سماسرة الأراضي في المناطق بين المطرقة والسندان

حجم الخط
0

قبل بضعة أسابيع قتل أحمد راشد سلامة بالرصاص، وهو مواطن إسرائيلي من سكان جلجوليا، كان يعمل في سمسرة الأراضي في السامرة ويهودا. كان نشيطاً في بركان وفي أماكن أخرى، ومرت من تحت يديه صفقات كثيرة. وكان غياب الأنظمة الإدارية وتسجيل الأراضي المرتب في مجال الأراضي في يهودا والسامرة يخلق أوضاعاً من الصفقات المزدوجة والنزاعات حول مسألة ملكية الأرض التي تباع أحياناً لأكثر من مشتر واحد. وإحدى الشبهات هي أن سلامة قتل على خلفية عمله كسمسار.
كيف نفهم الواقع المركب الذي يعمل فيه سماسرة الأراضي، ينبغي التعرف على تاريخ تجارة الأراضي بين العرب واليهود في البلاد، الذي بدأ قبل وقت طويل من قيام الدولة. عندما كان الأتراك يحكمون البلاد لم يكن هناك تسجيل مرتب للأراضي. فأراضي قرية ملبس التي هي اليوم بيتح تكفا، اشتراها يهود من العرب، لم يفلحوا أراضي المكان لأنها كانت مليئة بالمستنقعات والبعوض الذي يحمل الأمراض. وكانت أراضي الجبل تعتبر أفضل للفلاحة، ورفض العرب بيعها لليهود. ولكن بعد بيع أراضي السهل، كانت نزاعات الحدود كثيرة.
امتنع الكثيرون عن تسجيل الأراضي التي يملكونها للامتناع عن دفع الضرائب، بل وخوفاً من أن يجندوا في أعقاب التسجيل للجيش التركي. أما أولئك الذين سجلوا، فقد رفعوا معلومات جزئية. ثمة قطع من الأراضي كانت تحت سيطرة الأغنياء وكان الفلاحون هم الذين يفلحونها، فيما أن الأرض كانت مسجلة باسم الغني. صحيح أن البريطانيين وجدوا صعوبة في التغلب على انعدام النظام الذي خلفه الأتراك، ولكنهم نجحوا في ترتيب تسجيل الكثير من الأراضي.
بعد حرب الاستقلال احتل الأردنيون السامرة ويهودا وحكموا هناك على مدى 19 سنة. فرض الملك حسين السيادة الأردنية على المنطقة، إلا أنه منع سكانها من الانتقال إلى الطرف الشرقي من النهر. ومنح سكان يهودا والسامرة العرب أراضي بطريقة إخراج القيد، ولكن معظم دول العالم لم تعترف بصلاحيته في إدارة تسجيل الأراضي. بعد حرب الأيام الستة حرر الجيش الإسرائيلي يهودا والسامرة وحل محل المحتل الأردني كما يقول القانون. اليوم أيضاً يدار المجال وفقاً لسجلات الطابو والضرائب الأردنية، والإدارة المدنية تواصل التسجيل بكسل، حتى حين يكون الطلب كبيراً. في القرية العربية يوجد إجماع اجتماعي، وهناك محكمة، وورثة، وإخراج قيد، و«مختار القرية» صاحب الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بالنزاعات الداخلية.
قبل نحو شهر بحثت لجنة الداخلية في الكنيست في «نظام المختار» في القدس، وبموجبه يقرر وجهاء المجتمع الأهلي الإسلامي لمن تعود هذه الأرض أو تلك في شرقي المدينة. في أعقاب ذلك نشأ وضع من تراخيص البناء التي تعطى للعرب على أراض غير مسجلة. وأتاح النظام أيضاً قبول إعلان عن ملكية الأرض من خلال الرشوة للمختار. في أعقاب الاحتجاج تقرر إعادة النظام إلى البحث المتجدد.
عملياً، حتى اليوم فإن المناطق التي تكون قيمة الأراضي فيها عالية ليست مرتبة. وثمة ادعاءات ملكية موازية على أراض متداخلة. أما المحققون، الوسطاء، السماسرة وكذا المخادعون، فقد استغلوا هذا الوضع كي يعرضوا الصفقات.
ومن المغري للفلسطيني الذي يعمل مع اليهود في موقع للبناء أو في منطقة صناعية أن يعقد صفقة، عقب الطلب الهائل والسهولة التي يتاح فيها الأمر. ولكن الفلسطيني الذي يفلح الأرض والذي يفترض أنه صاحب الأرض فيخاف على مكانته في القرية أو يكون عرضة للتهديد بالقتل في أعقاب الصفقة. ومع أن قانون عقوبة الموت لا يطبق بشكل رسمي في السلطة الفلسطينية إلا أن للناس سبلاً أخرى لتصفية بائعي الأراضي لليهود. من أجل تنفيذ صفقة، هناك إذن حاجة للسماسرة الذين يديرون إجراءات الصفقات بين الفلاحين أصحاب الأرض، واليهود. من دونهم ما كانت للفلاحين رغبة أو قدرة على تحقيق الصفقات. الكثيرون من المعنيين بالبيع يضطرون للهجرة إلى الخارج، ولكن عملية البيع تفترض وجودهم بين الحين والآخر، وعند عودتهم يكونون عرضة للخطر. أما السماسرة الكبار، مثل سلامة، فيتبقون في البلاد بحكم انعدام البديل ويضطرون إلى مواجهة التعقيدات والمخاطر التي تتعرض حياتهم لها.

ليئور زبرغ
إسرائيل اليوم 16/1/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية