مجدي موسىمن ترجمة ريتشارد باركينسون وأداء جاري بيللاي وشوبو كابور؛ شاهد العديد من رواد المتحف البريطاني عرضا أدائيا لقصة ‘سنوحي’ والتي تعتبر واحدة من أروع الأعمال الأدبية المصرية القديمة. تغطي القصة أحداثا جرت في أعقاب وفاة فرعون مصر أمنمحات الأول، مؤسس الأسرة الـ 12، في أوائل القرن 20 قبل الميلاد. النص الأصلي كتب في صيغة شعرية ملحمية وتحوي العديد من الإيحاءات والصور المجازية. وقد وصلتنا العديد من النسخ لهذا العمل، من فترات تاريخية متباعدة، مما يدل على أنه كان من الأعمال المأثورة في العصور القديمة وربما كان من الأعمال التي تؤدى في حضور جمهور. أما مؤلفها، المجهول لنا، فقد سماه البعض بـ ‘شكسبير المصري’ كما رصد العديد من الدارسين ملامح تشابه مع بعض التيمات الموجودة في كتابات العهد القديم.
والقصة كان لها تأثير أدبي واسع وهناك الكثير من الدراسات الأدبية التي اتخذتها موضوعا لها. وقد استوحى منها الأديب المعروف نجيب محفوظ في مجموعة قصصية نشرت في عام 1941، وترجمها ريمون ستوك في 2003. أيضا هناك الرواية الشهيرة ‘المصري سنوحي’ التي كتبها ميكا مالتاري، 1945، والتي ترجمت إلى أكثر من 40 لغة عالمية، من ضمن أعمال أخرى عديدة. أما بطلنا سنوحي فقد قرر ترك وطنه، في ظروف ملتبسة، وبعد رحلة طويلة وشاقة ـ كاد أن يفقد فيها حياته- استقر بمكان ما في الأراضي السورية حيث تمكن من بناء سمعة طيبة كصاحب حكمة ومواهب عديدة وذكر اسمه لدى الحاكم المحلي الذي احتفى بالمهاجر ‘سنوحي’ بعد أن أثبت قدرته على تقديم العديد من الخدمات للحاكم الذي قربه وزوجه ابنته. أنجب ‘سنوحي’ العديد من الأبناء وأحسن نشأتهم وأصبحوا أرباب عائلات كبيرة ومستقرة، كما ازداد تقدير الحاكم له خاصة بعد تغلبه على شخص أقوى منه كان قد تحداه، حيث ظهرت قدرات ‘سنوحي’ وشجاعته.
مع مرور الوقت بدأت تظهر على ‘سنوحي’ أعراض صراع ٍ حارَ في تفسير أسبابه؛ فهو قادر على الإحسان على الآخرين، لا يعاني أي نقص أو احتياج مادي… لديه منزل كبير، أراض زراعية، قطعان ماشية، وكل ما يحتاجه ويبغيه المرء؛ يحترمه ويقدره أقرانه وجيرانه بالإضافة الى قربه من الحاكم ودوائر السلطة وتقديرهم له. في ظل كل هذه الظروف التي توفر له اسباب السعادة و العيش الرغد؛ ازداد إحساسه بعدم الراحة وغياب راحة البال. ملك التفكير في الوطن عقله، واستولى على جوارحه:
امنحني السلام، أعدني إلى مستقرياجعلني أرى المكان الذي يملك قلبيليست هناك غاية أكثر من أن يضم رفاتي.. تراب أرض مولديهل يفرج الرب عن آلام المنكوب؟
فليسمع صلوات المنفى هل ينظر إليّ ربي بعين الرحمة؟
هل يستمع إلى صلوات الغريبالمهاجر من أرضه… إبن شجرة الجميز؟ وصلت آلام وتمنيات ‘سنوحي’ إلى الملك سنوسرت الأول، الذي قرر العفو عنه وسمح له بالعودة، ليقضي أيامه الأخيرة في وطنه وليروي لنا تجربة حياة المنفى والحنين. تشكيلي من مصر مقيم في لندن