنا في هذه الجهة من الهضبة؟ أم تلك؟ أكانت على كثرة هكذا في المثال الواحد حين فرغنا من صقل أجسادها بلهاث الممتنّين للكفايات؟ تناظرات الممكن مقنعة، ولا حاجة بي إلى إشغال يقيني إلا بالحضور الجليل للماهية المنظورة، بجلاء، فوق كمآت الثلج. أنا هنا. الهضبة هنا. التماثيل هنا. تقدمتُ محفوفاً بمدد الحقيقيّ إلى بستان الأشكال الشاسع، وكنت أرى في الوميض الغامر، المنشقّ ضفّتين عن مجرى الخيال الخالد، انفصال النجم الثاني في منظومة “سعد الذابح”، جارفاً منازل الأقمار الملتجئة إلى الميزان، كأنه يحرث مجرّة الفلك الأرضي بمخالب التنين، وهو وقت يوافق نماء البقول، وانعقاد التين الجبلي الأسود، ونضوج أسباب المجابهة بين وَرَثة العدم الأقوياء في بحر ميلاؤس”.

دار المدى، بغداد 2019

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية