بيان حماس بشأن وصول بعثة لها إلى القاهرة وبدء لقاءات مع كبار رجال المخابرات المصرية، يثبت أنها لا تنوي تحطيم الأدوات والتسبب بانهيار وقف إطلاق النار. يقف على رأس البعثة، التي -حسب البيان- قد تتناول تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، رئيس طاقم المفاوضات خليل الحية، وهو رئيس المكتب السياسي لحماس في القطاع. الحية هو الرجل المسيطر على عملية المفاوضات كلها، والذي يتواصل مع كبار قادة حماس في القطاع وعلى رأسهم محمد السنوار. استدعاء الحية يدل على حيوية الحوار الجاري بل وعلى أنه حوار حاسم، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار.
النبضات التي تم تطبيقها في المرحلة الأولى في الصفقة تثبت أن لحماس هيكلية قيادة وعلاقة مستمرة بين قيادة الميدان في القطاع، ومكتب حماس السياسي في الدوحة. بطبيعة الحال، هذه العلاقة تعززت بعد دخول وقف إطلاق النار إلى حيز التنفيذ، وبات شعور رؤساء حماس أنهم في أمان على الأقل بشكل مؤقت، إلى حين انتهاء الصفقة.
سواء اعترف بذلك رؤساء حماس أم لا، فإنها كمنظمة تضررت بشكل كبير جداً. وقدراتها العسكرية، خاصة تهديد الصواريخ على إسرائيل، وإمكانية تنفيذ خطط هجومية خارج حدود القطاع، تعرضت لضربة شديدة. تحاول حماس إظهار حضورها على الأرض، سواء عن طريق قوات الشرطة أو باستعراض القوة العسكرية أمام العدسات كما ظهر في عمليات تحرير المخطوفين. حماس تفعل ذلك على طول القطاع، من جباليا شمالاً وحتى مدينة غزة، ومروراً بدير البلح في الوسط، وانتهاء بخان يونس جنوباً.
هذا الحضور مهم جداً في صراع السيطرة على القطاع، لكن هامش المناورة في المفاوضات الجارية بين القاهرة والدوحة، يبدو أنه محدود إزاء التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجه قيادة حماس في القطاع وخارجه. يزداد ضغط السكان في الساحة الداخلية، ويتمثل بالأساس بالمطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية. الجو الماطر في القطاع يؤكد نقصاً كبيراً في الخيام والكرفانات، ويزيد ضائقة المهجرين، وأن منظومات حيوية وعلى رأسها المنظومة الصحية، تجد صعوبة في العمل بدون توفير المعدات بشكل منظم. كل ذلك أجبر رؤساء حماس على القيام بعملية متطرفة وإصدار البيان بشأن تأخير تحرير المخطوفين. مع ذلك، اختارت حماس إصدار هذا البيان قبل خمسة أيام على موعد إطلاق سراح المخطوفين السبت القادم، رغم إدراك الأخطار التي تنطوي على هذه الخطوة. مثلما ثبت، فإن هامش الزمن قد يسمح للأطراف، بالأساس دول الوساطة، بالعمل للتوصل إلى صيغة تعيد الصفقة إلى مسارها.
تدرك حماس أن التصميم على موقفهم يسمح لإسرائيل بالعودة سريعاً إلى هجمات كثيفة في القطاع، ومع إدارة مثل إدارة ترامب وخطته لطرد سكان غزة فلا أحد يوقف إسرائيل.
تواجه حماس معضلة قضية المساعدات الإنسانية، وتدرك أنه إذا تفاقم الوضع الإنساني في القطاع بسبب ضغط إسرائيل العسكري أو بسبب تجميد إدخال المساعدات، فإن صور السكان الذين يعانون ستعزز ادعاء ترامب بخصوص الإخلاء. مشهد الأطفال الجائعين والذين يرتجفون من البرد، سيزيد الضغط على مصر والأردن لتبني الخطة. ستضطر حماس لأن تقرر هل تتنازل في قضية إدخال المساعدات وحجمها ومنع هذا المشهد، أم تتشدد في مواقفها على أمل أن تضغط مصر والأردن ودول عربية لزيادة إدخال المساعدات وتحرير المزيد من المخطوفين.
هذه المعضلة ليست معضلة لقيادة حماس فحسب، بل معضلة مشتركة لكل من يتعامل مع قطاع غزة. تنفيذ الصفقة بكل مراحلها وإدخال المساعدات يعزز سيطرة حماس على الأرض، في حين تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى إنهاء حكمها. في المقابل، تبحث كل من مصر والأردن، إضافة إلى السعودية، عن خطة تقنع الرئيس ترامب بإمكانية إعادة إعمار القطاع مع وجود السكان وبدون إخلائهم، وذلك لإزالة السيف الأمريكي عن أعناقهم.
لا يوجد في خارطة المصالح المفتوحة الآن على طاولة المفاوضات التقاء مصالح، بل تصادم. حماس تريد السيطرة، في حين تبحث إسرائيل عن طريقة لإنهاء حكمها هناك وحتى إخلاء سكان القطاع. وتحاول مصر والأردن منع طرد الغزيين على حسابهما، لكنهما يحذران من خطوات قد تزيد من قوة حماس وتبعد السلطة الفلسطينية، التي لا وجود لها إلا بالاسم، وحتى الآن هي لم تؤثر حتى بالقليل جداً في العمليات في المنطقة.
جاكي خوري
هآرتس 13/2/2025