سنة علي رحيل الحريري: حدث دفع الجميع لاخذ المواقف
إيمان بصيرسنة علي رحيل الحريري: حدث دفع الجميع لاخذ المواقف بعد الحادثة البشعة التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه قبل عام، لاحظ المُشاهد الحالة اللبنانية المُبعثرة، بابسط مثال لدي مشاهدة القنوات التلفزيونية اللبنانية: قناة ال بي سي تحدثت عن الموضوع وكأن الحادث وقع في مكان آخر غير بيروت. راقبت الحدث من بعيد ولم تنزل إلي الشارع، كما لو أن كاميراتهم مخصصة فقط لسهرات من نوع يا ليل يا عين.البرنامج الذي خرب بيوتا كثيرة في العالم العربي. امرأة جاهزة لتذهب معك إلي أي مكان، دون شروط وأعذار. ويدرك الرجل متأخرا ان المرأة التي كان من المُفترض أن تذهب معه إلي أي مكان، ذهبت به إلي لا شيء.أما القناة الأخري المستقبل فكانت في عمق الحدث. أعلنت الحداد وكأنه الحداد الأبدي، ولا مكان للفرح بعد الرابع عشر من شباط (فبراير) لعام 2005، وكأن العالم قبل ذلك التوقيت كان حلما ورديا، لتدور الساعة وتصل عقاربها الثانية عشرة وخمس وخمسين دقيقة من ظهيرة يوم عيد الحب. كان العالم ما زال ورديا آنذاك، وما زال العشاق يحفظون مواعيدهم، وكانوا قد اشتروا الورد وهيأوا أنفسهم لمساءات الحب الجميل مع حبيباتهم وأمهاتهم وعائلاتهم. كان من الممكن أن يكون يوما يؤرخه الحب في دواوينه، قبل أن يطلع الكره من باطن الأرض، كبركان دون فوهة. قبل أن يتقدم الحقد بأبشع صوره ليغتال كل امكانات الفرح ومساحات اللهو، فاتحا باب جهنم علي الأحبة الذين جاءوا بالورد، وناموا مُبللين بدمائهم ودماء أحبتهم. بركان خفي غريب الملامح والأطوار. لم يستطع أحد أن يحدد أين وكيف ومتي…لكن عرف الجميع أن الوطن هو المُستهدف. لو سمحوا للشهيد أن يتفوه لقال أكثر من ذلك. فالشهداء يعرفون قتلاهم. لو سمحوا للشهيد أن يتفوه لقال ان شئتم اقتلوني لكن اتركوا بيروت تتباهي بزينتها وجمالها بين المدائن. مشهد الجحيم الذي سقط علي بيروت من أرضها تلك الظهيرة، يشير إلي عدو واحد وحيد يرصد ألق المدائن ويهدد نوم الأطفال، ومشاوير ذهابهم إلي المدرسة، وذهاب الأحبة إلي اعمالهم ومواعيدهم. مشهد تكرر في رام لله كما في نيويورك. تُري من هي المدينة القادمة… أو ما هي اللعبة؟! أيحتاج قتل الرئيس الحريري لنصف طن من المتفجرات؟ لماذا كان الهدف قتل حراسه الشخصيين أيضا.. وإصابة أكبر عدد ممكن من المواطنين، وترك ذلك المشهد البشع بعد الحادثة في ضرب المباني والأسواق، وجعل المدينة تبدو كأن الشيطان حلّ عليها! لذلك تواصلت مشاهد الجريمة علي مدي العام، واستهدف مرة أخري أمن لبنان أكثر ما استهدف شخصيات بعينها. هذا هو الإيقاع الذي يروق لخفافيش النهار التي تضرب ضربتها في وضح النهار، محيلة المكان إلي جدائل من العتمة والدم، دون أدني شعور بالرحمة والإنسانية. وعودة إلي الصوت اللبناني الرسمي، لا أحد يدري بالتحديد من هي القناة الرسمية التي تمثل الصوت اللبناني الرسمي، أو من هو الصوت اللبناني الرسمي؟ هل هي الحكومة المُتهمة.. أم أن لبنان الدولة تتمثل في شخص واحد هو الشهيد رفيق الحريري. وما أن غاب الشخص إلا وانهارت الدولة، وظهر للعيان حالة الفراغ واليتم التي شعر بها غالبية اللبنانيين إن لم يكن جميعهم في الوطن والمهجر، بعد رحيل الرئيس رفيق الحريري. فإنه من غير اللائق وغير المعقول أن تُمثل قناة ال بي سي صوت لبنان الرسمي إذا كان الأمر كذلك، فبعد بضعة أيام من الجريمة البشعة التي أحرقت قلوب كل الشرفاء في العالم، لما لهذا الرجل من قيمة إنسانية وحضارية وأخلاقية، وكأنه جيش من الرجال، بعد بضعة أيام عادت قناة ال بي سي لتعرض برنامج ما إلك إلا هيفا . وكأن لدي هيفا كل الحلول لمشاكل وأزمات الوطن، والإجابات عن الأسئلة الكثيرة المُثارة.مشاهد تثير الغثيان ما تبثه هذه القناة البعيدة عن لبنانيتها وعن أصالة اللبناني العربي. فمن هو المشاهد الذي تتوجه إليه هذه القناة؟! وهل تُمثل نبض الشارع اللبناني؟ ألم تر كاميراتهم الشعب الذي غادر ستوديوهات هز الخصر منذ شهور ونزل إلي الشارع! قد يُقال ان قناة المستقبل هي القناة التي يمتلكها الشهيد، وبالتالي ستنشغل بالحديث عنه. لكن ليس من قبيل الصدفة ان يكون لدي شخص، كشخص الشهيد رفيق الحريري قناة فضائية واسمها المستقبل . قناة لم ترصد أفراح ابناء الشهيد، ومواهب بناته وأعياد ميلاد احفاده. قناة لبنانية بكل معني الكلمة. قناة يستحقها لبنان، كما رآها الشهيد وكما نراها. بل هي لبنان التاريخ والمستقبل، والفن الراقي الذي ارتقت به لبنان. هي النقيض لكل ما هو سطحي ورخيص. قناة تحترم المواطن اللبناني والعربي وترفع من شأن المرأة، ولا تستخدمها كأداة لترويج سلعة أو برنامج. يشهد علي ذلك الكثير من البرامج القيّمة المتوازنة التي تقدمها هذه القناة، خاصة برنامج خليك بالبيت ، الذي يقدمه الإعلامي المُتميز زاهي وهبه، الذي يستضيف فيه العديد من الشخصيات العربية والعالمية اللامعة. قبل عام وفي نفس المكان الذي وضع فيه الشهداء رؤوسهم قبل أن يناموا إلي الأبد، أقام تلفزيون المستقبل خيمة العزاء والرثاء، تاركا المجال للشعب ليقول أين كان عند حدوث الجريمة، مُحملهم الذنب ومُبرئهم. أدانهم وبكي حالهم. شعور قاتم بالذنب يحمله اللبناني ولا يحتمله، كيف لم يستطع أحد ان يمنع هذا الجحيم؟ كيف لم يستطع أحد أن يرفع الشهيد الحريري من نيران الحقد، كما رفع هو لبنان من حرائقه ودماره؟ حدث جعل الحيادي يخرج عن حياديته، ودفع بالجميع لأخذ المواقف. انه الرئيس الذي أحبه الشعب بمسيحييه ومسلميه. أحبوه ليس لشيء إلا وفاء لشخصه وعطائه. في موته مات الخوف وتدفق الشعب عبر الشوارع مثل نهر فاض علي مدينته ليغسلها. النهر إبن المدينة والمدينة وفيّة لبانيها.ہ كاتبة من فلسطين تقيم في امريكا[email protected] 8