لئن كانت مسارات تحديث أنساق التفكير الفلسفي المواكبة للنهضة الغربية بشتى أشكالها قد وقعت في مآزق العبث والضياع، ودخلت نظرياتها المعاصرة في متاهات التأويل والفراغ العدمي والقراءة الجوفاء، بعد الخروج من عمق الغياهب القروسطية، دون التوصل لنتيجة تذكر سوى نفي وتكذيب المصادر الإيمانية المرجعية واستبعاد الثقافات الموازية والوافدة، وتحقير وتفقير الذات والتلذذ بالفراغ والحزن، ومجانبة جواهر الأشياء، ليتم بعد ذلك اعتبار هذه الإنجازات الصورية أحد أهم مداخل تأسيس المفاهيم الحديثة.
تم التوصل لهذا المفهوم طبقا لمعطى سفسطائي يدور حول نفي الحقيقة في حد ذاتها لمجرد النفي والإقصاء، ورفض الواقع المليء بالتناقضات، كاستنتاجات غرضية وغايات جوهرية، في حين أن الحقائق قُدمت كأطراف بلا نخاع ومجرد أوهام باروكية سريالية، ظلت محسوبة على مكونات الفكر الحديث. وكما أثرت هذه النظرة في الأدب، فإنها أثْرت الحقل التشكيلي، وسنتناول لاحقا مجمل زوايا الكآبة، ومدى ارتباط ذلك بالتعبيرات الفنية من جهة، وبنفسية الفنان من جهة أخرى. أما ما نشر عن العدم والحزن والكآبة في الأدبيات الغربية فهو كثير، يتمحور حول الوحدة والجنون القاتل والعبث الذي لا طائل من ورائه والأرق والعرق والغرق في متاهات المس والجن والعفاريت أو احتقار العالم وترذيله والموت من أجل النفس دون الوطن أو الإله. ورد ذلك في مؤلفات غربية عديدة، منها «الوجود والعدم» لجان بول سارتر الذي نُشر في 1943، و»دماء الآخرين» لسيمون دي بوفوار، الذي نشر في 1945، إضافة إلى أفكار نيتشه التي تعرضت لموت الله ومفهوم الزوال الحتمي، وفرويد الذي تعرض لموت الإنسان ومعهما مجمل أعمال هيدغر الفينومينولوجية وقبل ذلك ما تناوله هيغل وما صرح به في مؤلفه «فينومينولوجيا الروح» من معطيات تحيل إلى مركزية الفكر، باستبعاد و»بربرة» وتهجين كل عنصر ثقافي ومعرفي خارج الثقافة الأوروبية.
في المقابل فإن مصادر قراءات الحضارة العربية الإسلامية والفارسية، تفطنت مبكرا لتحديد مفاهيم ومسببات مناحي العدم والعبث في سياق الفكر والتعبير، عبر اعتماد دراسات علمية معتبرة منذ القرون الأولى للنهضة، وصلت لاستنتاجات صنفت الكآبة كعلة عرضية لا تمثل غاية مصيرية في حد ذاتها، وتعلق الاهتمام بالمسببات ووضع خصائص البراهين، وتبيان الحجج العقلية باعتماد المنطق والجدل والطب والرياضيات والفيزياء والتشريح والفلسفة، لتناول الظواهر السوداوية المرضية في الفكر والفلسفة والأدب والفنون، بعد الدراسة والبحث وتقصي خبايا حقائق الأشياء، والولوج لدقائق الأمور وتحديد المهام الحيوية والوظيفية للجسم والعقل، واستلهام وتطوير المناهج الإغريقية العتيقة التي تعرضت لدراسة مفاهيم رئيسة منها، الإيساغوجيا كأداة تحليل ومتابعة جامعة لكليات الحقائق العقلية المجردة الخمس (النوع، الجنس، الفصل، الخاصة، العامة) وهو تناول قياسي منطقي عقلي يدرس جواهر الحقائق دون الضلوع في مسألة مهام الحواس التي تبدو سطحية.
من هذا المنطلق ظهرت أعمال جالينوس تلميذ الأفلاطوني ألبينوس في مُؤلف محفوظ في مكتبة الإسكندرية بعنوان» عيون الأنباء في طبقات الأطباء» منذ القرن الثاني الميلادي، وفرفوريوس الصوري تلميذ أفلوطين منذ القرن الثالث للميلاد، وأعمال «رسائل في علم المنطق والجدل» للفارسي الأبهري وهو مُعلم القزويني.
من هذا المنطلق ظهرت أعمال جالينوس تلميذ الأفلاطوني ألبينوس في مُؤلف محفوظ في مكتبة الإسكندرية بعنوان» عيون الأنباء في طبقات الأطباء» منذ القرن الثاني الميلادي، وفرفوريوس الصوري تلميذ أفلوطين منذ القرن الثالث للميلاد، وأعمال «رسائل في علم المنطق والجدل» للفارسي الأبهري وهو مُعلم القزويني. تناولت مجمل الأعمال ارتباط أعراض العدمية وحالات الكآبة بالحالة الصحية للفرد، وبمقدار انعدام التوازن بين المرة السوداء والمرة الصفراء والدم والبلغم ومراقبة مزاج الإنسان عبر القارورة، أو التفسيرة وهي نسبة تحليل أخلاط البول والقدرة على تحديد معيار الرفض والإعراض عن المحاسن والتعلق بالمساوئ والملل والقسر والقهر كمواصفات مرضية فيزيولوجية، فتم بذلك الفصل بين الأصل والفرع، والكم والكيف والوضع. حصل كل ذلك في وقت برز فيه جليا تدحرج القراءات الغربية الحداثية للعدمية، مستلهمة من ظلمات القرون الغابرة حتى في خضم فترة نهضوية مضيئة ومحتضنة للتنوير والديالتيك والظاهراتية والمادية والتجريب.
امتد ذلك التيار وتوسع في أرضية ضاعفت فيها الثورات والحروب منسوب الكره والرفض، مثلما ضاعف تقلص نفوذ ثم انهيار الامبراطورية الرومانية سابقا، أعداد الغزوات والغارات المسلحة ومداهمات البيوت في القرون الأولى لظهور المسيحية، وإرسال العديد من رؤوس الشر والعصابات الدموية إلى القدس، أو إلى أقصى الشمال الغربي الإيبيري في ديكمبوستيل لإبعاد التوترات والتقتيل عن مملكة فرنسا، أولا للتخلص من القتلة وقطاع الطرق، ثانيا، للتبشير بالمسيحية والتشهير بالعظمة الأوروبية، وثالثا، للبحث عن رفاة المسيح، ومحاولة جلبه بقوة السلاح، أو عبر استعمال الرشى والحيلة والخديعة والغدر. وهي عمليات مدروسة لمحاولة تهدئة الأوضاع المشتعلة في المنطقة الأوروبية وتحويل مناطق التخريب والدهم والقتال الدموي إلى الشرق الأوسط وافريقيا. في مقابل ذلك، ورغم تتالي الحملات لم تتمكن هذه العصابات من تغيير القبلة الصليبية من القدس إلى مملكة فرنسا، فلم يتمكنوا إلا من حيازة المذنب الشوكي الذي تم به تعذيب المسيح قبل صلبه.
طيلة هذه الفترات المتباعدة وحتى سنة 1628 تاريخ اكتشاف الدورة الدموية في البلاد الأوروبية، كانت كل الأعراض السوداوية «الميلانكولية» من الكآبة والعدم محسوبة على حالات وإحالات شيطانية ارتبطت بالسحر والشعوذة وهي مجموعة أعراض مشؤومة لها علامات رمزية حيوانية مثل الكلب والخفاش والبوم، يعتبرونها نوعا من الإفرازات في شكل أبخرة لكائنات ميتة أو تتخيل أنها مهددة بالقتل بالسم أو بضربة سيف. هذا المزاج قادر على تقديم أعراض فنتازية لانهائية غريبة ومتنوعة، بعض المرضى يعتقدون أنهم أصبحوا من الطين (وهم منه) والبعض الآخر يتصور أنه بمثابة خشبة يحملها الريح، ومنهم من يضع نفسه موضع الديك ويقلد صياحه المتكرر، وهناك أغلبية تتصور أنها تحمل السماء فوق ظهرها وتخاف أن تسقط عليها وتسحق ليس فقط أجسامها، بل العالم والوجود.
يقول بيير إيفلين. طبيب الملكة آن ملكة النمسا، منتصف القرن السابع عشر في كتاب «السوداوية وتحولات الكآبة» للفرنسية هيلان بريجنت:
«من المعقول الاعتقاد بأن أولئك الذين ينشرون الملكيات بجرأة، لا يعرفون معنى الشهادات والوثائق. يمكن للأجساد مزاج حزن محروق، أو حبس ورم بذرة فاسدة حتى لا يكون لها منفذ. الأطباء في هذه الحالة لديهم صلاحيات أكبر من الكهنة، لأنهم يعلمون أنه إذا تعفن هذا المزاج الكئيب في الغضروف، تتصاعد منه أبخرة وروائح ذات نوعية خبيثة كافية لإحداث كل هذه التأثيرات التي تبدو غريبة جدا وغير عادية ، لأن الحرارة التي تعمل على ترويضها لا تحرك الأخلاط فقط لتظهر الأبخرة، لكنها تمزج الأبخرة والرياح بمختلف أنواعها. وينتج عن هذا المزيج مرة أخرى تأثيرات مختلفة تماما حسب الجزء الذي تهاجمه».
كاتب تونسي