سمك الأنشوفة: مختارات شعرية للشاعر الآيسلندي برايي أولافسُن

حجم الخط
0

احترف برايي أولافسون (1962) الموسيقى لسنوات قبل أن يتفرغ كلياً للكتابة عام 2001. له ست مجموعات شعرية، وست روايات، إضافة إلى مجموعتي قصص قصيرة وعدد من المسرحيات التي لاقت اهتماماً في دول الشمال. ترجمت قصائده إلى العديد من اللغات، كما بعض رواياته التي نقلت إلى الإنكليزية، الفرنسية، الإسبانية، الألمانية، الإيطالية والعربية. نشر مؤخراً آخر مجموعاته الشعرية تحت عنوان ‘مناخ عاطفي’.

رسالة من المؤتمر الدولي للإسبرانتو

لا تُفاجأ
بهذه السطور المرسلة
من المؤتمر الثاني عشر للإسبِرانتو.
كل شيء مزدهرٌ ههنا.
أعني، حرفياً. الطبيعة تئزُّ فرحاً.
وفي الصباح التالي
لافتتاح أعمال المؤتمر،
أضبط نفسي بغتةً وأنا أقوم بسلوك غريب
فقد هرسُت ذبابة صغيرة
بين سبابتي وإبهامي
وتصعقني فكرة باهرة:
أن أتقاسَم هذي الذبيحة.
بامكانك أن تتخيل حرباً تدور رحاها
هنا،
حيث، مهما كان حجم المسألة، لا أحد متفق مع الآخر
غرف الاجتماعات
تفيض بالأوراق
بحيث تكسو نظارتي
ما إن أخلعها
تعديلات جديدة تماماً لتغيير أواخر المفردات المستخدمة كنعوت.
أنت على حق،
في الواقع
هذا ما تسير الأمور عليه في المؤتمر الثاني عشر للاسبرانتو،
لكني لا أرسل لك هذه السطور من هناك.
فكل ما ذكرتُه عن الطبيعة
وأزيزها
محض تأليفٍ وحسب،
أنا متواجد الآن
بشكل افتراضي
في المنزل المحاذي لمنزلك، كما تعلم:
لا مفر من موتنا معاً في نهاية المطاف،
بل إن كل ما يفرق بيننا
هو محل الطباعة غرب بيتي،
ملعب الأطفال،
طريق كلابارستيغُر،
ووسط المدينة بتفاصيله،
والإشارة الدالة إلى سيلتيامامس، والمحيط الهادئ.
المحيط بكل تياراته الغادرة
وتأنيب الضمير الذي يلاحقه
لابتلاعه كل أولئك الشبان الأقوياء والواعدين
مثلي. لست واثقاً أن هذا المكتوب سيصل إليك
في العمر المناسب،
لكن حين يودع صندوق بريدك أعلم أن
الفتحة الضيقة ستجعِّده – فتضعه أنت بعد ذلك
على طاولة المطبخ
محاولاً تمليسه.
مثل بحار أنزل الشراع
محدِّداً الآن نقطة النهاية لرحلته..

الأنشوفة

أدخل المطعم. أقول: أيها النادل، أنا لا أحب سمك الأنشوفة. لقد ضقتُ ذرعاً بطلب سمك الأنشوفة إلى مائدتي. ليس لدينا سمك أنشوفة هنا، يجيب النادل. يتابع: إنني أعرفك سيدي. أنت تتناول العشاء في هذا المكان حتى من قبل بدئي العمل فيه. كنتُ جالساً مرة على تلك الطاولة هناك وشاهدتُك. صوت الموسيقى كان منخفضاً جداً وسمعتُك أولاً تطلب وجبة العشاء وسمعتك مرة أخرى حين قُدِّم الطعام. لن أعيد عليك حرفياً ما طلبْتَه في تلك الليلة طازجاً كما قد يكون في ذهني لكن ما كان يوضع أمامك أبديتَ ملاحظتكَ: كم مرة عليّ أن أكرر أنني لا أريد أنشوفة! هذا السمك هو أسوأ الأطعمة التي يمكنني تخيّلها. وبما أنني أوافقك الرأي تماماً ولأني أُعجِبتُ بإخلاصك، راقبتُك حتى غادرتَ المكان. مرة أخرى، لقد أيقظتَ فضولي وفرحي برفضك القاطع لشيءٍ أنت من الأساس لا تريده.

تدرب مهني في لشبونة
إلى دغور سيغوردسون

تعويضاً عن افتقاره للأوصاف، تعمَّدَ سَاقٍ في حانة برازيلية تسجيلَ اسمه في دروةٍ بلغته الخاصة. بعد ثلاثة أسابيع، عندما عاد إلى العمل، كان كل شيء قد تغيَّر. فالمرأة المسنة التي دأبت على الجلوس على الطاولة نفسها، منذ زمن يعادل عمر الذاكرة، قارئة على الدوام الكتاب السميك نفسه، كانت ميتة. وبدلاً من اللوحات المعلقة على الحيطان، كان هناك مرآة بالغة العمق بحيث أن سعر المشروبات قد ارتفع. الساقي لم يتمكن من العثور على كلمة واحدة لوصف ما رآه الآن. للحظة شعر أن دراسته كانت مضيعة للوقت والمال. لكن بمساعدة زملائه، قَبِلَ الصفات التي لم تعد ضرورية. تدريبه انتهى للتو وسينمو ويعتاد هذه التغييرات حتى قبل أن يعرف ذلك.

وظيفة مرموقة

بحد ذاتها ليست هواية رائعة أن أجد نفسي محاصراً بأفراد عائلتي صبيحة يوم أحد: أنا واقف عند خزانة الكتب التي كانت للدراسة، مفسداً ترتيب الكتب التي تراصّت جنباً إلى جنب لسنوات، والتي أنفقت على ترتيبها مساءات لا تعد ولا تحصى. ‘تْراكل’ لم يعد مسموحاً له بعد الآن أن يقف جوار ‘ريلكه’، وعمود فقري نحيل يفغر فاهه الآن في وجهي بين ‘سمكات صغيرات’ و’عائلتي’ لـ’جيرار دوريل’. ‘بن هور’ حقق أنجز قفزة أكبر ولا بد أنه أجهد نفسه، فالآن يقف محمرّاً، منتفخاً بين ‘الفرنسية السريعة’ و’متعة الجنس’. تلك ليس بالوظيفة المرموقة ربما، لكنها على الأقل، تحثني على ارتداء ملابسي والخروج لشراء بعض الخبز، ووراء ذلك يكمن الكثير: سنوات المدرسة، قراءة كتب لم يدرِ أحد بها وحياة أزهقت بخوفٍ دائم من العقاب.

داخل برواز منزلي

مستأجر جديد يتوقع وصوله إلى المنزل،
بدلاً من العائلة.
قررت أن نصبح صديقين:
في البدء نُحَيي بعضنا بهزّ الأيادي،
أسرد له قصة مسلية
حدثت بالفعل في المنزل.
ثم يدعوني للدخول
رغم أن الأرضية تكون مغطاة بالكتب المبعثرة
ولا ستائر فوق النوافذ.
ثم أجلس في الكرسي الوحيد الذي أراه أمامي
فألاحظ براويز لبورتريهات وجوه
بعضها تشبهه.
يبدأ بالاعتذار عن هذه الفوضى
ويحدث أن لديّ فكرة أخرى أذكرها له:
سيكون مسلياً أن نتبادل الصور،
يصبح لديه صور لعائلتي
وأحصل أنا على صور لعائلته.
يعتذر مرة أخرى عن هذه الفوضى.
فهو لن يمكث طويلاً.

المُستكشفون

عندما سيطرق المستكشفون الباب
باردين ومتعبين
بعد رحلة طويلة
ستُبذَل كل طاقة بشري متبقية
لإشعال الموقد.
المساند القطنية
تُحمَل إلى غرفة الجلوس
وبعد أن تصبح درجة حرارة الموقد مناسبة
تُقَدَّمُ المشروبات
مشروبات جديرة بالاهتمام
لأي مستكشف: مارتيني
شاي جاف
من اليابان
أسود أو أخضر
وفقاً للذوق.
قد يحققون بعض الدفء بذلك،
إلى أن يقرع فضولُنا
أبوابَهم: لمَ جاؤوا يحتمون بنا
طالبين مأوى،
أي حادثة أفضت بهم للخروج من البراري،
وبعد ذلك
– وبسبب دفء الموقد
يستسلمون للنعاس
دون رد
يميلون إلى الخلف
كشموس ساعة المغيب،
غير معتادين أن يحاسبهم أحد فور وصولهم.

ترجمها عن الإنكليزية مازن معروف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية