باريس ـ “القدس العربي”: بهذا العمل الجديد، الذي صدر مؤخراً عن دار المدى، يستكمل الشاعر السوري الكردي سليم بركات 22 مجموعة شعرية، بدأت بـ”كلّ داخل سيهتف لأجلي وكلّ خارج أيضاً”، 1973؛ التي أطلقت الشاعر، مثل شهاب لافت وجديد وصاعق في الثانية والعشرين من العمر فقط، سرعان ما اخترق المشهد الشعري السوري، ثمّ المشرقي، فالعربي بأسره خلال سنوات قليلة.
المجموعة الجديدة، “مغانم الرياضيين والتعاليم كما التزموها”، حملت عنواناً متميزاً، على جري عادة بركات، وتوزعت قصائدها على 11 باباً؛ هي “الحَلَبات، “العصِيُّ والمَقَارع”، “ملمس الحديد”، “فنُّ القفز بلا ضوابط، والتزلُّج على المعاني”، “ترجمةُ الماء”، “تنقيبٌ في الفكرةِ العضليَّة”، “موسيقا ومِطرقة”، “الهواءُ كحِرْفةٍ”، “قواعدُ اللهاث”، “الدَّرَّاجاتُ كَمَا صُنِعت”، و”عَقْدُ المرتزقة”.
هنا منتخبات من المجموعة الجديدة:
كُرةُ السَّلَّة
بَشرٌ من فصائلِ الأزاهرِ البوقيَّة.
بشرٌ بوقيُّونَ في الدولِ الأزاهيرِ الجَرَسيَّة.
بشرٌ أجراسٌ،
يشترونَ الكلابَ تعويضاً إن ماتَ الآباء.
أصليونَ بطباعٍ جهْمةٍ.
متفرِّدونَ بلا صوابٍ أو خطأ.
متَّهَمونَ تُهَماً دقيقةً كسيقانِ العناكب.
ينتحلونَ جوابَ الصخرةِ إن سُئِلوا عن الحصونِ،
أو عنِ الرَّوافعِ العملاقةِ لانتشالِ السفنِ من مضائقِ الأساطير.

يعرفون المتوازنَ، واللامتوازنَ، تأييداً لحمْلةِ الكمالِ المتهتِّكِ على أبنائهِ المنتفضيْنَ، مُذ يعرفونَ التأييدَ متساوياً للجوعِ وللشبعِ، ولِمَا يُخيفُ وما لا يُخيفُ، وللأكيدِ ونقيضه.
راكضونَ في بناطيلَ قصارٍ، وقمصانٍ بلا أكمامٍ، إلى جوار الثديياتِ الأُوَلِ، المُرضعاتِ كلَّ أكيدٍ ذي فمٍ. وقد حَمَّلوا حمارَ العزائمِ ـ ذا الخُرجِ مليئاً دماً، أدياناً؛ آلهةً؛ بلداناً؛ مفاجآتٍ ثلاثياتِ الأرْجُلِ ـ ثلاثياتٍ متساويةً في عدوانيتها.
لا يُرهقهم شيءٌ، في اللعبِ، إلاَّ إنْ فكروا في محنةِ التفاحِ الذي بلا بزورٍ.
ها هو الأملُ، في المَلاعبِ الصَّفيقة من صراخِ الكُراتِ نقْراً على الأرضِ، مدَّعياً رشاقةَ الخنفساءِ. اللاعبونَ بالكُراتِ نقْراً على فكرةِ الأرضِ الصلبة، تحت إسمنتِ المَلاعبِ، ألهموهُ أن يتصنَّع رشاقةَ الخنفساء حيناً، ورشاقةَ التفاسيرِ مَجَازاً للأخلاقِ كما حدَّثتْ بها المُنحَدَراتُ المنحدراتِ، والمواسمُ المواسمَ، والكهوفُ جدَّاتِها الكهوفَ.
يعبرون ككُرتهم كلَّ منخفضٍ متعرِّجٍ، طويلٍ، بين النُّصبِ التذكاريةِ، حيث يفقد العابرون ـ عادةً ـ رغبةَ البقاءِ أحياءً، أو ربما يجدِّدونَ رغبةَ الذبحِ في الذبح.
كُرَةٌ واحدة للفريقيْنِ بشَراً من فصائلِ الأزاهيرِ البوقية،
ومن شهرةٍ كشهرةِ الضربةِ من أسفلَ إلى أعلى.
كُرةٌ من خَبَبِ الظلِّ في منعطفاتِ الحدائقِ،
وهرولةِ الظلالِ في المنعطفاتِ إلى الجنون.
أيدٍ تقرعُ بالكُرةِ الأرضَ؛
أيدٍ فتائلُ نحيلةٌ،
مشتعلاتُ الأناملِ تحت سقفِ العقل.
أيدٍ حَمَامٌ راقصٌ، مريَّشُ الأقدام.
أيدٍ بَكَراتٌ لرفع الدِّلاءِ فارغةً من آبارٍ غاضَ ماؤها.
يلهثُ اللاعبونَ كثيراً، نقْلاً للكُرةِ نطْنطةً على سطحِ الغدِ الثلاثيِّ الأرجُلِ،
والأرواحِ الثلاثياتِ الأرجلِ،
والأعمارِ الثلاثياتِ الأرجلِ،
والمخاوفِ الثلاثياتِ الأرجلِ،
والأيامِ المشمَّعةِ كمعاطفِ المطرِ المشمَّعة.
ينقلون الكُرةَ نطنطةً في الممراتِ المتربِّصةِ بأخطاءِ الأبوابِ،
كأنَّ كلَّ كُرةٍ رسالةٌ تتزاحمُ الكلماتُ القنافذُ في مَطَالعِ سطورها.
لاعبونَ بقلوبٍ أنفاقٍ، متفرِّعةٍ عن أنفاقِ القطاراتِ المسدودةِ بوجعِ سِككها الحديدِ؛ متفرِّعةٍ عن آلامِ الوصايةِ الأممية على الحوضِ الذي لم يغتسل فيه إلاَّ الملائكةُ الكَروبيون.
لا تُفارقُ عيونُهم، في اللعبِ، قوارضَ الله زاحفةً إلى الحبالِ الأخيرةِ في أشرعةِ الإنسانِ. هُمْ ـ في الزَّعْمِ الأكملِ لاعبيْنَ أمامَ سلالٍ بلا أسافلَ ـ أضافوا خُصَلاً مُعَارةً إلى خُصَلِ شعورهم تقرعُ الظهورَ إن تحرَّكوا.
أضافوا إلى الخُصلِ الطوالِ سيقانَ القصبِ الأماليدَ،
وأذيالَ الزواحفِ الاستوائية،
ورعشاتٍ من الحُمى العنقودية.
وهُمْ وبَّخوا الحلمَ لِمَ لَمْ يظفرْ بحلمٍ آخرَ تحتدمُ المعركةُ فيه على جسْرٍ.
ها هُمْ:
لم يُكْمِلِ الأبدُ صَفقةَ نفاقه.
سباق الضواحي
لا نفْعَ:
لجوءٌ إلى القوةِ أخيراً.
لجوءٌ إلى الشجرِ في الضواحي،
حيث الألمُ ظليلاً أفضلُ من غيره.
لهاثٌ متصلٌ بلهاثٍ.
وحدةٌ في اللهاثِ. أُخُوَّةٌ.
خطىً متصلاتٌ،
والطريقُ حُكاكَةٌ تحت لحم العدَّائينَ، الذين هُم فجاءاتٌ تزيينيةٌ مثْلُها الرسومُ تعوَّدت أن لا غَنَاءَ في تهذيبِ الظلِّ.
تعليلٌ مألوفٌ أن تتناطحَ الآلهةُ جباهاً إلى جباهٍ،
حين يتناطحُ البشَرُ القبائلُ ركضاً في ضواحي المدنِ المفقودة.
ركضٌ بشروطِ الموت.
حياةٌ ركضٌ بشروطِ الموت.
دكٌّ بالنُّور الراكضِ على العظامِ حتى طحْنِها.
خططٌ ماجنةٌ للحروبِ العفيفةِ حول الضواحي،
والنزاعُ بلا حَكَمٍ راكضٍ في التسالي الجناياتِ على اللذائذ.
يُطاقُ هذا،
أمْ لا يُطاقُ؟
تدبيرٌ ماكرٌ يفكُّ تِكَكَ السراويلِ في طُرقِ العدَّائينَ تحت السراديبِ الضواحي، وفوق الغيومِ السراديبِ الضواحي، من حولِ مُدنِ السماءِ الأقرب بعماراتها إلى المجهولِ العَدَّاء.
لا نفعَ من ركضٍ.
لا نفعَ من ضواحٍ في المدنِ المهجوراتِ إلاَّ بتجريدِ العدلِ من قِناعه،
وتجريدِ الشكلِ من قِناعه،
وتجريدِ البلبلِ من قناعه،
وتجريدِ الماءِ من قناعِ الماء.
أسرابٌ بشريُّونَ ـ مهازلُ راكضةٌ من طلاوةِ الجمرِ على لسانِ الجمرةِ الساحرة.
لكنهم استثنائيون، كأيِّ استثنائيٍّ عنيدٍ لن ينزعَ حذاءه حتى الموت.
مبارَكون،
ذوو أبدانٍ صِمغٍ،
وقلوبٍ قطنٍ حُلِجَتْ بين الأضلاعِ، فحُلِجتِ الأضلاعُ القطنُ أيضاً.
دستورٌ واحدٌ للركضِ من الضواحي الهاربةِ إلى الضواحي الهاربة.
دستورٌ واحدٌ للضفافِ.
دستورٌ واحدٌ للمُطْلَقِ خاملاً.
دستورٌ قَرْعٌ للثقةِ بيديها على المنضدة.
دستورٌ يُفْحِمُ الوجودَ ضرباً بالمنطقِ على خصيتيِّ الوجود.
الضواحي مُدنٌ هنا تستسلم للضواحي المدنِ هناكَ، على مبدإٍ من تشدُّدِ التسلية تطرُّفاً، لعْقاً للمثلَّجاتِ في الأقماعِ بلسانِ الدِّيْنِ الدافئِ،
والدِّيْنِ الباردِ،
والدِّيْنِ الفاترِ،
والدِّيْنِ الذي من طَمَعِ الغرابةِ في سلامتها.
عدَّاؤونَ في الضواحي:
نهاياتٌ
متفرِّعةٌ
كي تَسْتثمرَ الحُطام.
الملاكمة
حِبالٌ تتمغَّطُ في استناد المتراجعيْنَ عن اللَّكماتِ بالظهورِ إليها.
لم يكنِ الملاكمون موعوديْنَ بحبالٍ من حول الحلبات تسندُ الأجسادَ في تعثُّرِها بأقدام الحظوظِ الشديدةِ الرَّكْلِ إنْ ركلتْهمُ الحظوظ.
كانوا بلا وقاءٍ،
مكشوفيْنَ للقبضاتِ عاريةً بقوانين القتلِ عارياً، بلا اعتبارٍ للأوزان. وها صاغها المتعهِّدون أوزاناً من رفاهةِ التسالي في القتلِ بتأجيلِ القتلِ، فأوْجَبُوا قفَّازاتٍ هانئةَ البطانات بحشوٍ من الهواءِ رحيمٍ.
أوْجَبوا الضرباتِ نظيفةً فوق الخصور، لا تحتها.
أوجبوا نقاطاً في نزفِ الخسارةِ خسارتَها.
اوجبوا الضرباتِ القاضيةَ رفْعاً للحياةِ بكُلَّابٍ إلى مَجدها العنيف.
أوجبوا الخسارةَ على المجروحيْنَ جراحاً داميةً،
والمرضوضيْنَ رضوضاً تستنفد الأجسادَ، باحتسابِ الخسارةِ أنها ـ تقنياًّ ـ ابنةُ الضربةِ القاضية.
رياضةُ الملوك لَكْماً بالقَبضاتِ:
ذاك تقديرُ المنازلةِ اللامفهومُ تصنيفاً للتسالي: أَملوكٌ نازلوا الملوكَ لَكْماً، أمْ تمايلوا استثارةً على الأرائكِ شهوداً على عراكِ العبيدِ، والسفَّاحيْنَ، أُحضِروا إلى الحلباتِ بلا تشريعٍ؟ تكفي القاعدةَ أن يمسكَ الهواءُ بأحشائه،
وتُرغي
السماءُ
هياجاً
كالجَمَلِ الفحْل.
“ضرباتٌ نظيفةٌ” من تشريعِ الألقِ اللَّاحقِ في اختصاصِ الإنسان بالوجعِ نظيفاً،
وباللحم نقشاً على العظمِ نظيفاً،
وباللَّمس المُلتهِم نقشاً نظيفاً على الفرْجِ المُلتهِم.
تَسَالٍ كالأصباغِ العريقةِ من قَطرانِ الفحم، مُعَجَّلَةَ الفوزِ بالحقد فيها احتساباً للنقاطِ الضرباتِ، أو القاضيةِ الضربات من هؤلاء المُنْتَخَبيْنَ أوزاناً من أوزان الذبابِ،
وأوزانِ الدِّيَكةِ،
وأوزانِ الريشِ،
والأوزانِ الثِّقالِ وما فوق الثِّقالِ،
والأوزانِ الخِفافِ الثِّقالِ،
والأوزانِ الخِفافِ الأواسطِ ثِقلاً.
تصانيفُ من عَدْلِ النزوح بالأجسادِ إلى احتمالها شَجْوَ الدمِ وتغريدَه.
أرضٌ لِبْدٌ أرضُ الحَلْبةِ.
أربعةُ حِبالٍ للجهاتِ الأربع.
سومريُّون انتشلوا من الصخر نحْتاً نِزالَ الأنداد بقبضات الأيدي. فراعنةٌ أيضاً. ألفا عامٍ بَعْدَ أقرانهم في العمران الأول على ضفاف الأنهار انتشلوا من الصخر إيمانَه الدفينَ باللَّكماتِ. ألفا عامٍ ـ قبل الإيمانِ بقياس الزمنيِّ إلى نبيٍّ، أو عاصفةٍ في مولدها تشبه نبياًّ، أو إعصارٍ شتَّت الخلائقَ أصنافاً يستعبدُها موْلِدُ الإعصار ـ هُنَّ جمْعُ الفراعنة بعد السومريِّ نبضَ الضربة الأولى بيد الإنسان التمثال من جوفِ الصخر.
مناقبُ النزف بعد الضربات، وقبل الضربات، وفي أثنائها: هي المناقبُ الأماثلُ تقديراً للمخلوقات السَّيفيَّة الأذيالِ كمجسَّماتِ الفكرِ، والآلهةِ السيفية.
ملائكةٌ
تعلو
رغوةً
على
فمِ الغيم.