أنوار سرحان لم أكن أتوقّعُ إذ أعددتُ قهوتي بمللٍ دافقٍ ذاك الصباحَ أني سأكونُ على موعدٍ معي، مع ذكرياتي وما يسكن أعماقي. مع حنيني إلى طفلتي التي ما زالت تلحّ عليّ، بل وتزداد إلحاحاً كلما مرّ بي العمر، لأزداد يقيناً بصدق فيروز:’سنة عن سنة عم تغلى عقلبي يا عهد الولدنة’. ناعسةًً بشعري الأشعثِ وقهوتي المرّةِ دخلتُ حاسوبي أفحص الرسائلَ الهامة لأتجاهلها وأهربَ منها، ثم أجول عالم الفيسبوك بعبثيةٍ متناهيةٍ ريثما أنتهي من ارتشاف ما يكفي من القهوة لأصحو. يطالعني رابط أغنيةٍ فلسطينية بصوت سناء موسى نشره أحدهم، ورغم أنّ سناء من قريةٍ مجاورةٍ أعرف معظم أهلها إلا أني لم أسعَ يوماً للقائها أو متابعة حفلاتها، ربّما كنتُ كأهالي قريتنا أتصوّر أن الفنّ فقط للبعيدين، تماماً كما ما زال معظمهم لا يستوعب أني كاتبة. ضغطتُ على الرابط فجاءتني جدّتي رفقة أمي وخالاتي ونساءِ قريتي الصغيرة من هناك. لكأنّ الصوت لملمهنّ جميعاً وسكبهنّّ في صوت عجوز افتتحت التسجيل تغني وإيقاع التصفيق يرافقها:’يا هالعريس من بلادك ما أريناها، يا بدلتك من جبل عجلون قطعناها، وتفصّلت بحلب واهتزّت الشام’ لكأنّ عقوداً ثلاثةً تمّحي فجأةً، فأعود طفلةً بثوب عروسٍ مزركشٍ وطرحةٍ أزدهي بها، أتلصّص إلى أمي ترقص في عرس خالي، أتساءل بذهولٍ كيف لا يقع ‘القفّور’ من فوق رأسها إذ تتمايل، وأنتظر بلهفةٍ مع رفيقاتي أن تميل يدها فتلتقط حفنة حلوى من ‘قفورها’ وتنثرها إلينا.. لم تكن تنسى أن تذكّرني بغمزةٍ منها بألا أسمح للحلوى بتوسيخ فستاني الجميل… أنظر إلى فستاني وإلى تلك العروس، وفي عمقي ينبعث حلمٌ بأن أكون مكانها، عروساً حقيقية وبثوبٍ لا تشوبُ بياضَه زركشة.
صوتُ سناء ينساب بعد صوت العجوز بموّالٍ أسمع عبره كلّ نشيج نساء فلسطين اللاتي فقدن أحبابهنّ في نكبةٍ ما زالت تتناسل:’يا نجمة الصبح فوق الشام علّيتِ، الأجواد أخذتِ والأنذال خلّيتِ، نذر عليّ إن عادوا أحبابي لبيتي لأضوي المشاعل وأحنّي العتاب’.. تبكي روحي الطفلة.. لم أكن أفهم لماذا تخلط الجدّاتُ بين الدمعة والموال، تبكي جدّتي في العُرس أو الفرح وتنشد مواويلَها في العزاء.. لم أكن أدرك بعدُ أن طعم الفرح الفلسطينيّ مغمّسٌ بالنكبات.. تلحّ عليّ طفولتي البعيدة.. أشتهي أن أصغي إلى ما تخزّن في روحي من ذكرياتٍ استفاقت كلّها بصوت سناء موسى ومواويلها الفلسطينية التي اندثرت منذ حلّت نانسي عجرم ونجوى كرم مكان عجائزنا في الأعراس.. أحاول أن أختبئ بذاتي، فيما طفلتي الصغيرة تلحّ أن أحتضنها وألاعبها، كم هو قاسٍ أن يحتاجنا أطفالنا في لحظةٍ نحتاج فيها طفلنا المنسيّ فينا.
أرواغ طفلتي ما أمكنني وأغريها باللعب مع أختها، كي أهرب إلى عوالمي الخاصة، نحتاجُ أحياناً أن نستسلم لأنانيتنا ونتنكّر لأمومتنا ولو للحظاتٍ نحيا فيها داخلنا.. أتسلل إلى ‘صومعتي’ المليئة بفوضاي، هي المكان الوحيد في البيت الذي لا يجرؤ أحد أن يسأل صراحةً لماذا يقف على رأسه. فيه أتلذذ بالعبثية والفوضى وتناثر الكتب والأوراق، الأشرطة والتسجيلات، وموادّي المتبعثرة! أكره أن أقرأ في مكانٍ مرتب، أشعر أن ذهني يتقولب فيه ويتقيد.. بل وأعشقُ أن أبحث بشوقٍ عن كتابٍ أحبه بدلاً من وجوده أمامي يهبني نفسه، أعشق أن أنزلق على الأرض، وأرفع قدميّ في الهواء لأقرأ وحولي ألفُ ورقة تتناثر. كثيراً ما أحمد الله أنّ زوجي قد فهم منذ أعوام أنّ عدم دخوله إلى غرفتي الخاصة سيدّخر له الكثيرَ من الانزعاج والتقزز، ويدّخر لكلينا صراخاً وخناقاتٍ وإزعاجاتٍ للأبناء والجيران، وإن كان بمشاكساته يستغلّ أحياناً تلك الغرفة كنقطة ضعفٍ يتغامز بها عليّ مع أبنائي كلما طالبتُ الجميع بالمحافظة على نظام البيت وترتيبه، ملمّحاً إلى وجود ‘مكان في بيتنا يزخر بالفوضى العارمة ويبدو خارجاً من انفجارٍ صاروخيّ’، أو كما يجيبني أحياناً: ‘لا تأتِ عن خُلقٍ وتأتي مثله’!**ألوذ بفوضاي أبحث وسط أوراقي القديمة عن حقيبة ذكرياتي التي أشعلت مواويلُ سناء موسى حنيني إليها.. حقيبةٍ خزّنتُ فيها عمرًا، ملابسَ ارتديتُها في مناسباتٍ لا تموت فيّ، أقيسها كلما مرّت بضع سنواتٍ فرحةً بأنّ مقاسي ما زال يناسبها، فأستحضرّ أيام شبابٍ للحظاتٍ أتناسى فيها أنّ ما خطته السنواتُ في وجهي من الشقوق لن يختبئ أبداً، وأنّ دروباً حفرتها الأيّامُ لن تمّحي باللباس والمقاسات.
أقلبُ حقيبتي وأبحث عن ألبوم لصورٍ كنتُ رتّبتها متتاليةً، ‘صور حلمي المراوغ’ كما كنت أسمّيه. أجدني في صورةٍ بفستان عرس خالي، ذات الفستان المزركش والطرحة والحلم منذ ثلاثة عقود، كنتُ طفلةً من ستّ سنواتٍ، وكنت أحلم بطرحةٍ وفستانٍ أبيض.. وكنت أظنّ العالم أجمل بكثير.. لم أكن بعدُ قد فهمتً!
وإذ تمرّ ثماني سنوات على مجيئي للكون.. يسرقني التمعن فيمن حولي وأحاول أن أفهم.. رأسي بدأت تثقل حينها وتميل بانشداهٍ، وكلما استعصى عليّ الفهم لذتُ بحلمي الذي يكبر معي.. ثم صورتي مع أبي يداعبني في الصف السادس، تصرخ ‘إني أحاول أن أكبر’، فيما يصرّ الجميع أن يروني طفلة.. ثمّ ما ألبث أجدني ذات حفلٍ مدرسيّّ.. في الصف الثامن. ويداي تنتشران حولي، ربّما ألقي قصيدةً أو ربّما خطاباً أتعهد فيه بأني سأغير العالم وأجعله كما حلمي.. لم أكن بعدُ أدرك كم سأفشل.. سنواتٌ تمضي، تتزوج أختي، فرحةٌ هي بتحقيق حلمها ومتشوقةٌ أنا لتحقيق حلمي: متى أرتدي هذا الثوب لأثبت للجميع أني كبرت؟. إذ أنتقل للدراسة.. أكتشف أنّ ثمة حياةً أخرى خارج قريتنا الصغيرة.. وأغدو محاطة باقتراحاتٍ وخياراتٍ تجعل من حلمي قريباً، قريباً أكثر.. ثم أراني أخيراً في صورتي عروساً بعد أن ظننتُني كبرتُ بما يكفي، بثوب زفافٍ حقيقيّ، وتاجٍ يلمع فوق رأسي، وفي عينيّ حزنٌ لا يتخفى، لم أكن أفهم يوم زفافي لماذا يغزوني الحزن وأنا أتزوج بعد قصة حبّ رائعة، وأنال ما حلمتُ به وتحدّيتُ الجميع لتحقيقه.. ربّما لأني يومها فقط، وإذ حققتُ حلمَ طفولتي، اكتشفتُ فجأةً كم سأحنّ لتلك الطفلة.
دمعةٌ تنساب في قلبي، وحنينٌ شجيّ ينسكب فيّ، وصوت سناء يراودني من جديدٍ:’وعيونها يا طير وتقول فنجان، فنجان بالقهيوة منتليّة’.. تقتحم طفلتي الصغيرة خلوَتي، تحمل في يدها فستاناً أبيض تطالبني أن أُلبسه لها وبلثغتها المحببة تقول: ‘عروسة’.. أبتسم لها، أضمّها عميقاً، وبصوتٍ لا تسمعه أهمس: ليتني كنتُ مكانكِ الآن! فيما أحاول أن أخفي عنها ما دبّته فيّ مواويل سناء من الحنين.