الضفة الغربية سبق وعرفت أعمال شغب شارك فيها كثير من اليهود رداً على أعمال دموية، لكن ما ظهر مساء أول أمس في قرية حوارة كان كما يبدو غير مسبوق في حجمه. خلال ساعات، عربد عشرات المستوطنين في القرية عقب قتل أخوين من مستوطنة “هار براخا”: هيلل ويغيل يانيف، وهاجموا الفلسطينيين وأحرقوا بيوتاً وسيارات. الجيش والشرطة الذين وضعوا قوات فقط قليلة نسبياً في المكان رغم التحذيرات المتراكمة، لم يتمكنوا من وقف أعمال الشغب. يستمر التصعيد في الضفة في هذه الأثناء. فمساء الاثنين، قتل شاب إسرائيلي بنار أطلقت على سيارته قرب أريحا.
أظهرت الشبكات الاجتماعية فيلماً ظهر فيه المشاغبون وهم يتوقفون للحظة عن أعمال العنف لكي يقيموا صلاة المساء. يصعب التفكير بتشويه أخطر للقيم المعلنة للدولة من صلاة القوزاق المسروقين بعد لحظة من تفريغ غضبهم ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في حوارة.
المذبحة التي جرت في حوارة لم تولد يتيمة، فهناك أب وأم فكريان لها، اللذان لم يخفيا رغبتهما في تحقيقها. فور عملية القتل تم توزيع منشورات في السامرة دعت المستوطنين إلى الخروج في مسيرة من “يتسهار” إلى حوارة وطالبوا فيها بالانتقام. نائب رئيس مجلس “شومرون” (ونائب قائد كتيبة احتياط الذي بقي في منصبه بطريقة ما) دعا في تويتر إلى محو حوارة في اليوم نفسه لأنه “لا مكان للرحمة”. وزير المالية، والوزير في وزارة الدفاع وعضو الكابنت، بتسلئيل سموتريتش أضاف إعجابه، وشطبه بعد ذلك عندما حصل على انتقاد عام عليه.
بصورة ما، كل ذلك لم يكن كافياً لحث قوات الأمن على القيام بعمل حثيث أو مخابرات شرطة لواء “شاي”، في إصدار بيان تحذيري شديد. من يعرف، ربما كان رجال الشرطة منشغلين في تحليل نوايا الفوضويين الخطيرين من اليسار قبل المظاهرة القادمة في تل أبيب. وثمة موضوع آخر يتعلق باللواء اليهودي في “الشاباك”. فقد قال الجهاز أمس: “الأمر يتعلق بخرق للنظام العام صريح ومعروف مسبقا، لذا فإن الاستعداد لمواجهته يقع تحت مسؤولية الشرطة”. هذا ليس جواباً مقنعاً، ومن الجيد أن اللواء اليهودي دخل أمس إلى العمل والتحقيق حتى لو كان ذلك بتأخير بارز.
في بث “كان” ليلاً، حيث أبعاد العربدة كانت قد أصبحت واضحة، رفضت ناشطة استيطانية، هي دانييلا فايس، المطالبة (الزائدة بحد ذاتها عندما توجه إليها) إدانة هذه الأفعال أو دعوة مثيري الشغب إلى الخروج من حوارة. وصباح أمس، قال عضو حزب ايتمار بن غفير، عضو الكنيست تسفيكا فوغل، بأن القرى المشتعلة هي الوسيلة الأفضل لردع الإرهاب، وأن مثيري الشغب أوصلوا وضع الردع الإسرائيلي في “المناطق” [الضفة الغربية] إلى المستوى الأعلى منذ عملية “السور الواقي” في 2002. فوغل معروف للمراسلين العسكريين المخضرمين من فترة الانتفاضة الثانية كضابط أركان مهذب ويحب إجراء المقابلات. عندما تسرح حاول أن يترشح لرئاسة بلدية بئر السبع عن حزب شينوي (برئاسة يوسف لبيد). الأمر الذي تشوش منذ ذلك الحين غير واضح، لكن إذا هدأت النفوس في وقت ما فسيتوجه الجيش الإسرائيلي إلى تحقيق داخلي حول كيف وصل شخص لديه حلم أخلاقي كهذا إلى رتبة عميد.
المتفاجئ من دعوات وردود اليمين المتطرف على العملية ببساطة لم يتابع بما فيه الكفاية ما يحدث مؤخراً في الضفة. جميع عناصر الانفجار كانت موجودة، وقد تم إشعالها هذه المرة بسبب استعداد فاشل، بالضبط فشل بنيوي في كل أجهزة الأمن. في الساعات بعد العملية كان في المكان قائد المنطقة الوسطى وقائد فرقة “يهودا والسامرة”. بعد ذلك، جاء إلى قيادة لواء شومرون المجاورة رئيس الأركان هرتسي هليفي والضباط الكبار، واجتمعوا لتقدير الوضع. وعندما خرجوا من الاجتماع في التاسعة مساء، كانت قد احترقت عشرات البيوت والمحلات في حوارة. بين مدخل القرية المشتعلة وقيادة اللواء تفصل بضع مئات من الأمتار. وإذا كنت أتذكر بشكل جيد، فإنه يمكن مشاهدة القرية من غرفة الاجتماعات على قمة التلة في القاعدة. ولو فتح أحدهم النافذة لأدركت القيادة الأمنية بأن الضفة بدأت تحترق تحت أنفهم.
يعترف الجيش بالفشل ويقول إن رد القوات كان يجب أن يكون أكثر حزماً. في وقت الأحداث، كان في القرية فصيلان من حرس الحدود، وتم استدعاء جنود من كتيبة احتياط. قبل الليل وصلت كتيبة من المظليين التي تم إرسالها بعد العملية من قاعدة “اليكيم”، لكن لم يكن لديها ما يكفي من الوقت للاستعداد. مظاهرة المستوطنين لم تكن عادية. يقدر الجيش بأن مجموعة منظمة قادت العنف وخططت مسبقاً لإحراق عدد كبير من البيوت ووزع أعضاؤها المهمات فيما بينهم، هذا إلى جانب المشاغبين الذين عملوا بشكل تلقائي.
مساء أول أمس، في الوقت الذي وجدت فيه قوات الأمن صعوبة في مواجهة المشاغبين واضطرت إلى تقليص حجم مطاردة المخرب الذي قتل الأخوين، ظهر أمر آخر للأنظار؛ مئات المستوطنين برئاسة فايس صعدوا مجدداً إلى بؤرة “أفيتار” التي تم إخلاؤها بالاتفاق بعد أن استوطنها المستوطنون بشكل مفاجئ في أيار 2021، أثناء عملية “حارس الأسوار” في قطاع غزة. الآن، جرت عدة محاولات للجيش والشرطة لإخلائهم مرة أخرى من المكان، وهذه مهمة تعقدت عندما وصل بن غفير، الوزير المسؤول عن الشرطة، إلى البؤرة لعقد جلسة طارئة مع أعضاء الكنيست في قائمته. إن هستيريا الواقع الحالي حول توزيع الصلاحيات الغريب في “المناطق” والقوة التي أعطيت لوزراء اليمين المتطرف، تجسدت بشكل جيد لقادة الجيش في “المناطق”. هكذا قالوا أمس بأن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا النحو.
بحاجة إلى الأمريكيين، لكنه يغضبهم
تحلق فوق هذه الفوضى شخصية رئيس الحكومة المتملصة بدرجة معينة، بنيامين نتنياهو. فهو الذي فتح بوابة الجنون عندما قرر إعطاء سموتريتش وبن غفير مكانة غير مسبوقة في الحكومة الحالية على أمل مساعدته في النجاة من المحاكمة. مساء أمس، وبناء على الطلب المستعجل من كبار جهاز الأمن، نشر نتنياهو فيلماً قصيراً دعا فيه المواطنين إلى عدم أخذ القانون في أيديهم، رغم الغضب والحزن على موت الأخوين. ولكن كلما مر الوقت يبدو يجد نتنياهو صعوبة في مواصلة الركوب على النمر الذي أطلق سراحه عند عودته إلى الحكم. الجنون الذي دخلت إليه الدولة تحت مسؤوليته الكاملة منذ أن أطلق الانقلاب النظامي، يؤثر على “المناطق” الآن.
السؤال هو: هل يمكن إعادة المارد إلى القمقم، قبل ثلاثة أسابيع ونصف من بداية شهر رمضان؟ منذ بداية السنة تم إحصاء 14 قتيلاً إسرائيلياً في القدس والضفة الغربية، وأكثر من 50 قتيلاً فلسطينياً. هذه أرقام غير مسبوقة منذ فترة الانتفاضة الثانية، ربما باستثناء بضعة أسابيع في موجة إرهاب “الذئاب المنفردة” في 2015.
الأحداث في حوارة سلطت الضوء بشكل يثير الشفقة على الجهود الأمريكية لإحلال الهدوء في الضفة الغربية من خلال مؤتمر العقبة الذي عقد بالأمس. موقف إسرائيل في المؤتمر والانتقاد العلني الذي وجهه له سموتريتش وبن غفير بعد العملية جسد الوضع غير المحتمل الذي أدخل رئيس الحكومة نفسه إليه. وقع الممثلون في المؤتمر على وثيقة تفاهمات مع الفلسطينيين، التي تعهدوا فيها بأن يقلصوا النشاطات العسكرية في مناطق “أ” بالتدريج ووقف نشاطات البناء الجديد في المستوطنات لبضعة أشهر.
عملياً، لا يوجد لإسرائيل أي صعوبة في ضمان مثل هذا الأمر بعد أن أطلقت الحكومة عملية لشرعنة عشر بؤر استيطانية غير قانونية وخطة لبناء حوالي 9 آلاف وحدة سكنية (في المصدر تم التحدث عن 14 ألف وحدة، وهذا عدد انخفض بضغط أمريكي). ولكن هذا أيضاً كان كثيراً جداً على وزراء اليمين المتطرف الذين تنصلوا منه بشكل علني.
في الوقت الذي يحتاج فيه نتنياهو إلى الأمريكيين كي ينسق معهم خطوات أمام المشروع النووي الإيراني، ويغضبهم بشكل يومي من خلال أفعاله في “المناطق” والانقلاب النظامي، سجل له إحراج آخر؛ فحكومته ببساطة غير قادرة على الوفاء بالالتزامات الدولية أو بلورة سياسة واضحة. بشكل عام، كلما مر الوقت يصعب فهم كيف ينوي رئيس الحكومة تمهيد طريقه فيما بعد، بين الاحتجاج والرفض والاقتصاد المتدهور والضغوط الأمريكية، حيث يحدث كل ذلك في خلفية الدخان المتصاعد من “المناطق”.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 28/2/2023