سماءٌ هاربة

حجم الخط
0

حمزة قناوي في ذلك اليوم علمَ أنها هنا، أتت من بعيد، بعد سنواتٍ خمس من المكاتبات بينهما، الصداقة والرسائل والشجار وتبادل النصوص. وتالياً الحب. كتبَ لها في أول كتابٍ أهداهُ إليها دون أن تمر على معرفتهِ بها أيام ( تظلينَ أنتِ كما كنتِ أنتِ.. علامةُ بعثي وموتي) واندهشَ مما كتبت. كان هناك آخرٌ مُسرنَمٌ يكتب لا هو. غير أنها كأنما كانت نبوءةً لا إهداءً. تحت السماء الهاربة التقيا في مساءٍ شريد، كان يقبض على باقة الورد خائفاً أن يبدو ارتباكه، وقفَ على الرصيف في انتظارها من بعيدٍ، لم يرها من قبل، بيد أن مفردات الكون كلها كانت عامرةً بملامحها في هذه اللحظة. لاحت من بعيدٍ لتتوه الأشياء وتنفلت ويرتعش الورد على يديه، لم تقف أمامه..دلفت إلى قلبه فوراً ولم تبرحه. من هذه اللحظة كُتبَ عُمرٌ وقدرٌ جديدٌ لمدينةٍ تومض في قلب عاشق، تتالت لقاءاتٌ، وأدفأت زوايا متناثرة في المدينة قلبي محبينِ يتبادلان القبلات تحت الشمس. على شاطئ خور بعيد، مضيق بحري في أقصى المدينة، التقيا، بدا كتفها من عقيقٍ ومرمر وقد تعرَّى من فستانها الأسود، جُننتُ وضجَّت الأشياء من حولهِ ووُلِد العالم. مرَّ المساءُ خفيفاً كالأسى شاحباً كالعبير، أخبرته بأنها تحبه وتعرف لماذا، وقال إنهُ صار لديه منذ هذه اللحظة ما يعيش له عمره بأكمله: هذه اللحظة نفسها. سأقدِّسها وأرجع لها، وسيكون هذا المكان مزاراً قدسياً لن تبارحه روحي في كل عام. تمر النهارات وهي في قلبه الحقيقة والضوء والصحو في أيامٍ لا يعدُّها أياماً إذا لم تلح فيها. في ليالٍ تتسارع إيقاعاتها بين الجنون والعمل، الوظيفة الخرساء، السيارة التي يجب أن يقودها إلى المكتب حيث الأوراق الصماء والكلمات الميتة، العالم الذي يتكرر، يطالعه وجهها في الطريق، بين البنايات ومن أوراق الأشجار والمحال والإعلانات.. أوقف السيارة وهاتفها. كانت نائمةً تستدفئ بفرائها الناعم في فراشها الوثير بفندق مدينةٍ قريبة. ‘آلو. تعالي فوراً. اخلقي نفسك! أحبك الآن بجنون الدنيا والآخرة. الآن وليس بعد دقيقة’. ردّت صائحةً تنعته بالجنون. سبتهُ ولعنت حبهما، وقالت إنها ستأتي! اتصل بالعمل وأخبر مديره بأنه لن يأتي اليوم. سأله عن السبب فحدّثه عن الحب والتوحد الصوفي وانزياح الأزمنة في إنسانٍ واحد. ظل المدير صامتاً وسأله عن رقمه الوظيفي وأغلق الخط. بعد ساعةٍ أتت، ساعةٌ علّمت الفتى صبر الدنيا عند الفقد والغياب. أتت، نزل كالمجنون من المركبة وأمطرها بالقبلات وسط ابتسام المارين وهي تكتم ضحكها وتترك له جسدها يحمله بين يديه ويحلَّق بها كريشةٍ في فضاء. توقف بعض المارة يرقبونهما، معظمهم من النساء، سائحةٌ أخذت تلتقط الصور لهما فانفلتت من ذراعيه مبتعدةً تضغط على كلماتها: ‘ يلعن دينك فضحتنا’! أخذ يضحك ويشير للناس نوحوها ويُقبِّلها بينما تورّد وجهها. مرَّ على الكثير من الغابات الخضراء في عينيها بينما يتجهانِ إلى الفندق القريب ذي الخمسين طابقاً ويداهما تشتجران. في احتدام الصهيل الموزّع بين مرمرٍ ونارٍ تصهره، وفي المسافة بين قدمي فرسٍ بريٍّ تركض على سهولٍ خضراء مفتوحة على المطلق، في شهيقِ الحرير وانهمار المطر على جسدين، كان الورد على التسريحةِ يشهقُ وينتشي على موسيقى شوبان الخفيفة.. كان وجهها يتورَّد في المرايا المحاصرة وكان يسبح في السحبِ والنورِ ويهوي من حالقٍ على نديفٍ أبيض رحيم.. والوقتُ يفلتُ من الزمنِ ليستحيل خارجه بين كونينِ يتمازجان. تحت الشمس وفي الشوارع الغارقة بأشعتها والمترعة بها، اندسّت في صدره. كأنما شيئاً يلفُّها برقةٍ وحزن أبعد من الارتباك والخجل بعد ارتعاش سمائها القصية وإمطارِها مرَّاتٍ على جسده. قالت: لا تغادرني أبداً فقد غادرني كثيرون. تأملها طويلاً..كانت حزينةً. مرَّرَ يده على شعرها.. ونسيَ شفتيه طويلاً على أناملها وأعينهما تتعانق. مرَّ الشرطي ينظر لهما بحدّة.. فابتسمت وسحبت يدها.. أسرعا إلى المقهى القريب وأدفأها هناك طويلاً على رائحة البن، بينما سرحت عيناها إلى أقاصٍ بعيدة، ربما تفكر في بلدها الذي تلهب الطائرات مخابزه وتشوي الناس فيه. قرءا عناوين الصحف سريعاً. أخبرته بأنها مُخرّبة من الداخل، أن ما تعيشه هو الجنون نفسه. بلدها يحترق وهي هنا لتتج سينما عن الرمل وناطحات السحب بدلاً من أفلامها التوثيقية التي درستها في أوروبا. حدثها عن روسليني وعن بيروت ومحمود درويش، وحكت له عن حقول التفاح التي كان يملكها والدها واحترقت في الحرب. وعن سريرها في قريتها التي تعانق النجوم نائمةً على التخوم والتلال والدوالي. وعدته أن يستلقيا عليه معاً وأن يتأرجحا.يلملمُ النهار الكلمات والبشر وتكنس الرياح بقايا البوح وآخر الزهور ويمضيان.يخرج العالم من زمن المدينة إلى قلبي عاشقينْ، تتمازج الأضواء، النيون والمحال، والفنادق وملامح العشاق، السرعة، الإعلانات المنكوتة في الرمال، والوقت العابر والعجلات وهمُما يُحلّقان فوق كل هذا، ويتمازجان حد التذاوب.. تحت ليل المدينة انتشت الأزهار على موسيقى شوبان سبع مراتٍ في سبع ليالٍ. في الصباح التالي على مساءِ النشوةِ استفاق على رسالتها على هاتفه: ‘ أحبكَ فلنفترِق’. اعتدلَ كالملسوع. اتصل وقد مسه الجنون: عبير.. ماذا هناك؟ صاحت بحدّة إنها تكرهه ولا تريد شيئاً أو أحداً يُذكّرها بنفسها الحقيقية التي تركتها هناك في آتون المحارق القصية..في ذكريات العابرين وفي روحها الخضراء قبل أن تخرّب. قال: ولكن هناك شيئاً حقيقياً يولد ويعيش بالفعل.. و.. صاحت. أكرهك.. لهذا أكرهك.. لا تحاول الاتصال. أغلقت الخط بعنف. نهضَ لا يفهم شيئاً.ينطفئُ العالم، تخرج المدينة من قلب عاشق كأنها وهمٌ وسرابٌ وعابر على الموجودات، ترحل موسيقى شوبان وتجف الأزهار ويصيب التصحُّر الروح. تتمازج الكلمات فوق الأوراق بالعمل إلى حد التشوُّه، تنتج مسوخاً لا علاقة لها بالأدب. يقحل العالم من حوله ويستحيل قلبه إلى نبتةٍ بريّة عطشى. يترك قلمه على المكتب وينهض ليتأمل المدينة من وراء الزجاج طويلاً. يغادر.في الأيام التالية التي تتمدد على مواتها نفسه وتستحيل أسابيعَ وشهوراً مطفأة، كأنما ينقضُّ طائرَ رُخٍّ عملاق بجناحين يغطيان الأفق على كل ما في المدينة من روحٍ وموسيقى وأزهار فيأخذها جميعاً ليخلّفها وراءه مقبرة. البشر ميتون، والبنايات شواهد. تسقط روحه من بين مخالب الرخّ وردةً على الخراب. في المقهى الشتائي ذاته تحت الفندق الشاهق جلس يشرب قهوته ويتصفح الجرائد كتمثال وقد نمت ذقنه قليلاً ولا أحد معه. طالع صورتها ثلاث مراتٍ لليوم في اجتماعات هيئةٍ مهمةٍ للسينما بالعاصمة، وفي ندواتٍ وورش. محاطةً بصحفيين ورجال أعمالٍ وبزهورٍ لا تشبه تلك التي كانت تتلصص عليهما منتشيين، بدون فساتين ديور التي كشفت عن بذخ عريها للمحيطين بها يكادون يلتهمونها، وتنورات لويس فويتون القصيرة. في الأيام التالية اعتاد العابرون رؤية فتىً يحمل باقة وردٍ ويقف بها طيلة الليل أمام فندقٍ فاخر، ينظر إلى الأعلى، تمر ساعتان أو ثلاث قبل أن يستقل سيارة الأجرة صامتاً ويتجه إلى الخور البحري في نهاية المدينة فينثر فيه الورود على الماء واحدةً فواحدة، بينما يخرج العالم من قلبهِ ويركض في براري ما تبقى من نثارها فوق روحه، ضحكتها العصبية، وترقرق عينيها عند مقبض الباب الذي يفصل مساءاتهما حين يغادرها وهي تشاغل وجهها بتأمل الزوايا كيلا يلتقط دموعها.. كان يشرد في الذكرى بينما استحالت سماءً هاربة.’ كاتب من مصرqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية