سنوات عجاف تنتظر اللاجئين السوريين في تركيا بعد “سبع سمان”!

إسماعيل جمال
حجم الخط
2

إسطنبول-“القدس العربي”: يبدو أن سنوات “عجاف قاسية” تنتظر اللاجئين السوريين في تركيا، وذلك عقب “سبع سمان” كان فيها اللجوء في تركيا لـ4 مليون سوري الأفضل من بين باقي دول الجوار السوري الأخرى، على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

فعقب أشهر طويلة من التحريض والتهديد والتحذير، بات اللاجئون السوريون في تركيا يعيشون واقعاً جديداً يختلف تماماً عما عايشوه طوال 7 سنوات من التسهيلات الرسمية من الحكومة التي باتت تتهم بـ”الانقلاب” على كل التسهيلات السابقة التي منحتها لهم.

وبعد أن كان النقاش والتحليل يتمحور حول إمكانية حصول تغيير في سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم تجاه اللاجئين السوريين من عدمه، تحول النقاش حول الإجراءات التي يمكن القيام بها لوقف الحملة الأمنية التي بدأت فعلياً في تشديد شروط اللجوء.

ومنذ أيام، بدأت عملياً حملة أمنية واسعة تستهدف تطبيق إجراءات جديدة تتعلق بشروط وآليات إقامة اللاجئين في تركيا وتشمل شروط اللجوء ومكانه والخدمات الصحية وشروط العمل، ويصل الأمر إلى التوقيف وإغلاق أماكن العمل والترحيل إلى محافظات تركية أخرى أو إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمالي سوريا.

وخلفت الحملة الأخيرة حالة من الرعب والخوف غير المسبوقة في صفوف اللاجئين لا سيما في إسطنبول، حيث قال لاجئون لـ”القدس العربي” إنهم امتنعوا عن مغادرة منازلهم منذ نحو 10 أيام إلا للضرورة القصوى، وبات قسم كبير منهم يتجنبون التجول في المناطق المعروف بأنها مناطق تمركز المطاعم والمقاهي التي يرتادها السوريون.

وأكد لاجئون في إسطنبول لـ”القدس العربي” أن حملات أمنية واسعة تجري في مناطق مختلفة بإسطنبول، حيث يجري التدقيق في الأوراق الثبوتية للاجئين، ويؤكد آخرون أن عشرات أو بضع مئات على الأقل حتى الآن جرى ترحيلهم إلى محافظات تركية أخرى أو إلى مناطق عفرين وجرابلس شمالي سوريا، إلى جانب تشديد عمليات التفتيش على أماكن العمل غير المرخصة والعاملين بدون أوراق رسمية.

ويطالب اللاجئون بمنحهم فرصة لتصحيح أوضاعهم القانونية وتنفيذ القرارات الجديدة بشكل تدريجي لكي يتمكنوا من ترتيب أمورهم المتعلقة بالعمل والسكن، محذرين من كوارث إنسانية قد تلحق بمئات آلاف الأسر التي يمكن أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تشتيتها أو قطع مصادر دخلها.

وتصاعد الاحتقان الشعبي ضد اللاجئين السوريين بشكل غير مسبوق عقب حملات انتخابية حادة شهدتها البلاد في الانتخابات المحلية التي جرت نهاية آذار/مارس الماضي، حيث ركزت المعارضة على تقديم وعود بإعادة السوريين إلى بلادهم، قبل أن يضطر حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى تقديم وعود مشابهة لوقف نزيف الأصوات التي عانى منه في الأشهر الأخيرة بدرجة غير مسبوقة.

ومع خسارة الحزب الحاكم لبلديات كبرى المحافظات في البلاد وعلى رأسها إسطنبول بفارق أصوات غير متوقع، اتجهت الحكومة التركية لاتخاذ إجراءات فعلية في ملف اللاجئين لا سيما بإسطنبول في محاولة منها لإرضاء الشارع وسحب هذه الورقة من يد المعارضة تدريجياً قبيل الوصول لموعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة المقررة عام 2023.

ومنذ أيام، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح السياسة الجديد تجاه اللاجئين والمقيمين في البلاد بشكل عام لا سيما اللاجئين السوريين البالغ عددهم قرابة 4 ملايين في عموم المحافظات التركية وهم الأكثر تضرراً من السياسة الجديدة التي تحاول من خلالها الحكومة امتصاص غضب الشارع الذي تعتقد شريحة واسعة منه أن اللاجئين هم أبرز أسباب الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد في الأشهر الأخيرة.

والأسبوع الماضي، نقلت وسائل إعلام تركية عن الرئيس رجب طيب اردوغان قوله خلال اجتماع مغلق للجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية، إن الحكومة التركية سوف تبدأ قريباً بتطبيق سياسة جديدة تتعلق باللاجئين في البلاد بشكل عام، والسوريين منهم بشكل خاص، لافتاً إلى أنها تشمل تشجيع أكبر للسوريين للعودة إلى بلادهم بطرق مختلفة، والترحيل الفوري لكل من يقوم بأي عمل مخل بالأمن أو القانون، وفرض رسوم على الخدمات الطبية المقدمة للاجئين السوريين، بدون الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وفي خطوة موازية، عقد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، ووالي إسطنبول وعدد من كبار المسؤولين لقاء مع ممثلي عدد من المؤسسات الإعلامية العربية في إسطنبول لاطلاعهم على خطة تنفيذية جديدة للحكومة تشمل ملفات الهجرة غير القانونية، والهجرة النظامية، وإطار الحماية المؤقتة.

واستناداً إلى تصريحات اردوغان، وفحوى المعلومات التي تحدث بها وزير الداخلية ووالي إسطنبول، والإجراءات التي بدأت تطبقها السلطات التركية فعلياً، فإن الإجراءات التركية المقبلة في ملف اللاجئين سوف تكون على النحو التالي:

أولاً، تقيم الأغلبية العظمى من اللاجئين السوريين في تركيا بموجب قانون الحماية المؤقتة وهم مسجلون في محافظات تركية مختلفة، ويتوجب عليهم بحكم القانون البقاء في محافظاتهم الأصلية وعدم التحرك منها إلا بموجب “إذن سفر” يتم الحصول عليه من الجهات الرسمية ولكن السلطات تساهلت طوال السنوات الماضية في تنقلات اللاجئين السوريين وتقول بعض التقديرات إن قرابة نصف مليون لاجئ سوري مسجلين في محافظات أخرى يقيمون في إسطنبول منذ سنوات بشكل غير قانون بحثاً عن العمل المتوفر أكثر في كبرى المحافظات، وبموجب الإجراءات الجديدة بدأت السلطات بإعادة هؤلاء إلى محافظاتهم الأصلية من أجل تقليل أعداد اللاجئين في إسطنبول التي شهدت أكبر قدر من الاحتقان والمشاكل بين السوريين والأتراك في الأسابيع الماضية، لكن هذا الإجراء يمكن أن يؤدي إلى فقدان مئات آلاف اللاجئين لعملهم ومصدر دخلهم.

ويقول أحد اللاجئين السوريين في إسطنبول لـ”القدس العربي”: “هذا القرار بمثابة كارثة، الحصول على إذن السفر أمر معقد، وأوقفوا منذ سنوات تحويل أماكن الإقامة، الإعادة العشوائية تفصل بين العائلات وتفصل بين الزوج وزوجته في بعض الأحيان، ونقل السكان لمحافظة أخرى أمر يكلف قرابة 20 ألف ليرة تركية (قرابة 3700 دولار أمريكي) يجب وقف هذه الإجراءات بأسرع وقت، نعيش كارثة إنسانية جديدة”.

ولتطبيق هذه القرارات يخشى اللاجئون في إسطنبول أن تمتنع المدارس التركية عن استقبال أطفالهم مع بداية العام الجديد كأسلوب جديد للضغط عليهم من أجل العودة إلى محافظاتهم الأصلية التي في أغلبها تقع جنوب البلاد ولا توجد فيها فرص عمل كما هو موجود في إسطنبول.

ثانياً، منذ نحو 3 سنوات توقفت الجهات الرسمية عن السماح بدخول اللاجئين من سوريا إلى تركيا بشكل رسمي، وبالتالي لم تعد تمنح بطاقات الحماية المؤقتة، لكن عشرات الآلاف وربما أكثر دخلوا تركيا بشكل غير قانوني وأقاموا فيها بدون أوراق رسمية تثبت ذلك، وهؤلاء أصبحوا أحد أبرز أهداف الحملة الأمنية الجديدة، ويجري الحديث عن البدء فعلياً بإرجاع من يتم توقيفه إلى مناطق في شمالي سوريا.

ثالثاً، طوال السنوات الماضية، تساهلت الجهات الرسمية التركية مع عمل اللاجئين بشكل غير قانوني، لكن وبموجب الإجراءات الجديدة كثفت السلطات الأمنية حملاتها لملاحقة العاملين بشكل غير قانوني في كافة المجالات، وهو ما يعتبر بمثابة تهديد مباشر لعمل مئات آلاف اللاجئين الذين يفضلهم المشغلون لقبولهم العمل بدون إجراءات رسمية وتأمين صحي ما يجعلهم أقل كلفة، وفي حال اشتراط تسجيلهم بشكل رسمي، فإن أصحاب العمل ربما يلجأون وقتها إلى تشغيل الأتراك مكانهم.

رابعاً، قدم اردوغان ووزير الداخلية ومسؤولون آخرون وعودا قاطعة بترحيل أي شخص يخل بالقانون والنظام بشكل فوري إلى سوريا، ويتوقع أن يكون هذا البند مدخلاً لترحيل الكثير من السوريين إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون في سوريا، حيث زادت أعداد المرحلين في الأسابيع الأخيرة.

خامساً، بدأت الحكومة التركية بتطبيق سياسة جديدة وتشجيع أكبر للعائلات التي ترغب في العودة الطوعية إلى الشمال السوري، حيث نجحت هذه السياسة في السابق بإعادة قرابة 335 ألف سوري إلى بلادهم، وتأمل تركيا بتحقيق تقدم في ملف إعادة الهدوء إلى إدلب أو القيام بعملية عسكرية شرقي الفرات أو التوصل لاتفاق قريب مع واشنطن حول منطقة آمنة جديدة من أجل فتح الباب أمام إعادة دفعات جديدة من السوريين إلى بلادهم، حيث يزور وفد أمريكي رفيع أنقرة الاثنين لبحث ملف المنطقة الآمنة.

سادساً، حرضت المعارضة الشارع التركي مراراً من خلال التأكيد على أن السوريين يحصلون على الخدمات الصحية بشكل مجاني وهو ما لا يحصل عليه الأتراك، وعلى الرغم من أن هذه الخدمات تأتي بتمويل من الاتحاد الأوروبي، يتوقع أن تلجأ الحكومة التركية لفرض رسوم “رمزية” على الخدمات الطبية، وذلك ليس مقابل العلاج، ولكن لإيصال رسالة إلى الشعب التركي بإن الخدمات الطبية للاجئين باتت مدفوعة من قبلهم، وتحدثت مصادر سورية عن أن الرسوم ستكون بقيمة 7 ليرة تركية (1.2 دولار أمريكي)، وهي قيمة رمزية.

وحسب آخر إحصائيات تحدث عنها وزير الداخلية، يوجد في تركيا 3 ملايين و630 ألف سوري تحت بند الحماية المؤقتة، وأكثر من مليون أجنبي ممن لديهم بطاقات إقامة، فضلا عن 300 ألف شخص تحت بند الحماية الدولية، وقال صويلو: “تستضيف تركيا حوالي 5 ملايين أجنبي مقيم، بينهم حوالي مليون شخص في إسطنبول فقط”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية