سنـة موت ريكاردو رييس لخوسيه ساراماغـو (2 من 2):

حجم الخط
0

سنـة موت ريكاردو رييس لخوسيه ساراماغـو (2 من 2):

ساراماغو يحاول التأكيد علي أهمية الرواية المعاصرة بوصفها رواية قطيعة جديدة بين الإنسان والعالم موت ريكاردو رييس هي عن كيفية عمل الروائي وفضحه الممارسات اللامعقولة لأجهزة السلطة القمعية سنـة موت ريكاردو رييس لخوسيه ساراماغـو (2 من 2):إدريـــس الخضراويہيحظي الكاتب خوسيه ساراماغو، بشهرة واسعة ضمن المجالين الأدبيين: البرتغالي والعالمي، إذ حصل علي جوائز عديدة ذات أهمية كبيرة، علي أعماله الروائية المميزة ومنها: أرض الخطيئة، وهي روايته الأولي، ووجيز الرسم والخط، والإنجيل بحسب يسوع المسيح، والعمي، وكل الأسماء… ولد ساراماغو سنة 1922، وقد دخل عالم الكتابة متأخرا، إذ أن روايته الأولي التي صدرت سنة 1947، وكذلك ديوانه الشعري 1966 لم يثيرا أي رد فعل في الأوساط النقدية آنذاك، حيث استقبلا بقليل من الاهتمام بخلاف أعماله الأخري وفي طليعتها: الإله مانشو 1982 والتي مثلت في منظور الكثير من النقاد بداية لمسيرته الأدبية المتألقة التي ستتوج بجائزة نوبل للآداب سنة 1998. وبالرغم مما يميز الأعمال الروائية لخوسيه ساراماغو من تدفق وتفجر، وطاقة تخييلية عميقة تنشر ظلالها علي كل الوقائع التي تسردها، بكل ما تولده من إحساس بالدهشة وعدم اليقين، فضلا عن قدرته علي تشخيص تفاصيل اليومي واقتناص أنغامه المتنافرة، فإن القارئ لا يمكن أن يخطئ ذلك الحضور المميز للأفكار التي تمثل دليلا بالنسبة لهذا الكاتب في الحياة، فأعماله ملتزمة بالدفاع عن فكرة الإنسان وشرطه التاريخي، وهي من هذه الناحية تجعل من الصعب علي القارئ ـ أكثر من أي تجربة أخري ـ الإمساك بأبعادها الدلالية والرمزية من دون استحضار شخصية المؤلف، لأن خوسيه ساراماغو هو من بين الكتاب الذين لا يتصورون تصنيفات الأجناس الأدبية مبررا لعزل شخصية المؤلف أو إقامة مسافة بينه وبين نصه، إذ الكاتب لا يحكي في الواقع سوي قصته، التي تنبع من ذاكرته بكل ما يعتريها من ملامح الضعف والهشاشة أو النسبية واللايقين. لذلك أثارت نصوصه الروائية ردود فعل متنوعة خصوصا وأنها لا تهادن اليقينيات المزعومة والأفكار المتحجرة، ولا تتورع عن صهر التاريخي بالخيالي والاستعانة بالحلم والتذكر من أجل التأثير علي القارئ ودفعه إلي الارتياب في ما قد يبدو للوهلة الأولي مكتملا أو نهائيا. هذه هي الحكاية الإطار لهذه الرواية الممتعة والغنية بمغامرات شخوصها، بأحلامهم وانكساراتهم ورؤاهم الملتحمة بالجدلية الاجتماعية، لكن خوســـــيه ساراماغو يخضعها لانشطارات (Mise en ab me) متتالية ليستدرج أشكالا مختلفة من الخطابات والمحكيات: بعضها تاريخي يتصل بالوضع السياسي للبرتغال في العهد الليلي لـ سالازار وأصداء أوروبا تتردد بقوة في الداخل، والبعض الآخر ثقافي يتصل بالاهتمامات الفكرية والجمالية لـ ريكاردو رييس وكذلك اللقاءات التي كانت تحدث بينه وبين فيرناندو بيسوا حينما كان يزوره إما بالأوتيل أو بالمقهي أو بالمنزل الجديد الذي اكتراه لكي يباشر به عمله كطبيب، حيث تدور بينهما نقاشات عديدة وخصبة تذكر بالنقاشات التي كانت تجري بين الراهب والخوري في رواية دون كيشوت لـ ميجيل سيرفانتس. هكذا تتوالد الحكايات وتنفتح علي غيرها إما للتكامل معها وإضاءة مساراتها أو لتدثيرها بمزيد من اللغزية والتأبي عن الوضوح . وعن طريق هذا الشكل البنائي الذي لا يعرف الخطية والتتابع، تتكون الحكاية الكبري لنص الرواية وفق تحبيك ذي غايات محددة، لتعلن عن بؤس الوجود البرتغالي المسكون بحنين إلي ماض له مذاق الأسطورة والضاجر من حاضر يأخذ شكل الألم الذي يعتصر وجوه البشر في ظل نظام قمعي لا يؤمن إلا بحقيقة واحدة هي الامتثال. كان بيسوا يزور رييس غير مرة ببذلته السوداء المعهودة وقبعته الدائرية، وفي هذه اللقاءات التي كانت تحدث بينهما كانا يتحاوران حول موضوعات عديدة بدءا بطبيعة علاقته بـ ليديا المنظفة بالأوتيل مرورا بقضايا أدبية وثقافية كموقفه من المسرحية التي شاهدها مؤخرا وهوية سالازار وطبيعة علاقته بالبرتغال، و المسؤوليات الجسام الملقاة علي عاتق الناس من الأحياء، فضلا عن الاستدعاء الذي تلقاه ريكاردو رييس من أجهزة الأمن في لشبونة، وانتهاء بالثورة التي حدثت والتي قضي فيها إثنا عشر بحارا من بينهم أخو ليندا دانييل مارتان. وهذا الجهد المبذول في صهر هذه المصادر المختلفة: التاريخية والصحفية والإستتيقية هو الذي يجعل من الروائي صانعا بامتياز، وباحثا يستقصي ويشيد من الغرائب عبر الخيال ما يأسر لب القارئ ويشده إلي دروب القص، خصوصا وأنه يعيد ترتيب لقاء بين شاعر توفي وواحد من أنداده وهو ريكاردو رييس، وكلاهما يعيشان وضعا جديدا ـ يعاد إنتاجه عبر التخييل بشكل مضاعف داخل الرواية ـ مغايرا للمعطيات الواقعية التي هي في حوزة القارئ، مهما استفاد الكاتب منها أو تعاطي معها . وهنا تكمن أهمية الرواية وخصوصيتها، حيث تستعيد ليس فقط ذكري من ماتوا وإنما تكسر كل الحواجز التي قد تفصلنا عنهم، عبر إقامة حوار مع تركتهم وبعث الروح في كل ما يمت بصلة لوجودهم. يتبين من طبيعة الأسئلة التي وُجهت إلي ريكاردو رييس من قبل شرطة المدينة، كيف يعمل الروائي بدأب علي فضح الممارسات اللامعقولة لأجهزة السلطة وهي تلاحق كل شيء . فبالرغم من أن ريكاردو رييس، منذ أن قرأ كتاب مؤامرات، قد أصبح مقتنعا بلا جدوي المؤامرة، فإن الأسئلة التي وجهت له تجاوزت مجرد الاستفسار كما تضمن ذلك كتاب الاستدعاء الذي تلقاه بالأوتيل، إلي التحقيق. فقد شملت كل شيء، حتي الذي لم يخطر بباله أول الأمر. بدءا بأسباب عودته إلي الوطن، ولماذا ترك البرازيل حيث كان يعيش في ظروف جيدة ليقترح العودة فجأة إلي البرتغال، كما سألوه عن أصدقائه وعما إذا كانوا من الأطباء أو من العسكريين أو الساسة، ثم استفسروه عما إذا كان هناك خيط يربط بين تزامن ذهابه إلي البرازيل مع الثورة التي حدثت هناك، وتزامن مجيئه مع محاولة الثورة التي حدثت في البرتغال. وبالرغم من أن رييس قد أجابهم بأن عودته أولا هي بدافع الحنين إلي الوطن، وهو شعور طبيعي بالنسبة لكل إنسان يوجد علي مسافة من أهله ووطنه، وأن أصدقاءه كانوا كلهم من ريو دي جانيرو، من المرضي الذين كانوا يزورون عيادته فتنشأ بينه وبينهم علاقة من مثل تلك العلاقات التي تزخر بها الحياة الاجتماعية،فإن هذه المقابلة كانت تأخذ منحي مستفزا أحيانا، ولهذا كان ريكاردو رييس يحتج ملوحا برفضه للإجابة غير مرة إلا بحضور محاميه، لكن أجهزة الأمن كانت تلح عليه في الرد، مؤكدة له كل مرة أن تعاونه قد يجنبه كل التعقيدات أو التطورات التي يمكن أن تحدث. أسئلة روتينيةكان ريكاردو رييس يعتقد أنها ستكون أسئلة روتينية: من قبيل لماذا عدت إلي لشبونة بعد هذه الغيبة الطويلة، وحول ما إذا كان له أصدقاء هنا وما طبيعة علاقته بالبرتغال، غير أن الأمر لم يكن بهذه البساطة في برتغال لم تهب عليه نسائم الحرية بعد. وما زال المواطن مراقبا بحيث يمثل هاجسا يقض مضجع الدولة وتكاد تترصد حركاته وسكناته. وهذا ما حصل له. وعندما زاره بيسوا، روي له كل شيء. فلم يتأخر في الاستفسار حول ما إذا كانوا قد طلبوا منه توضيحا حول علاقتهما. غير أن رييس أجابه بأن ذلك لو حدث لكان فعلا مثيرا للغرابة والدهشة، لأنهم لن يفهموا كيف أنه كل مرة يستقبل شبح بيسوا. غير أن هذه العبارة ستشعر بيسوا بالغيظ والامتعاض الشديد مؤكدا أن الأمر ليس بشبح وإنما بحقيقة مفادها: بيسوا القادم من مقبرة دوس باراسيريس. والتمثيل الروائي للقاء الغامض بين بيسوا وريكاردو رييس لا يكتفي هنا بتعميق عجابية السرد الروائي وخوارقيته في هذه المدينة التي يعيشان فيها كل أشكال المطاردة والتمزق الفكري والوجداني، وإنما يغذي فيهما القدرة علي التأمل في الواقع، من خلال التيمات التي يتحاوران حولها: القراءة، الكتابة، الموت، الحياة، التاريخ، الواقع، الحب…، انطلاقا من خلفية إيديولوجية تتقصد الفضح والتعرية ونزع الأقنعة الزائفة. من الواضح أن التنشئة الاجتماعية التي خص بها خوسيه ساراماغو شخصيات هذه الرواية، بكل أحلامها ومواقفها وتطلعاتها إلي المستقبل، تذكرنا بجوهر الخطاب الروائي كما نظر له ميخائيل باختين، حين اعتبر الخاصية المميزة له تتمثل في المتكلم وخطابه. المتكلم الذي يتموضع في عالم لم يعد فيه وجود للإيمان بما هو فطري وثابت ومكتمل، وكذلك الخطاب الذي لم يكن يوما ما نقيا وذاتيا خالصا ـ باستثناء آدم ـ وإنما هو مسكون بحوارية عميقة يتردد فيها كلام الغير ونبرهم وفكرهم. وهذه الاختيارات التي جربها دوستويفسكي بقوة، واندرجت ضمنها الكثير من روايات النصف الثاني من القرن العشرين، هي التي أعاد ساراماغو استثمارها بطريقة لافتة في عمل روائي مثل مسرحا لاشتغال الكثير من الأجناس الأدبية المتخللة والمساهمة في تشكيل سرديته ومنها: الشعر والنقد الأدبي والمسرح والتقارير الصحفية والرسالة، ولغة الطب والسياسة والتمرد والثورة. وهو يستدمج كل هذه الكتابات في نسيج الرواية، بشكل يهبها تنوعا في النماذج والأشكال والصور والرموز المتخلقة من رحم الثقافة الإنسانية . وهذا ما مكنه علي غرار كافكا من فتح كوي جديدة ـ رغم التركيبات الفنية التقليدية: شخوص معقولة، ديكور مرسوم بوضوح، موضوع محدد جيدا، حوارات مرتبطة بحاجات الحبكة، أسلوب تسهل متابعته ـ يسجل من خلالها خطورة القطيعة الجديدة مثلمـا تنعكس داخل غرابة العالم التي أصبح يتعذر تخطيهـا، ويكتشف القـارئ أن الجسور بين البطل والكون مقطوعة أمـام كل غايـة عملية.بناء متخيل الروايةهكذا يجعل خوسيه ساراماغو من كل هذه الخطابات المتنوعة: التاريخية والصحافية والجمالية والفلسفية وسيلة لتشييد متخيل الرواية، ولتزويد القارئ بالخلفية الثقافية والمعرفية ليس فقط للتواصل مع المواقف التي تعبر عنها الشخوص، أو تشكل انشغالا ضاغطا بالنسبة لها في هذا العالم الذي تتجدد فيه المآسي بشكل دائم، وإنما أيضا لاستيعاب الصراعات التي تمسك بخناق الإنسان وتحد من اندفاعته المتوثبة وترمي به في أتون قدر غامض لا يستطيع فك مغالقه. ونعتقد أن لجوء خوسيه ساراماغو إلي استحضار بعض الجزئيات أو التفاصيل الدقيقة أحيانا كالمقارنة التي جاءت علي لسان ريكاردو رييس بين أحوال المرضي في قاعة الانتظار بعيادة الطبيب حيث يتبادلون فيما بينهم البوح حول معاناتهم مع المرض وبين أحوال هؤلاء الذين ينتظرون دورهم إلي جانبه لدي أجهزة الأمن، لا يكاد المرء يعرف معاناتهم منتظرين اللحظة التي يغادرون فيها هذا الفضاء الغرائبي بسلام، إنما يحقق خرقا واضحا في الشكل الروائي، إذ في الوقت الذي تحيل فيه هذه التفاصيل علي النزعة الواقعية عند المؤلف في بعديها السوسيولوجي والسيكلوجي، والتي يتغيا من خلالها استدراج القارئ إلي الانغمار حسيا وعاطفيا في عالم شخصياته، فإن هذه الواقعية سرعان ما تغدو متاهات يتعذر علي القارئ إضاءة عتماتها، حيث تولدها أفكار حادة وتقلبات سيكلوجية عنيفة . وهذه السمة التي تميز الشكل الروائي في سنة موت ريكاردو رييس هي ذاتها التي لاحظها تيودور أدورنو بصدد الأعمال الروائية لـ مارسيل بروست،إذ اعتبر أن دقة بروست المتناهية المفرطة إلي حد أن تصبح خيالية، وتقنيته الجريئة التي تؤول، من خلالها، وحدة الجسم الحي إلي التشظي إلي ذرات، ليست سوي مجهود للوعي الإستطيقي من أجل تقديم هذا الدليل دون انتهاك الحدود التي يفرضها الشكل . وفي السياق نفسه يمكن القول إن من يتأمل البناء المحكم والمتناسق لهذه الرواية سوف يلمس أن الأفكار القلقة التي تتخلل لغات الشخوص ليست من الأشياء التي يأتي بها خوسيه ساراماغو من أجل التزيين، فهي تنطوي علي أبعاد فكرية هائلة وشديدة العمق، كما تختزن رسالة فلسفية بالغة الصعوبة. فالأفكار الفلسفية حول الوجود والموت، والاستقصاءات العميقة للذات البرتغالية وهي تعيش علي وقع الصراع بين ماضي الاكتشافات والحاضر الذي يوشك أن يسرق منها هذه الصورة التي كثيرا ما شكلت عامل انتشاء بالنسبة لها، والإحالات الشعرية المتعددة، والاستحضار المكثف للكثير من الأعمال الأدبية خصوصا ما تعلق منها بأنداد بيسوا، والجناسات اللغوية المختلفة بكل ما تولده من تعددية صوتية ودلالية والإشارة إلي مذاهب نقدية وطرح إشكالية الكتابة علي بساط البحث والتأمل، والسعي إلي تدمير مفهوم المؤلف عبر التطلع إلي بناء حواري تتشذر فيه الذات وتلتبس الهوية .. كل ذلك لا يمثل مجرد موضوعات تستأثر باهتمام المؤلف، وإنما هي عناصر مولدة لعمله الإبداعي ومتحكمة في قصديته الخطابية والإيديولوجية. من هذا المنطلق تذكرنا قراءة ساراماغو بالكاتبين كافكا وبورخيس من حيث مستويات عديدة، أهمها التطلع إلي مفهوم جديد للأدب وإلي رؤية مغايرة للتخييل ووظائفه ليست مفصولة عن أطروحة فكرية يتبناها المؤلف ويدافع عنها. والحال أن هذا التهجير لأجناس أدبية عديدة إلي داخل هذه الرواية، فضلا عن أنماط المحكي: السيرذاتية والرحلية والتاريخية، كل ذلك ليس سوي التعبير الأمثل عن رؤية المؤلف لما يبدو حدودا بين الأجناس الأدبية، قابلة للانتهاك والعبور مهما كان الميثاق الذي تقترحه علينا الرواية. وإن كل مسعي لفهم هذه التجربة الجمالية لا يأخذ في الاعتبار كل هذه العلامات سوف لن يمسك بأسرار هذه المساهمة التي يلتحم فيها عنصر الشكل بكل مقتضياته بأسئلة الروائي وتطلعاته الفكرية . وهو ما يقتضي تلقيا يزاوج بين التحليل الذي ينصب علي الأدبية من جهة بما هي مجموع الاستراتيجيات الخطابية والسردية المتاحة أمام الكاتب للتعبير، وعلي الثقافة بما هي الخزان الذي يمتح منه هذا الروائي، ويطمح من خلاله إلي طرح ما يعتبره مبررات وجود الأدب: ألا وهي التعبير عن الحرية الإنسانية مهما كان ذلك متعذرا أو مستحيلا. حين يصف راباتي المسارات الجمالية التي يدشنها الأدب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصا مع كافكا وبورخيس وجيمس جويس وسيلين .. يلاحظ أن ما يغلب علي هذا المتن السردي هو ذلك الإلحاح من جانب الكتاب علي التواصل مع قرائهم، واستحضارهم بقوة في أعمالهم من خلال ما يدعوه بلاغة التوجه إلي الآخر. وهذا المفهوم لا يتصل بمبدأ الرغبة في محاكاة التواصل الاجتماعي كما تجسد ذلك في الأعمال ذات النزعة الواقعية والمدافعة عن المحاكاة بما هي مهمة أساسية للأدب والتي سادت خلال القرن الثامن عشر. كلا، فالأمر ها هنا يرتبط بمغامرة أنطولوجية شديدة العمق، تستقي أدواتها من روح الأدب خلال هذه الفترة والذي يجعل من متاهة العالم مادة للرواية وشكلها الجمالي ومما هو متاح في أساليب التعبير الأخري مثل المسرح، حيث يغدو المونولوج الداخلي انتظارا لجواب قد يتحقق وقد لا يتحقق، فضلا عن الإمكانات المتاحة للذات المتلفظة لمسرحة ذاتها وممارسة لعبها إما عن طريق الوقفات أو الوسائل الكتابية الأخري،مما قد تستعين به في مضاعفة متـاهة القـارئ. والوعي بهذه الذات التي تتخذ أبعادا متناقضة: بين الحضور والغياب، بين تذويت العالم الذي تحكي عنه والميل إلي الموضوعية، بين نقل كلام الشخصيات والتموضع إلي جانب المسرود له للتأمل فيه .. إن هذه المواقف لا يمكن أن يتم فهمها فقط في ضوء الاقتراحات التي قدمتها سرديات جيرار جونيت في جانبها الشكلي المعني أساسا بقواعد اشتغال الخطاب، وإنما يقترح علينا وضعها المركب داخل النص الروائي الاستعانة بما قدمته تنظيرات ميخائيل باختين حول البعد الطباقي للرواية . فالبنسبة لباختين لا تكمن أهمية صوت البطل في القيم الفردية التي تميزه ولا في نمطيته الصارمة من الناحية الاجتماعية وإنما من حيث هو ذات حاملة لوجهة نظر، حول العالم من جهة وحول نفسها من جهة ثانية. وهذا التحديد ينطبق كثيرا علي رواية: سنة موت ريكارديو رييس، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تلك الاستراتيجيات السردية والخطابية التي يجربها خوسيه ساراماغو في روايته. فمن جهة نلاحظ أن الاهتمام بالشخصية الروائية لا يتخذ طابع التركيز علي جوانبها الخارجية، بقدر ما يتجه إلي تمثيل بناها النفسية الداخلية والتي هي الصدي لأشكال تفاعلها مع العالم، بكل ما يحدثه فيها من جراح وندوب. وهذه هي الملامح التي تميز ريكاردو رييس وكذلك الشخصيات التي تشكل إضاءة جيدة لفكره ومواقفه وفلسفته في الحياة، مثل ليديا العاملة بالأوتيل، والتي وإن كانت تنقصها المعرفة بالأدب فإن ثقافتها السياسية تبدو أكثر نباهة ونفاذية وميرسوندا الفتاة المريضة التي كانت تحمل وعيا حادا بالأدب والفن، وإدراكا عميقا بما يتفاعل من حولها. هذا الاقتحام الذي يمارسه الروائي للبنية النفسية للشخصيات يظهر من خلال المساحة التي يوفرها للذاكرة . فهي المنجم الذي تتركه شخصيات الرواية مفتوحا وتعود إليه كل مرة لاستيعاب اللحظة الراهنة بكل تفاعلاتها والتباساتها، كما لو أنها تبحث عن تعاطف يبدد سطوة الوحدة والغرابة المقلقة. لماذا يعود ريكاردو رييس من جديد إلي الوطن في رحلة متعبة وبعد غيبة طويلة إن لم يكن ثمة شيء يمزق أحشاءه الداخلية ويبحث عن علاج له ؟ وكذلك هو الحال بالنسبة لميرسوندا التي تنوء بعبء جرح داخلي غائر ولّدهُ الشلل الذي أصاب يدها اليسري عندما توفيت والدتها. إن رحلتها مع أبيها ليست فقط بحثا عن علاج أيقنت من تقارير الأطباء كم يبدو منفلتا مثل السراب، وإنما بحثا عن شيء آخر، قد لا تحققه سوي اللقاءات العابرة التي يمكن أن تحدث، مثل لقائها بـ ريكاردو رييس، غير أن الآثار التي تحدثها في النفس تتسلل إلي الداخل أكثر من أي دواء آخر. لذلك وفر لها لقاؤها بـ رييس ذلك التعاطف الذي كانت في حاجة إليه، وذلك الفهم لقضيتها التي تتعدي مجرد الإصابة التي ألمت بها إلي الإنصات لصوت الذاكرة المكلومة. وهو الأمر الذي أدركه ريكاردو رييس منذ اللحظة الأولي حين راح ينبش في زمن ما قبل الإصابة باحثا في مخزون الذاكرة عن دروب يمكن أن تقود إلي فهم الحاضر والتغلب علي التباساته. فتعلقها بـ ريكاردو رييس ما هو إلا رد من جانب الكاتب علي ذلك الإفراط من جانب الأزمنة الحديثة في الانفصال عن الذاكرة والارتباط أكثر بالحاضر. ولأن الرواية كعمل تخييلي متي ما أفلحت في الارتقاء بالشخصيات إلي مستوي الأنداد المتبايني المشارب ضمن وحدة لغوية تشرئب نحو الكمال دون أن تبلغه، فإنهـا تنجز بذلك صورة روائية للإنسان قوامها: النقص واللغة السردية المتفاوتة النبرات لكنها معاصرة، إضافـة إلي بؤر الاتصال بين الفاعلين الطامحين لإثبات كياناتهم وفق إيقـاع التجاذب والتنـافـر الدراميين . في ضوء هذا الفهم اهتمت الرواية كثيرا بملفوظات الشخصيات، حيث وفر لها السارد الذي يتحول إلي مسرود له في مواقع نصية كثيرة، كل الإمكانيات للتعبير عن وجهة نظرها حول ذاتها والعالم.وفضلا عن ذلك، نلاحظ أن الخطاب في هذه الرواية يأخذ شكل التعليق أو التأمل في المحكي، وهو ملمح من ملامح السردية الحديثة التي شيد علاماتها باقتدار جمالي: كافكا ومارسيل بروست وقبلهما غوستاف فلوبير. وهذا البناء المتعدد المتاح أمام الروائي يمكنه من التحرر في استدعاء الكثير من الصور والأفكار إما علي شكل مونولوج داخلي علي نحو ما كان ينجزه ريكاردو رييس عندما كان بالمقبرة، حيث يتأمل في المشهد الحزين لهذه الأجساد الراقدة إلي جانب ذلك الشاعر الذي اسمه بيسوا، والذي كان مجنونا بالشعر، أو علي شكل لغة ثانية مثقلة بالتداعيات التي لا تنجزها لغة الروائي وحده وإنما شخصيات الرواية أيضا مما يخلق جوا من الحوارية والتعدد يعطي لشكل الرواية مذاقا خاصا. وإذا كان من معني يمكن أن يستخلص من هذه الملفوظات فهو جنوح خوسيه ساراماغو إلي تقديم شخوص لها خلفية عميقة، ورؤية مركبة ومستعصية علي الاختزال، بحيث تتدخل في تشكيلها مصادر متعددة، كما هو الحال بالنسبة لـ ريكاردو رييس، وكأننا به يتمم من خلالها الفكرة /الكلمة/ الفعل، وهي الأمور التي طالما ألح عليها فيرناندو بيسوا، مؤكدا أن ثمة فرصة أمام الأحياء لقولها، قبل أن يموتوا ألما واغتياظا لعدم الفعل.خـــاتمة نستشف من هذا التحليل أن الخلاصة الأساسية التي يمكن أن يسجلها قارئ هذه الرواية هو أن الذاتية المفرطة التي تسهر علي تقديم العالم الروائي تتحول إلي نقيضها، حين تخلع الكثير من ملامح الموضوعية التي لا تهادن الشر وإنما تقوله وتقترب منه ولا تتورع عن فضحه. ولكنها موضوعية غير مسكونة بالوثوقية وإنما تفسح للقارئ مجالا واسعا لمحاورة أفكارها وتصوراتها حول العالم . وتلك بعض ملامح الفن الروائي بعد دوستويفسكي، إذ لم تجد الرواية في الانفتاح علي الحقائق النسبية والتعددية اللغوية ما يدعو إلي التخلي عن الرسالة الحقيقية للفن والتي لا يمكن أن يكون بمقتضاها إلا دنيويا و منخرطا في لج الأسئلة المتشابكة التي تحاصر الفرد والمجتمع. وهي الخلاصة التي عبر عنها أدورنو بطريقة رائعة حينما قال: إنه لا يوجد عمل فني حديث له بعض القيمة دون أن يجد بعض اللذة في النشاز أو التخلي . لكن تلك الأعمال بتجسيدها الصحيح للرعب دون تنازل، وبإرسالها كل سعادة رؤيتها عبر صفاء تعبيرها، فإنها تخدم الحرية، الحرية التي لا يفعل الإنتاج الروائي الرديء سوي خيانتها لأنه لا يشهد علي ما تحمله الفرد مرغما في العهد الليبرالي . ونعتقد أن خوسيه ساراماغو الذي يجذب القارئ إلي نصه ويلقي به في عمق صياغاته اللغوية، بكل ما يغذيها من أساليب التعبير المتاحة، لم يقدم إنجازا روائيا يتحدث عن الآخرين ويصف الغرابة التي تقلقهم وتمس حتي الفضاء الاجتماعي الذي يتحركون فيه وحسب وإنما قدم عملا تخييليا غنيا يستثمر المقترحات السردية بطريقة مدهشة ويغامر بارتياد الحدود القصوي وملامسة تخوم الغرابة قصد تسجيل موقف بصدد ما تكابده الذات الإنسانية من ألم في زمن يتسم بالقسوة والفظاعة والمسخ. وهو من هذه الناحية يؤكد أهمية الرواية المعاصرة بوصفها رواية قطيعة جديدة بين الإنسان والعالم، تلك الرواية التي تكشف من خلال المغامرة الصعبة، كتابة ومحتوي، أن الإنسان، وقد غدا أسيرا للسديم الإدراكي واللغوي لوعيه، محكوم عليه أن يواجه عالما دون صلابة، مكتظا بعناصر لامنطقية، خرافية أو أسطورية .ہ كاتب وناقد مغربي7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية