تعددت القراءات القرآنية وتنوعت في المشرق والمغرب. وكانت الطبوع والمقامات مختلفة ليس فقط باختلاف طرق التجويد والترتيل، لكن أيضا حسب ما تؤديه أي قراءة من المعاني والدلالات، ومدى مطابقتها لها، لذلك نذهب إلى أننا لا نفاضل بين القراءات إذ لكل منها خصوصيتها، وأصالتها التي تستمدها من الأصول، وهي ترمي إلى تطويرها، أو وهي تتباين وفق ما تسعى إلى تحقيقه من مقاصد، ومدى قدرتها على ممارستها على النحو الأمثل الذي ظل يشغل طموحها.
ما نقوله عن القراءة القرآنية ينسحب بشكل كبير على الكتابة. ميزنا بين الخطية، وغير الخطية. ونؤكد أن كل كتابة للنص القرآني اجتهاد يسعى إلى تحقيق غايات، لا تختلف عما كان يرمي إليه المسلمون الأوائل، وهم يعملون بجد على الحفاظ على القرآن الكريم كتابة وقراءة، كما أنزل على الرسول (ص). أما الاختلافات فهي إما وليدة الخضوع لإكراهات الفضاء النصي، أو السعي إلى محاولة تجاوزها باستثمار التطور الذي عرفته الوسائط مع الزمن. ونلاحظ من خلال تتبع مختلف المصاحف القديمة والحديثة أن كتابة المخطوط تختلف عن المطبوع اختلافها عن المرقوم.
اخترت للتمثيل على هذا ثلاثة نماذج من الكتابة القرآنية، التي ندرجها في نطاق الكتابة غير الخطية، واتخذت سورة الفاتحة مثالا لكتابتها، يعتمد النموذج الأول الذي حملناه من النت، تحت عنوان «خطاطات القرآن الكريم» الأشكال والخطاطات في تقديم السورة حسب طولها أو قصرها في صفحة واحدة، بحيث تبدو المكونات التي تتضمنها السورة عبر صور مختلفة، حسب اختلاف طبيعتها. وفي مثال سورة الفاتحة نجد هذا النموذج يتقدم إلينا عموديا، من خلال توزيع آياتها إلى ثلاث خانات مقسمة على ثلاثة أغراض هي: العقيدة التي تبدو من خلال الآيات الأربع الأولى. والثانية العبادة: في الآية الخامسة: إياك نعبد إياك نستعين. أما الخانة الأخيرة فمنهج الحياة، وتشمل الآيتين السادسة والسابعة. ولقد استعان هذا النموذج بالألوان للتمييز بين الآيات حسب اشتراكها في المحور الدلالي، الذي حدده لها.
أما النموذج الثاني فقد طبع في بيروت عن دار الفجر الإسلامي (2007): وهو مصحف ملون، ومذيل بالتفصيل الموضوعي، باستخدام فكرة الترميز بالتدرج اللوني، للدلالة على أقسام المواضيع: تتوزع آيات السور فيه حسب الموضوعات المختلفة، وقد وظف كل لون حسب دلالته الخاصة التي ترتبط بالموضوع على طول المصحف. قسّم هذا النموذج بدوره سورة الفاتحة إلى ثلاثة موضوعات بثلاثة ألوان: الأزرق الفاتح للآيات الأربع الأولى. وجمع الآيتين الخامسة والسادسة في لون رمادي. وجاءت الآية الأخيرة بالأصفر. نلاحظ هنا اختلافا في توزيع الآيات الثلاث الأخيرة. لقد أدمجت الآية السادسة مع الخامسة في هذا النموذج، وصارت الآية السابعة منفردة بخلاف ما رأينا في النموذج الأول.
في تجربة خاصة تولدت لدينا من خلال القراءة والسماع، انتهيت إلى أن أي توزيع للنص القرآني على الصفحة يجب أن ينطلق من تصور محدد، ليس فقط انطلاقا من السورة في حد ذاتها، لكن من خلال القرآن الكريم في كليته.
وفي طبعة من البحرين لمصحف على غرار طبعة بيروت: التفسير الموضوعي للحافظ المتقن (2008) نجد توزيع سورة الفاتحة إلى قسمين كبيرين. يمتد أولهما على الآيات الخمس الأولى. ويشمل القسم الثاني الآيتين السادسة والسابعة، مع التمييز بين القسم الأول بجعل الآيات الأربع الأول تحت موضوع الثناء على الله وتمجيده، وقصر الآية الخامسة على عبادة الله والاستعانة به. اتخذ القسم الأول اللون الأزرق الفاتح. والقسم الثاني اللون الأخضر. تشترك هذه النماذج الثلاثة في استعمال الألوان، والتمييز حسب الموضوعات، وقد لاحظنا اختلافا طفيفا بينها سواء في اللون أو الموضوع.
في تجربة خاصة تولدت لدينا من خلال القراءة والسماع، انتهيت إلى أن أي توزيع للنص القرآني على الصفحة يجب أن ينطلق من تصور محدد، ليس فقط انطلاقا من السورة في حد ذاتها، لكن من خلال القرآن الكريم في كليته. وبعد إعمال النظر، عملت على تحديد ما يمكن أن أسميه: البنية المركزية للدلالة لتكون منطلقا لفهمي للسورة في حد ذاتها، وفي ضوء علاقاتها بغيرها من السور الأخرى. وبدأت تجريب ذلك مع السور القصار، لأنها في الحقيقة هي التي ألهمتني هذا الاختيار. أرى أن البنية المركزية للدلالة في القرآن الكريم يمكن أن نختزلها في ثلاثة مكونات: قول إلهي يتوجه به الله إلى عباده من خلال رسوله الكريم. وينقسم الناس بخصوص هذا القول إلى قسمين: سامع مصدق ومطيع، وسامع مكذب وعاص. وكل السور في القرآن الكريم تتمحور حول هذه المكونات وإن اختلفت الموضوعات المقدمة فيها.
جاءت سورة الفاتحة موزعة إلى جدول ينقسم إلى ثلاثة أعمدة. جعلت أوسطها يتضمن القول الإلهي، وتتوزع صور التصديق وما يمكن أن تتفرع إليه من قيم، ونتائج في العمود الأول، ونقيضها في العمود الثالث. أما أفقيا فقد توزعت الآيات إلى خمس خانات هي على التوالي: في خانة عمود الوسط (القول الإلهي) وضعت الآيات الأربع الأولى. وجاءت الخانات الأفقية على اليمين موزعة على ثلاث خانات حسب الآيات الخامسة والسادسة، ونصف الآية السابعة (صراط الذين أنعمت عليهم) وكان نصفها الآخر في خانة العمود الثالث الذي جعلته لكل ما هو نقيض للعمود الأول: «غير المغضوب عليهم ولا الضالين».