سمات الخيال العلمي في رواية «عفوا أيها الجبل»

عبد الباقي جريدي
حجم الخط
0

العلاقة بين المستقبل والأدب الموجه للطفل، تبدو علاقة محكمة وموصولة بزمن مقبل، فالطفل مستقبل الرجل وموضوع الرواية هو المستقبل.
فمعالجة المستقبل باعتماد نمط حكائي مخصوص هو أدب الطفل، يحتاج إلى معرفة ودراية لا بأنماط الكتابة حسب، وإنما معرفة ببعض المبادئ العلمية والإمكانات والافتراضات التي يمكن أن يصل إليها العلم في المستقبل، بعيدا أو قريبا.
فالمستقبل بأسئلته وهواجسه هو المحرك والقادح، ما يجعل النص الذي يعالج قضية الخيال العلمي، وفي الوقت نفسه الموجه إلى الطّفل، وتحديدا فئة اليافعين ـ من 12 إلى 16 سنة ـ يطل برأسين، وينظر باتجاهين مختلفين الأول شروط الكتابة لفئة عمرية معينة، والثاني جنس أدبي مخصوص له مقتضياته وضوابطه.

أدب الخيال العلمي

لا نكاد نظفر بتعريف جامع مانع يحدد هوية جنس النص الموسوم بالخيال العلمي ومميزاته، رغم قدم هذه النّصوص التي تعود إلى القرن 17 وهو مجال يفتح على قراءات متعدّدة، بالاعتماد على العجائبي والمفارق. وهي عوالم لا تخضع للمنطق السائد والمألوف، بقدر خضوعها لليوتوبيا المفارق الآسر، يفتح عالم الطفل على ممكنات المستقبل المحكومة بسندات عقلية ومنطقية ممكنة الوقوع، ومن بينها الرحلة الكونية التي تفتح آفاق وتمد الفضاء إلى ما لا نهاية.
وتقوم «عفوا أيها الجبل» للتونسي نور الدين بن بوبكر ـ المؤسسة العامة للحي الثقافي ـ دار كاتارا للنشر ـ الدوحة 2020، على نمطين من الكتابة، أولهما الرواية السحرية، ثم رواية الخيال العلمي الموصولة بالتعليمية.
قُسّمت الحكاية إلى عنوان رئيسي وعناوين فرعية بلغت ثمانِية عَشر عُنوانا، منها.. علاقتي بالجبل، العمة أم الخير الحكاءة في بيتنا، زائر غريب، شرط زعفران على نيروز، حظ عاثر في مثلث الشيطان، وهجعت الطبيعة بعد غيظها، في ضيافة الجزيرة العائمة، والآلات البشرية. هذه العناوين قامت أساسا على الفضاء باعتباره نصّا محكُوما بتعدد الفضاءات وتنوعها، فالنّص رحلة انتقال في الزّمن والمكان، إضافة إلى خصائص الكتابة إلى هذه المرحلة العمرية.

المستويات السردية

بدأت القصة على لسان العمة أم خير، بعنوان صريح من عناوين الأقصوصة «العمة أم الخير الحكاءة في بيتنا « والحكاية تقول «فعلا يا خديجة لقد ذكرتني بقصة شائقة سأحكيها لكم الليلة، فأعيروني سمعكم، شرعت العمة في سردها.. كان يا ما كان يا سادة يا كرام في سالف العصر والأوان حطاب يدعى حمدون». فالقصة الإطار هي قصة حسان والجبل والقصة المضمّنة قصة نيروز، ولكن الطريف أن السارد يتحول من العمة الحكاّءة إلى الكائن الغريب المتحول، بدا مثل الحكاية بوجهين مختلفين، وهي سمة بدت بارزة في أعمال نور الدين بن بوبكر (صورة الطائر/الخفاش في حسان وحارس الكنز). هذا التحول في الشّخصية وانفتاح النص على العجيب والمفارق، لا في الأحداث حسب، بل في طبيعة الشّخصيات يضرب بسهم عميق في رؤيتنا لثنائية الخير والشر. فكأن بالخفاش وما يحمله من صور مخيفة تذكّرنا بمصاصي الدماء وبالشر، جعلت الكاتب يحوّل هذه الشخصية من حيوان تحيط به هالة من القيم السلبية إلى آخر مفارق. يقول في «عفوا أيها الجبل»: «سمعت فجأة صوتا غريبا، حين استقام على قدميه بدا أشبه بمارد قميء مخيف بشع المنظر حادّ الأسنان، له عينان حمراوان كجمرتين مشتعلتين تستشيطان غضبا، وشعر كأشواك القنفذ.. بدأ يتغير شيئا فشيئا إلى أن تحول إلى صورة وديعة، صار لونه ذهبيا ناريا، ونبتت على رأسه طرّة من الريش وبان ريشه الملائكي وذيله الطويل الناعم، لقد صار طائرا بديع المنظر كطائر العنقاء». تتكرر هنا اللعبة نفسها واللعب هنا بمفهومه السردي لا يقفُ عند حُدود المفهومِ البسيطِ المتمثّلِ في النّشاط غير الجدي، بل للعبِ دلالات فنّية وتقنية وسِمات فكريّة واجتماعيّة ترتبط بمفهومِ الحُرية والإبداع.
ويواصل السارد لعبه ليتحول الطائر من حكاء يعوض العمة أم الخير في لعبة تبادل أدوار شيقة تضرب عرض الحائط منطق الحكي، وتعوضه بالعجيب المفارق يقول، «تبسم الطائر وردّ بصوت ناعم إنها حكاية ماتعة ومشوقة. قلت له وقد اقتحمت قلبي مشاعر الحيرة، أو تعرف هذه الحكاية؟ افتر ثغره عن يقين في النفس وأجاب: طبعا سأحكيها لك فالحكايات المنجمية جزء من الكنز الذي أنا مؤتمن على حراسته.. هيا يا حسان سأكمل لك بقية قصة نيروز في ما بعد، أدخل الآن ها هي قمرة القيادة». هكذا يلعب معنا السارد لعبة الأقنعة فيغير ملامح الشخصيات ويضع وجه هذا في قناع ذاك، دون أن يفلت خيط السرد القائم على مفهوم الرواية التعليمية.

رواية تعليمية

وهو نمط من الكتابة محكوم بطابع مخصوص وبنية مكرورة أساسه نقل معارف ومعلومات في إطار قصصي، يطلق عليها «رواية التمرن، «الدربة» و«التكوين» وتقوم رواية التعلم أساسا على سرد التجارب والتحولات الفكرية والاجتماعية التي يمر بها البطل. ومن ملامح البطل سرعة التأثر بالآخرين والولع بالأدب والفن، والرغبة في التنقل والسفر، اكتشاف الجديد من الأماكن والناس. ومن بين خصائصه وجود المرافق والصديق الذي يقود الشخصية إلى معرفة العالم وفهم ما يحيط به، ضرورة وجود معلم يقدم المعلومة، ويأخذ بيد الشخصية لأنه في حاجة لمن يوجهه وينصحه.. «افتح عينيك يا حسان وانظر إلى قريتك كيف صار حالها بعد سنوات. ردّ وعيناه تلمعان وكأنما انتظر أن أطرح السؤال».
هكذا تتحول النصوص وتتناسل لتبني مسارها وفق رؤية تعليمية محكومة بمفهوم المصاحبة والمرافقة، وهي سمة غالبة على نص أدب اليافعين. وهكذا تأخذنا القصة في لعبة مرايا متعددة لتقلص من الإسقاط المباشر هذا الخطر الداهم الذي يتهدد أدب اليافعين، فيخلصه من ربقة العرض والاستسهال، فيرسم شبكة علاقات محكمة البناء تيسر على القارئ متابعة الحكاية معجونة بإهاب من التشويق والمتعة في المراوحة بين قصة نيروز والساحر وقصة حسان المغامر، وبين هذا وذاك يمتدّ أفق التجاوز ويضيق.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية