القاعة ممتلئة، ظهر وجهه علي الشاشة متأثرا، كان تصفيق الناس أعلي من صوت ملامح وجهه. كان ينظر الينا عبر شاشات الأقمار الاصطناعية مستمتعا بتصفيقٍ لا يتوقف، فلقد وصل غير متعب الي رام الله للمرة الأولي.
لم نفكر مرتين بأن نذهب من حيفا الي رام الله لنري ونسمع سميح شقير هناك. كنا سنذهب الي أي مكان لنراه، لكن حضوره هذه المرة في رام الله وان كان عبر التكنولوجيا (نشكر الله عنا تكنولوجيا..) كان له طابعا خاصا لا يُكتب عبر الكلمات. قبل أن يظهر وجهه، كان الجمهور يغني روعة أغانيه (وكثيرة هي). وبعدما ظهر أمامنا علي الشاشة، كنا نراه وكان يرانا. لم يتوقف الجمهور عن الغناء، بركان من الأغاني والمشاعر والأيدي والتصفيق والدموع واكب المساء كله. كان سميح يتأمل وجوهنا جميعا، طالبا بين الحين والآخر من المصور بأن يُقرب الكاميرا علي وجوهنا، ليراها بصورة أفضل. كان يسمع همساتنا، وصوت صبية صغيرة تجلس في الصف الأخير تصرخ باتجاهه: سميح، غنيلنا عصفور! .. يبتسم لها ويقول: أنت أحلي عصفورة! . لم يغنّ لحظة لوحده، منذ أن بدأ الأمسية بأغنيته لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم.. ، كان الناس معه بكل حواسهم، حتي عندما رحل صوته قليلا، ليعطي مساحة للعود وحده ليغني.. القاعة مليئة بالناس، أعلام وكوفيات ترحب به في فلسطين، لم يستطع أن يغني دون أن يهدي أغنياته الي رام الله.. والي الأسري والمعتقلين.. ، والي العشاق الثائرين.. ، الي الجولان السوري المحتل.. ، والي الشهداء.. و الصامدين.. . سورية، بيروت ورام الله. امتزاج عبر الأثير. ينهي سميح أغنيته الأولي، يصرخ الجمهور طالبا أغنية بحاجة لها، يغير برنامجه المخطط ليغني: لو يوم تنادينا يا الوطن.. . وقف الجمهور، البعض كان يرقص، والبعض الآخر يطلق الزغاريد، والبعض يكتفي بالتصفيق والغناء.. تارة يهدأ الجمهور ليعطي لحظات الهدوء الكافية لسميح كي يغني وحده، فيرثي الشيخ امام. ويعلن اشتياقنا العلني له في هذا الزمان. لتعود بعده الطبول حرة، ويعود الجمهور للغناء والرقص، وعلي وجه سميح تبدو ملامح الرغبة بأن يأتي، لا ليغني هذه المرة، بل ليضمنا فقط، كما صرّح. كنا جميعنا هناك، من الجولان، الجليل، المثلث ورام الله. يتأمل سميح وجوهنا ويغني. ليتأكد بعدها من أن الجولان حاضر بيننا، ويغني لهم/لنا: يا زهر الرمان.. آن اوانك آن.. لتفتح علي مجدل شمس، لتصبّح علي الجولان.. . لم تكن أغنيات سميح وحدها هي التي وضعتنا في هيجان المشاعر هذه وارتياحها. بل الحالة غير الاعتيادية برمّتها: سميح شقير يغني من بيروت وهو في رام الله، رغم ازدياد الحواجز وحرس الحدود. لكنه لم يغنّ هذه المرة: اشتقت اليك، اشتقت.. اشتقت.. وما أخرني الا حراس الطرق، اليك.. الي وطني! . لم ينجح أحد بأن يؤخره عنها/عنا. كان بيننا، عبر الشاشات، للأسف، ولكنه كان بيننا، معنا، بالرغم منهم.
رشا حلوة ـ عكا[email protected]