سنة علي الانسحاب السوري من لبنان: أزمة تشتدّ ولا تنفرج

حجم الخط
0

سنة علي الانسحاب السوري من لبنان: أزمة تشتدّ ولا تنفرج

صبحي حديديسنة علي الانسحاب السوري من لبنان: أزمة تشتدّ ولا تنفرجكان الدخول العسكري السوري إلي لبنان، صيف 1976، بمثابة النقلة الإقليمية السياسية والعسكرية الأهمّ في تاريخ الحركة التصحيحية ، وهي التسمية الرسمية للإنقلاب الذي قاده حافظ الأسد ضدّ رفاقه في حزب البعث منذ أواخر 1969 وتوّجه في 16 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1970، حين استكمل وأعلن استيلاءه علي السلطة. ولهذا فإنّ الإنسحاب العسكري السوري من لبنان، الذي تمرّ سنة أولي عليه هذه الأيام، كان بدوره يستكمل تلك النقلة في الوجهة المعاكسة إذا جاز القول، أي في مسار تجريد النظام السوري ـ ببطء تارة وبتسارع دراماتيكي طوراً، ولكن علي نحو مضطرّد إجمالاً ـ من المغانم والأوراق والقوي والحلفاء وهوامش المناورة الإقليمية.ومن الإنصاف القول إنّ انحطاط النفوذ السوري في لبنان كان قد بدأ مع سحب هذا الملفّ من يد عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس آنذاك، وتسليمه إلي بشار الأسد كجزء من ترتيبات إعداد الفتي لخلافة أبيه (وبالطبع، غنيّ عن القول إنّ الإنحطاط لم يبدأ لأنّ خدّام كان أرحم باللبنانيين من الأسد الابن، بل علي العكس تماماً: الأخير كان في طور التلقين وألعاب الهواة، وكان خدّام أشدّ شراسة وشراسة وأكثر تشدداً ودموية). غير أنّ الضربة القاصمة جاءت مع وفاة حافظ الأسد في حزيران (يونيو) 2000، حيث صحا اللبنانيون علي الحقيقة البسيطة التالية: الوجود السوري ( الشرعي والمؤقت بالنسبة إلي الرئيس اللبناني إميل لحود، والمؤقت ولكن اللاشرعي الذي آن أوان إنهائه بالنسبة إلي معظم اللبنانيين) ينبغي أن لا يظلّ علي حاله السابقة بعد أن غاب حافظ الأسد، صانعه الأوّل الأعلي دهاء ومكيافيللية وشراسة ودموية من وريثه في الحكم، بشار الأسد.هذه الحقيقة/ البديهة كانت تقبل، أو تصنع تلقائياً، ذلك الاستطراد البديهي الآخر: إذا تآكل الوجود السوري في لبنان ـ سواء نُظر إليه في مستواه العسكري والسياسي والإقتصادي، أو في مستوياته الأخري الاجتماعية (العمالة السورية، التوترات بين الشعبين، انقسامات اللبنانيين…) أو الحقوقية (اتفاق الطائف، القرارات الدولية…) ـ وكفّ عن كونه صانعاً لأوراق القوّة، فمن المنطقي والحال هذه أن ينقلب إلي عبء علي سلطة الوريث، أو ربما كعب آخيل الأهمّ في الجسم الذي يطلّ به بشار الأسد علي الكون الخارجي، علي الجوار الإقليمي والعالم بأسره سواء بسواء.ومن الإنصاف التذكير، كذلك، أنّ أولي إشارات الصحو علي هذه الحقيقة/ البديهة لم تأت من وليد جنبلاط أو ميشيل عون أو الكتائب او القوّات اللبنانية أو أيّ من القوي اليسارية التي سوف تأتلف بعدئذ في إطار اليسار الديمقراطي ، وطبيعي أنها أيضاً لم تأت من الراحل رفيق الحريري لأنه كان آنذاك أحد أخلص حلفاء النظام السوري. لقد جاءت، ليس دونما مفارقة في واقع الأمر، من مجلس المطارنة الموارنة الذي أصدر بياناً لافتاً تماماً في 20 أيلول (سبتمبر) من العام 2000، أي بعد أشهر معدودات علي توريث الأسد الابن، أبدي فيه الحرص علي توثيق أحسن علاقات الأخوّة بين لبنان وسورية ، ولكنّ المغزي الأهمّ وراء البيان كان التشديد علي أن الصلة اللبنانية ـ السورية قائمة علي علاقات الأخوّة وحدها، ليس أكثر!وإذْ ينصف المرء ذلك البيان اليوم، فليس لأنّ الذكري الراهنة تقتضي استذكار تلك الواقعة الفارقة فحسب، بل لأنّ ما انطوي عليه نصّ المطارنة الموارنة كان كأنه يستبصر للبنان الكثير من التطوّرات التي سيشهدها البلد حين تغادر القوّات السورية من جانب أوّل، كما استدعي في حينه سلسلة استقطابات سياسية واجتماعية ودينية ومذهبية سوف تصبح من جديد جزءاً لا يتجزأ من خطاب، وكوابيس، الحياة اليومية اللبنانية الراهنة، وتحديداً في ذكري الإنسحاب هذه الأيام. وهكذا، وكما نشهد اليوم مَن يترحّم علي الوجود العسكري في صفوف اللبنانيين أنفسهم (وليس عاصم قانصوه وحده، للتذكير!)، توفّر قبل ستّ سنوات مَن يناهض بيان بكركي… دفاعاً عن شرعية الوجود السوري. هذه كانت روحية البيان المضاد، أو هكذا توجّب أن يُقرأ عملياً، الذي صدر آنذاك عن اللقاء الإسلامي المؤلف من المفتي الشيخ محمد رشيد قباني (ممثلاً لدار الإفتاء السنية)، والشيخ عبد الأمير قبلان (المفتي الجعفري الممتاز)، ومحمد السماك (ممثّل لجنة الحوار الإسلامي ـ المسيحي)، وبهجت غيث (شيخ الطائفة الدرزية). بيان مجلس المطارنة الموارنة طالب بإعادة انتشار الجيش السوري تمهيداً لانسحابه نهائياً، عملاً بالقرار 520، واستناداً إلي نصوص اتفاق الطائف؛ وبيان اللقاء الإسلامي اعتبر أنّ الوجود السوري شرعي ومؤقت كما قال رئيس الجمهورية، وأي موقف منه تقرره السلطات الرسمية. موقفان، إذاً، علي طرفَي نقيض وعلي طرفَي استقطاب ديني واضح: مسيحي/مسلم. إلي هذا، كان الفارق بين البيانين لا يقتصر علي انقسام حادّ بين لا و نعم للوجود السوري، بل تجاوز اللونَين الأبيض والأسود إلي تدرّجات للرمادي، عديدة ومعقدة!بين هذه التدرّجات، العابرة للدينيّ والمذهبيّ والسياسي بمعني السياسة الصرفة الكلاسيكية، ما جاء في بيان مجلس الوزراء اللبناني ردّاً علي بيان المطارنة الموارنة: العلاقات بين سورية ولبنان ليست أمراً مزاجياً يتغير بتغيير المواقف الخارجية والفئوية، بل هي علاقة استراتيجية تحددها الدولة بمؤسساتها الدستورية، وأنّ هذه العلاقة هي من الثوابت التي تقوم علي تأكيد مصلحة لبنان أولاً، والتي تؤكد أيضاً ثبات المواقف القومية مع الشقيقة سورية وأواصر المصالح المشتركة في ما بيننا . هذه لغة خشبية كما يقول الفرنسيون، لكنها كانت اللغة التي تلتقي تماماً مع بيان اللقاء الإسلامي ، حتي أنّ الواحدة منهما بدت وكأنها ترجّع أصداء الأخري. وهنا أطلّ ذلك التطيّر الذي يشتغل علي المخاوف والكوابيس والمخاطر: بيان بكركي يرجّع أصداء الحرب الأهلية اللبنانية!المعادلات اختلفت جذرياً بعد اغتيال رفيق الحريري وانقلاب سواد السنّة علي دمشق، وانحياز سواد الدروز إلي وليد جنبلاط بوصفه ممثّل الزعامة التاريخية علي الأقلّ، حين انخرطت دمشق في تأثيمه وتجريمه. وباتت أشباح الحرب الأهلية أقلّ هيمنة علي الوجدان الشعبي العامّ، بل صار من المشروع القول إنّ خريطة الولاءات المذهبية ذات التلوّن السياسي (بصدد الموقف من النظام السوري، أساساً) أقلّ تعقيداً من ذي قبل، وبالتالي أوضح في الطبيعة والتكوين والقدرة، وأيسر سيطرة في حال اندلاع صدامات مذهبية أهلية! في عبارة أخري، إذا كان خطاب بكركي في أيلول 2000 قد طالب بانسحاب القوّات السورية فاستدعي خطاباً مضاداً سنّياً ـ شيعياً ـ درزياً حكومياً رسمياً يطالب ببقاء تلك القوّات علي نحو أو آخر، فإنّ أحداً اليوم (حتي أهل الحسرة علي تلك الأيام) لا يطالب بعودة تلك القوّات.هل يندرج هذا في باب التقدّم، أو في سجلّ إنجازات حركة 14 آذار علي الأقلّ؟ليس تماماً، إذْ قد يصحّ القول إن تعذّر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية لا يعني حتمية مجيء السلم الأهلي، أو أنّ ذلك السلم قيد التحقق، بين مختلف القوي اللبنانية؛ ولا يعني في الآن ذاته أنّ غياب الإجماع اللبناني ـ اللبناني حول أجندات أخري لن يتفجّر في هذه الصيغة او تلك من النزاعات الأهلية العنيفة، حتي إذا كانت معظم تلك الأجندات لا تتكئ مباشرة علي وجود أو غياب اللاعب العسكري والأمني السوري في لبنان. في صياغة ثانية، علي اللبنانيين الذين أرادوا انسحاب القوات السورية من لبنان أن يفهموا أنّ ثمن الإنسحاب هو عزم دمشق علي إعادة البلد إلي حال أسوأ ممّا كانت عليه حين دخلته القوّات السورية سنة 1976، لا بيد النظام السوري مباشرة وعلانية، بل بيد ما تبقي له من أنصار وقوي وحلفاء… بعضها ( حزب الله أوّلاً، وبعض الفصائل الفلسطينية العاملة لحساب دمشق ثانياً) هو وحده الذي يزعم الحقّ المقدّس في امتلاك السلاح غير الخاضع لسلطة القانون أو سلطة الدولة!أكثر من هذا، وربما تطويراً لهذا، يشتغل النظام السوري اليوم علي نغمة تخويف المجتمع السوري نفسه من أخطار الحرب الأهلية، فيجري خلط خبيث للمفاهيم (بين الأسبقية الديمقراطية والأسبقية الوطنية مثلاً؛ وبين أن تعاضد النظام الحاكم ضدّ أمريكا، أو تفعل العكس)، وطمس أشدّ خبثاً للولاءات الأكثر إلحاحاً (علي شاكلة القول إنّ مصير الطائفة العلوية ـ بابنائها كافة، عن بكرة أبيهم، بفقرائها ومناضليها الوطنيين الديمقراطيين، وبمعارضيها من نزلاء سجون النظام في الماضي والحاضر ـ بات مرتبطاً تماماً ونهائياً بمصير النظام!)، وترهيب العباد من احتمالات تكرار مآسي العراق في سورية، وما إلي هذا… وفيه من التنويعات الكثير الكثير!وقد يقول لك قائل، مثلاً، إنّ الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يصدر الأمر التنفيذي القاضي بتجميد العائدات والممتلكات لأي شخص أو كيان يشتبه في تورطه في جريمة الحريري، أو في عرقلة أو تأخير التحقيق الدولي فيها، إلا في مناسبة الذكري الأولي لانسحاب القوّات السورية من لبنان! وقد يقول آخر القول ذاته عن الجهد الفرنسي لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقضي بترسيم الحدود بين سورية ولبنان وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين. وإذا صحّ أنّ القرار الأمريكي يندرج في باب مناوشة النظام السوري عن طريق الوخز الخفيف الذي ينبّه دون أن يدمي، والمشروع الفرنسي يندرج في باب التخبّط الدبلوماسي الفرنسي بصدد دمشق، والذي تعيشه باريس منذ اغتيال الحريري؛ فإنّ الأصحّ من هذا أنّ الشعب السوري ليس رابحاً من أفعال واشنطن وباريس هذه من جهة أولي، وأنّ هذا الخسران لا يفرض بأية حال واجب الإصطفاف خلف النظام من جهة ثانية. وإذا توفّرت أية قيمة ـ رمزية صرفة في الواقع ـ خلف هذه المصادفات بين الذكري الأولي لانسحاب القوّات السورية من لبنان، وقرار بوش او المشروع الفرنسي في مجلس الأمن الدولي، أو حتي لقاء المحقق الدولي سيرج براميرتس بكلّ من بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، فإنها ينبغي أن تقتصر علي تظهير المأزق الشامل الذي يعيشه النظام السوري عموماً، وسلسلة الضربات القاتلة التي تلقاها ويتلقاها جرّاء اضطراره إلي خسران الورقة اللبنانية. ثمة المزيد من تضييق حلقة النفوذ في هرم السلطة وبيت الرئاسة تحديداً (حتي أخذت هذه تضيق علي عقيلة الرئيس الممنوع عليها، بقرار من شقيقة الرئيس، استخدام لقب السيدة الأولي أو افتتاح مؤتمر نسائي في دمشق!)؛ والمزيد من الارتداد إلي سياسات أمنية قيل لنا إنها طويت في عهــــد هذا الرئيس الشاب ، وها هي ليست أشدّ ضراوة ووحشية وعنفاً فحسب، بل أشدّ عشوائيـــة واستهتــــاراً وفوضي؛ وثمة هذه الصلات الوثيقة المثيــــرة للقلق، بين الأنساق الإنتحارية لسلوك السلطة السياسي والأمني الدبلوماسي، وأنساق ألعاب الحـــواة والهواة في مؤتمرات التهريج مع المحامين العرب تارة، ومع الأحزاب العربية طوراً، وصولاً إلي الأحـــزاب الإسلامية!غير أنّ أخطر ما تعيشه سورية اليوم جرّاء مأزق السلطة الشامل هو اشتغال النظام ـ علي نحو منهجي مبرمج، طائش وعابث في آن ـ علي تفتيت الوحدة الوطنية، وإحياء الولاءات الطائفية والمذهبية، وتصنيع أخطار الحرب الأهلية، وفبركة أسبابها والتلويح بها، وتضخيم احتمالات الغزو الخارجي وتكرار الكارثة العراقية. الأرجح أنّ كلّ هذا يجري في غمرة قناعة مزدوجة يؤمن بها أهل النظام: ما الذي سنخسره وظهرنا إلي الجدار هكذا؛ وعليه، اشتدّي أزمة تنفرجي.هيهات!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية