الناصرة- “القدس العربي”: سهيل رضوان موسيقار فلسطيني يقيم اليوم في رحاب عروس الكرمل في التسعين من عمره وما زالت الموسيقى تدغدغ وجدانه وتراقصه وتطربه تسعين أغنية وأغنية وبمناسبة بلوغه التسعين هذا الأسبوع التقته “القدس العربي” ومعها استعرض بعض فصول سيرته وتجربته الطويلة في المجتمع والسياسة والموسيقى.
الموسيقار المخضرم سهيل رضوان من مواليد بيسان عام 1931 وتعلم في مدارس عكا والقدس وعاش مع أسرته في صفد وغزة والناصرة واستقر في حيفا ولاحقا صار الأستاذ والمفتش العربي الأول للموسيقى في مدارس العربية في إسرائيل وهو مؤسس فرقة الموسيقى العربية ومعها طاف دول العالم سفيرا للموسيقى الشرقية.
كما هو الحال مع الألوان الموسيقية التي تجتمع وتنسج لحنا جميلا هكذا سيرة الموسيقار الفلسطيني سهيل رضوان فهي فسيفسائية، والده من بلدة محمود درويش- قرية البروة- لكنه ولد في مدينة بيسان حيث كان والده يعمل شرطيا في فترة الانتداب البريطاني ونشأ وتعمد في الناصرة وعمل في يافة وتزوج في حيفا وبعدها لفّ العالم.
سهيل رضوان الذي احتفل بعيد ميلاده التسعين هذا الأسبوع يستعيد طفولته بالقول إن والديه “بوليس سواري” تنقلت أسرته معه من صفد إلى حيفا وبيسان وعكا وغيرها منوها أن إخوته بالتالي ولد كل منهم في مدينة أخرى.
ويتابع “تعمدت في مدينة البشارة الناصرة على يد الخوري الوطني يعقوب حنا الخوري من بلدة الرامة في الجليل وهي بلدة أمي. كان خوري الرامة وطني حمل بندقية وفي النكبة انتقل للبنان. والدتي من الرامة وكانت تروي لي كيف أخذوها يوم زفافها على الهودج من الرامة للبروة وكانت تروي دائما عن إخوة المسلمين والمسيحيين وكيف بادر المسلمون لمطالبة البطريركية في القدس بتعيين جبران الخوري خوريا للبلدة”.
ويستذكر أيام الناصرة قبل النكبة فيقول “كنا نعيش في عمارة البوليس في الناصرة يوم جاءوا واحتلوا المدينة، اضطررنا للنزوح بعدما رموا قنابل على العمارة ولجأنا لبيت أحد أصدقاء والدي”. منوها أنه بعد إنهاء دراسته الابتدائية في الناصرة تم اختياره واحدا من بين ثلاثة طلاب للتعلم في مدرسة الرشيدية المرموقة في القدس ومعه جريس ونصر الله كردوش فيما درس ابن الناصرة عاطف فاهوم في تيراسانطا القدس وما زالا صديقين من وقتها صداقة عمرها سبعة عقود ونيّف. ويقول إنه في البدايات كان في واد والموسيقى في واد آخر وإنه كان بارزا في درس الرياضيات في المرحلة الابتدائية وحلم بأن يصبح مهندسا ميكانيكيا فجاءت نكبة فلسطين وقطعت أحلامه.
وعن ذلك يضيف “بعدما أنهيت المرحلة الثانية في عام النكبة لم أجد بابا مفتوحا أماما لاستكمال التعلمّ فقدمت شهادة ماتريكوليشن في حيفا عام 1949 وللتو اقترح علي المربي الراحل مفتش المعارف حنا خازن أن أكون معلما في يافة مدرسة الناصرة عام 1949 وأنا دون جيل الـ18 وفي الناصرة عام 1951 تعرفت على موسيقار أرمني يدعى ميشيل ديركمليان وطلبت منه الانضمام إلى جوقة الطليعة وعزفت على أداة الباس. في تلك الفترة كان يزاملنا في التعليم معلم يهودي من أصل مصري وهو أول معلم موسيقى في المدارس العربية يدعى سيزار مزراحي. لكنه لم يتدبر أمره مع الطلاب العرب فعرض علي حنا الخازن أن أعلم موسيقى وقبلت وصرت أول معلم موسيقي عربي في البلاد بعد النكبة وما لبث أن أبعدته وزارة التعليم الإسرائيلية مع عدد من المعلمين “بتهمة” كونهم شيوعيين أو مناصرين لهم.
ويكشف سهيل رضوان أن مفتش المعارف الراحل حنا خازن كان قد طلب منه في البداية أن يقدم استقالته من الشبيبة الشيوعية التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي كي يعيده لسلك التعليم عقب إبعاده قبل ذلك مع معلمين ديموقراطيين آخرين منهم سعيد خميس وحسني عيد وفؤاد جابر. ويوضح رضوان أنه اضطر لتقديم استقالته من الشبيبة الشيوعية رغم قناعاته الشيوعية “من أجل أن أعيش وأعيل عائلتي كوني معيلها الوحيد ومن وقتها ابتعدت عن الشيوعية على مضض”.
ويقول إن ميشيل أسس فرقة الطليعة التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي وإنه تولع بالموسيقى بعدما تعلم عنده وتتلمذ ضمن فرقته ثم انتقل للمعهد الموسيقي في حيفا وهو معهد للموسيقى الغربية. وعن البقية يضيف “لاحقا أدخلوا الموسيقى ضمن المنهاج الدراسي وصار معلما متفرغا للموسيقى منذ 1952 وفي عام 1958 زارني مفتش الموسيقى وهو يهودي من أصل روسي واستغرب وجود معلم موسيقى عربي واقترح علي الاستكمال بمعهد موسيقيى في “سيمنار هكيبوتسيم” في كلية أورانيم وتعلمت سنتين هناك ثم عدت لتعليم الموسيقى في الناصرة حتى 1959. وقتها تعرفت على زوجتي خلال تعليم جوقة في حيفا حيث كانت ترنّم فيها وهكذا حظيت بوظيفة وبعروس وقد سحبتني إلى حيفا”. وفي العام 1976 حاز سهيل رضوان على شهادة الماجستير في الثقافة الموسيقية من جامعة نيويورك وصار بالتزامن معلم للموسيقى في دار المعلمين العرب في حيفا.
ويشير لامتياز قريته البروة ليس فقط برجالاتها أمثال محمود وسهيل رضوان ومحمد ميعاري ومحمد علي طه بل بالانسجام واللحمة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين.
ويؤكد الموسيقار والمعلم المتقاعد سهيل رضوان أن وزارة المعارف الإسرائيلية التي واصلت الليل بالنهار لقطع الغصن عن الشجرة وترويض فلسطينيي الداخل بعد النكبة بنظام صارم ظالم قد فرضت في تلك الفترة على مديري المدارس العربية أن ينشد تلاميذها نشيدها القومي “هتكفاه” عشية يوم الاستقلال كل سنة وأن الوزارة فرضت عليه في البدايات العزف معهم أغان خاصة بهذا اليوم خاصة بعد استلام المفتش الراحل رائف زعبي مهمة التفتيش خلفا لحنا خازن.
رضوان الذي صار مفتشا للموسيقى في المدارس العربية عام 1966 يكشف أن مفتش المنطقة المسؤول عميران بوغارتشوف، يهودي من أصل روسي، قد زاره في مطلع 1966 في مدرسة الناصرة وصدم لسماعه بأن المدرسة العربية تستعد لإنشاد “هتكفاه” بتكليف من المفتش العام على المدارس العربية رائف زعبي فبادر للاتصال به وأوضح له أن مثل هذا النشيد معّد للتلاميذ اليهود فقط”.
ويتابع سهيل رضوان الذي خرج للتقاعد عام 1990 “من وقتها طلبت من معلمي الموسيقى العرب وقف عزف وتقديم هذا النشيد الصهيوني ويستذكر أنه عين مفتشا للموسيقى في المدارس العربية في ذاك العام بعدما تدخلت واحدة من معارفه داليا كوهن (بروفيسور في الموسيقى) لدى وزير المعارف طالبة تعيينه بهذه الوظيفة. عن ذاك التعيين يقول “في البداية رفضوا تعييني مفتشا حتى تدخلت داليا كوهن وزارت الوزير في بيته وألحت عليه حتى عينت وبذلك كافأتني على مساعدات مهنية في الموسيقى قدمتها لها سابقا”.
وفي سياق الحديث عن الموسيقى يستذكر سهيل رضوان أن هناك مدارس موسيقية تؤيد اختلاط الأدوات الشرقية بالغربية وهناك مدارس تعارض، موضحا أنه منحاز للحن الشرقي كونه طربيا وراقصا أكثر وحول بداية استخدام الأدوات الغربية يستذكر “لقاء السحاب” بين أم كلثوم مع عبد الوهاب عام 1964 وفيه وافقت كوكب الشرق الغيتار الغربي في تلحين وتقديم أغانيها.
وبعد النكبة تزوج سهيل رضوان حفيدة اسكندر قزمة وهو رجل سوري الأصل عمل مديرا للسيمنار الروسي في الناصرة (المسكوبية) حيث تعلم الأديب ميخائيل نعيمة وأدباء آخرون وقد تخرج لدىه كتاب وشعراء ومؤرخون وبعضهم أعضاء الرابطة القلمية. مع الحرب العالمية الأولى أغلقت مدارس المسكوب. وفي سوريا ولبنان فتح مدارس روسية وكذلك في فلسطين: في قرى الرامة والسجرة والبقيعة وكفر ياسيف وغيرها وصار مفتشا عليها.
بعد التقاعد قبل ثلاثة عقود أسست فرقة الموسيقى العربية بعدما توقفت فرقة الموسيقى العربية في الإذاعة. وافقوا لي على ميزانية وقتها وواصلت المسيرة حتى قبل سنتين ثلاث وخرجت للتقاعد وأكمل ابني نزار المشوار بعدي مع الفرقة. طافت الفرقة العربية البلدان والدول ووصلنا المغرب ومعنا مغنية مغربية فرنسية أحيت معنا 20 حفلة وزرنا غزة بدعوة من شقيق ياسر عرفات وبتنا في خان يونس وأقمنا حفلة موسيقية كبرى ومعنا فيوليت سلامة ومعنا سعاد قرمان. التقينا ياسر عرفات.
وبموازاة تعليم الموسيقى بادر سهيل رضوان لتأسيس فرقة الموسيقية العربية وكانت انطلاقتها في مدينة حيفا وتلقت الدعم المادي من إدارة الثقافة والفنون في وزارة المعارف.
تشكلت الفرقة الموسيقية في بداية تأسيسها من 18 عازفًا تم اختيارهم من نخبة العازفين البارعين في مجتمعنا العربي، وحرص منذ البداية على أن تدخل الآلات الشرقية الأصيلة (عود، قانون، ناي، كمان، تشيلو، كونترا باص وإيقاعات). وقدمت في بداية عملها نماذج من روائع الأعمال الموسيقية العربية الكلاسيكية من نوع سماعي ولونغا، كما حرص على تقديم باقة مختارة من روائع الأعمال الموسيقية العربية، في طليعتها أعمال موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب، وباقة من أغاني سيدة الغناء أم كلثوم. في سنة 1991 أقام ادارة الفرقة مؤتمرًا للموسيقى العربية في فندق “جراند نيو” في الناصرة اشترك فيه مجموعة من الموسيقيين والبحاثة، وصادف هذا اليوم 04.05.1991 يوم وفاة الموسيقار عبد الوهاب. وعن كونه سفيرا للموسيقى العربية داخل المنطقة المحاصرة فنيا منذ النكبة يضيف “عملت الفرقة الموسيقية منذ تأسيسها على تعميق الوعي الفني في مجتمعنا العربي، وأقامت العشرات من العروض الموسيقية في أنحاء مختلفة من البلاد أمام جمهور عربي ويهودي (وغالبيتهم شرقيون مهاجرون من العراق ومصر وتونس والمغرب)، إضافة إلى عروض مبرمجة ومشروحة لطلاب المدارس”.
حصلت الفرقة الموسيقية في العقود الأخيرة على عدة جوائز وفي السنوات 1996-1997 قدمت الفرقة الموسيقية عروضًا موسيقية في أوروبا من أشهرها حفلتان اقيمتا على مسرح تياترو دي لافيل في باريس وفي العام 1997 انتقل عمل الفرقة الموسيقية إلى الناصرة وبدأت تعمل في إطار جمعية تطوير وتنمية الموسيقى العربية.
وبدأت بإجراء تمريناتها في المركز الثقافي البلدي وتعاقدت مع الفنانين فيوليت سلامة وإبراهيم عزت لتقديم عدة عروض على مسارح مختلفة في البلاد، وعلى مسارح مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وشاركت فيوليت سلامة في الحفل الكبير الذي أقيم على مسرح الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس لتدشين القناة الفضائية الفلسطينية. في العام 1998 شاركت الفرقة الموسيقية في مهرجان سبسطية وقدمت عرضًا فنيًا رائعًا على مسرح كلية النجاح في نابلس باشتراك الفنانين فيوليت سلامة وابراهيم عزت. وعام 1999 انضمت الى طاقم المغنيين في الفرقة الفنانة الشابة “لبنى سلامة” والتي بدأت انطلاقتها الفنية على مسارح في البلاد وفي الضفة الغربية شملت رام الله، نابلس، بيت لحم وأريحا بدعم من ارسالية الاتحاد الأوروبي. كما أقامت جمعية تطوير وتنمية الموسيقى العربية صف تخصص للموسيقى في مقر الهلال الاحمر الفلسطيني في جنين.
وفي عام 2000 استلم دكتور نزار رضوان نجل سهيل رضوان قيادة الفرقة الموسيقية بدلا من والده كما وانضم فنانان جديدان إلى برامج الفرقة، الموهبة الشابة هبة بطحيش حيث بدأت انطلاقتها وهي في سن الـ14 على مسرح مهرجان غزة الدولي ولاقت اعجابًا من الجمهور، والفنان الثاني كان المطرب المبدع علاء شرش الذي تخصص في أداء أغاني عملاق الطرب اللبناني وديع الصافي. ثم انضم إلى طاقم المغنين الفنان مأمون زيود لأداء أغاني الموسيقار فريد الأطرش والفنان الياس عطا لله في أداء أغاني عبد الوهاب.
في مايو/ أيار 2001 أقيم احتفال خاص للذكرى العاشرة لوفاة الموسيقار عبد الوهاب على مسرح قاعة النادي الأورثوذوكسي في الناصرة باشتراك الفنان المبدع إبراهيم عزت. وتعاقدت الفرقة الموسيقية فيما بعد مع المغنية الفرنسية (المغربية الأصل) “سافو” وظهرت معها في أكثر من 15 عرضًا في فرنسا، إسبانيا، النمسا وهولندا، وكان آخرها الاشتراك في مهرجان فاس الدولي في المغرب.
وفي العام 2004 كان ذروة أعمال الفرقة الموسيقية العربية وجمعية تطوير الموسيقى حيث أقامت مؤتمرًا للموسيقى العربية والتراث الفلسطيني في الناصرة وبيت لحم في الفترة ما بين 19-25 أيار بدعم من الاتحاد الأوروبي، حيث شارك فيه بحاثة وموسيقيون من البلاد والضفة الغربية ومن خارج البلاد، من بينهم: باتريك لاما ومنير أنسطاس (فلسطينيي الأصل) من فرنسا، محمد عسكري (مصري الاصل) وزوجته من ألمانيا، وشارك في كتابة المحاور دكتور صبحي رشيد من ألمانيا (عراقي الأصل)، وعميد كلية الفنون في جامعة اليرموك د. عبد الحميد حمام. وصدر البومان من أمسيات هذا المؤتمر وكتاب يشمل محاضرات وتوصيات المؤتمر.
وفي السنوات 2005-2007 شاركت الفرقة الموسيقية في عدة عروض محلية وفي خارج البلاد في لوس انجيلوس وواشنطن ونيويورك وفي عرض خاص أقيم بالتعاون مع فرقة السيمفونية اللندنية. كما وشاركت رباعية من الفرقة الموسيقية في مهرجان سمرقند في أوزباكستان وحصلت على الجائزة الثالثة من بين 40 فرقة. وفي السنين الأخيرة كثفت فرقة الموسيقى العربية نشاطاتها في البلاد وأقامت عدة عروض في البلاد وشاركت في مهرجانات العود في القدس والناصرة وفي العروض الفنية التثقيفية التي قدمتها للمدارس العربية في البلاد.
