سنتان على غياب حسن عبد الله: نصف قرن من الشعر والصداقة

حجم الخط
2

في يوم تذكّر حسن عبدالله، بعد انقضاء سنتين على رحيله، قرأ شاب في العمر الذي كنا فيه غارقين في حبّ الشعر مقطعا طويلا من قصيدة الدردارة. منذ نشرها قبل أربعة وأربعين عاما بقيتُ أردّد سطورا منها قليلة ومتفرّقة. من بينها مثلا «…والياس والأجراس سالت على آحاد مرجعيون» بل كنت أُسمعها للناس محاولا الوصول إلى آخر ما فيها من شعر. أحكي لهم عن مرجعيون والخيام اللتين يفصل بينهما السهل، وأن الياس يسكن في الأولى بينما يسكن حسن في الثانية، وأقول إن صوت البشر لو كان قويا مثل رنين الأجراس لأمكنهما أن يتخاطبا واقفين كلّ على تلة. كما أقول لمن أنقل لهم روعة السطر كيف أن صوت الأجراس يسيل، جاعلا يديّ تتحركان هابطتين لتساعدا على تمثّل سيلان الصوت.
كان ذلك السطر حصّتي الأثيرة من القصيدة، وأنا رحت أقول في يوم تكريم حسن، حبذا لو وصل إلى هذا السطر الشابُ الذي يقرأ. ذاك من أجل أن يسمعه الحاضرون الكثر، منه هذه المرة وليس مني. وسيكون هذا أجمل بكثير بالطبع، لأن ما سمعته على لسانه من القصيدة كان فيّاضا بشعريته، متدفقا ورائعا. وأنا صرت أسأل نفسي، لائما لها، لماذا لم أدرك آنذاك، حين كتب حسن القصيدة، أنها على ذاك القدر من الروعة، مع أنني قرأتها، وسمعت حسن يلقيها أكثر من مرّة، بل كنت ناشرها في الصحيفة آنذاك في جريدة «السفير» بالترافق مع نشرها في جريدة «النداء».
الأرجح أنني كنت أتبع تصورات عن الشعر كانت حداثتها تفتنني وتبعدني عما كان إحساسي الشعري العفوي. كنت اكتفيت بجمل أو سطور أخذتها من القصيدة وتركت الباقي. كنت سريعا آنذاك وليس من صفات السرعة أن تحيط بالأشياء كاملة. أما الجملة الأخرى التي كنت أردّدها أيضا وأنا أحكي للناس عن شعر حسن فهي قوله لخالته، في قصيدة الدردارة أيضا: «يا خالتي، وأنا ابنُ أختِك، إن تمنعيني من صعود الحور والحيطان، ألعب مع الزعران».
ومثلما يحدث عادة، نميل إلى ترك الكتاب في زمنه من أجل أن نلاحق الكتب التي ستصدر بعده، أي أنني لم أعد إلى قراءة «الدردارة» مكتفيا منهما بما حفظته، ومكتفيا كذلك بما يتلوه الأصدقاء الشعراء من شعر حسن، وما يلقيه هو منه حين يكون معنا. هي سطور أو مقاطع كان يلقيها غالبا كل من عباس ومحمد وحمزة وشوقي، سواء عن شعر حسن أو عن مجريات طريفة من عيشه. حول هذه الأخيرة أستطيع مثلا أن أروي محطات متنقّلة من حياة حسن، بدءا من حين ما كان ولدا صغيرا في المدرسة، يصل متأخّرا إليها بعد أن يكون المدير الأستاذ علي قد أيقن من انتظام صفوف التلاميذ قبل دخولهم. «شايفين هيدا» يقول الأستاذ علي مخاطبا الأساتذة الواقفين إلى جانبه ومشيرا إلى حسن الصغير الجسم: «بياخدكن جميعا عالبحر وبيرجّعكن عطشانين» (وهذه واحدة مما حكاه الشاعر محمد عبد الله الذي سبقه إلى الرحيل). أما أنا فأذكر النوم في بيته العائلي بالخيام، وحكاياته مع السيارات التي تعلّم السواقة عليها متأخّرا، وأشياء أخرى أغلبها تعليقات كان يقولها، أحيانا بكلامه العادي وأحيانا أخرى بشعره.
إنها حياة له نشكّلها، نحن أصدقاءه، من نكتة هنا ومن طرفة هناك ومن نقاش بينه وبين أحد منا في السياسة أو سواها، لكن حين يؤتى على ذكره، فلن يصاحَب ذلك إلا بالابتسام من الجميع، حتى لو لم يقل المتحدّث شيئا، بل وكنا ندفع الآخرين إلى الابتسام، بل الضحك مستعينين بما قرأناه في قصائده، خصوصا الأخيرة (من كتابه الرائع «راعي الضباب» ، ومن تلك القصائد التي تصلح لأن تتلى بين ساهرين ليسوا جميعهم من الشعراء.
أصدقاء له، شعراء كلهم، حكوا عن علاقتهم به وبشعره في تلك الأمسية *. في كلماتهم اختّلط تذكّر صداقته مع الاستشهاد بأشعاره في سياق واحد. وكنا أثناء ما نسمع الكلمات، نعد أنفسنا بأننا سنرى أخيرا كتابه الأخير «ظلّ الظلّ» الذي جيء بنسخه إلى تلك الأمسية. أكيد أن هناك قصائد لم أقرأها، ولم أسمعها منه، إذ في السنوات الأخيرة، كنا قليلا ما نلتقي، ولا ملامة على أحد في ذلك، طالما أن هذه هي الحياة كما كان يردّد. حملت الكتاب الصغير وخرجت وأنا أتذكّر آخر مرّة رأيته فيها. كان ذلك قبل وفاته بأشهر في المكان ذاته، منتدى خيرات الزين. تصافحنا أنا وهو، ثم سألته عن صحته المنهكة. وبعد أن جلست على بعد مترين أو ثلاثة أمتار من حيث هو، قالت لي رباب، أخته الجالسة قربه، إنه سألها عني من أكون. تذكرت ذلك أنا في ما أكتب هذه الكلمات الأخيرة، لكنني قلت إنه لا يصحّ أن ينتهي المقال عن حسن بتذكّر ما هو قاس إلى هذا الحدّ. وأنا بعد على الطريق، متلهّفا لقراءة شيء من الكتاب، فتحت على صفحة في منتصفه. قرأت:
«أيها الولد،
تعال… تعال
خذ عشرة دراهم وأخبرني
هل لا يزال للتفاحة التي تنهشها الآن
ذلك الطعم الطيّب الذي كان لها؟»

 لمناسبة انقضاء سنتين على رحيله دعي إلى لقاء حول حسن عبدالله في منتدى خيرات الزين الأدبي ألقيت فيه كلمات من شعراء وأدباء هم أصدقاء الراحل ومحبو شعره. كتاب «ظلّ الظلّ» كان قد صدر تلبية لرغبة الشاعر قبل رحيله بتعاون بين خيرات الزين ورباب عبد الله ودار الرافدين وأصدقاء آخرين

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية