سوريا: إنتصارات صغيرة ومبالغة في الأرقام… والحالة الميدانية تعيش انسداد أفق والنظام يبتز سكان ‘المعضمية’ وبتسليم الخبز مقابل رفع العلم والتخلي عن الثورة

حجم الخط
1

لندن ـ ”القدس العربي’ لم يتغير شيء على الوضع في سوريا أثناء محادثات جنيف 2 الأسبوع الماضي وكان حس انسداد الأفق في الميدان هو السائد، ولم تؤد حتى اللفتات الإنسانية للتخفيف من معاناة المواطنين المحاصرين في مدينة حمص القديمة وفي الأحياءالمحيطة بالعاصمة دمشق، خاصة مخيم اليرموك وأهله الجوعى.
وما يهم في مؤتمر جنيف -2 أنه لم يحقق الكثير، سوى فرض تحديات على الحكومة السورية التي ستجد نفسها أمام استحقاقات كبيرة بعد ثمانية أيام في الجولة الثانية في سويسرا.
فمع أنها جاءت لمونترو السويسرية بفهم لتحشيد العالم ووقوفه معها في حربها على الإرهاب إلا أنها وجدت نفسها تحت ضغوط من الوسيط الدولي الأخصر الإبراهيمي ومجموعة الدول الـ39 المشاركة في المؤتمر بالتركيز على الملفات المهمة وهي العملية الإنتقالية.
سيعود الوفد الحكومي ويفكر مع رئيسه في الخطوة المقبلة ولكن الطرف الحكومي على ما يبدو ليس في عجلة من أمره فبحسب صحافي رافق الوفد ونقلت عنه صحيفة ‘واشنطن بوست’ فالحكومة تشعر أن الوقت يعمل لصالحها ولا شيء يجعلها تقلق عليه فهي تربح المعركة في الميدان ‘ وهم آمنون في دمشق، ويربحون في حمص ويحققون إنجازات في حلب’.

منتصرون ولكن

وهذا هو الحس الذي تحدث عنه مراسل صحيفة ‘الاندبندنت’ باتريك كوكبيرن في تحليله للوضع في سوريا حيث زارها الإسبوع الماضي وسجل مشاهداته في مناطق الحكومة وما يجري في العاصمة دمشق، والمقال الحالي هو جمع لمشاهداته ومفاده أن الوضع السوري معقد والجميع ليسوا في مزاج التنازل وهذا ظاهر في الموقف الحكومي حيث يقول إن الجيش يعيش في مزاج إنتصاري ‘فقد زعم أنه منع تقدما للمعارضة المسلحة في حي القدم، جنوب دمشق، وهو الهجوم الذي حاولت فيه المعارضة قطع الطريق الرئيسي المؤدي للأردن.
ووصف قائد في الجيش قدم نفسه باسم أبو يوسف الهجوم بأنه بدأ صباح الأحد الماضي في الساعة العاشرة ‘وكان الهدف هو أن يتزامن مع مؤتمر جنيف 2 ‘.
وزعم القائد العسكري إن مقاتلي المعارضة خسروا 120 من مقاتليهم وأحرقوا جثث 40 منهم حتى يخفوا هوياتهم وأنهم مقاتلون أجانب. ولم يتم التحقق من هذه التقارير لكن كل ما شاهده الصحافي الذي أحضره الجيش السوري للمكان هو حركة عادية للسيارات بالإتجاهين ولم يبد على المسافرين القلق أو الترقب.
وسبب حضوره للمكان الذي كانت تحرسه دبابات تابعة للجيش السوري هو دحض ما ورد على بعض القنوات الفضائية من أن الطريق السريع هذا قد أغلق.

إنتصارات صغيرة

ويعلق الكاتب أيضا بأن مناوشات متقطعة مثل هذه بمزاعم مبالغ فيها وأرقام ضخمة التي يحدثها كل طرف عن الطرف الآخر أصبحت واقعا في سوريا.
ولكن ما يشير إلى أن الحرب لم تكن بعيدة عن القدم هي الكتل الإسمنتية التي سقطت من البيوت المقابلة للشارع والتي هجرها أهلها.
وتظهر أجهزة الإستقبال التلفزيونية التي علاها الصدأ أن سكان هذه البيوت قد غادروها من شهور عدة.
ويضيف كوكبيرن أن تعبير الجيش عن فرحه بتحقيق انتصار صغير له دلالاته وأن ما يحدث في سوريا هو حالة انسداد عسكري، صحيح أن قوات النظام تحقق بعض التقدم خاصة في دمشق وحمص لكن الحكومة لم تحقق أي تقدم حاسم حتى الآن، ولا تزال تعتمد على أسلوب محاصرة المدن والأحياء وقطعها عن العالم الخارجي وبعد ذلك قصفها من الجو والبر لإجبار أهلها على الرحيل وعزل من بقي منهم.
وما يميز جبهات الحرب في سوريا أنها تتحرك وتتغير بشكل بطيء. ولهذا فقد اعتادت دمشق على هذا النوع من الحرب. ولم يعد سكان العاصمة يعبرون عن الذعر كلما سمعوا انفجارا بعيدا عنهم.
وفي الأمسيات تحتشد الشوارع بالمارة على خلاف ما كان عليه الوضع قبل عام عندما كان السكان يأوون لبيوتهم بحلول المساء.
ويضيف أن تفجرا مفاجئا للوضع حدث الأسبوع الماضي في منطقة القدم، لكن القتال كان بعيدا عن العاصمة كما كان قبل ستة أشهر.
ويقول كوكبيرن إن كل طرف كان قادرا على تحقيق تقدم عندما يكون قويا، وعلى الرغم من الحرب الداخلية التي تدور بين فصائل المعارضة لم يكن الجيش قادرا على الإستفادة من الوضع، مع أن قادة الجيش السوري لا يرون سببا في شن هجوم وأعداؤهم منشغلون بأنفسهم.
ويضيف الكاتب سببا لابتعاد الحرب عن مناطق الحكومة وبالتالي شعور من يعيشون فيها بحس عودة الحياة الطبيعية وهو متعلق باعتياد الناس على أصوات الإنفجارات والقصف بعد ثلاثة أعوام من العيش في ظل الحرب.
ومن هنا يقول إن دمشق أصبحت تشبه بيروت في أثناء الحرب الأهلية (1975-1990) حيث تعلم سكانها طرق التعايش مع الأخطار والنجاة.

جملة من التعقيدات

ومع ذلك فالعاصمة السورية تمثل جملة من القوانين والتعليمات المعقدة، وهذا يعود لتوزع مراكز السلطة، فهناك مناطق كبيرة تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة وهناك مناطق صغيرة خاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، وهذه عادة ما تكون خالية من السكان الذين أجبروا على الهرب بسبب القصف المدفعي المتواصل عليها أو للجرف المنظم لها.
يضاف إلى هذا التغيرات الدائمة بشأن الحركة في دمشق، أين تذهب أو لا تذهب؟ ويقول في هذا السياق أن آخر مرة سافر فيها بين دمشق وحمص كانت قبل ستة أشهر، حيث بدأت الرحلة بتحويلة استغرقت 6 ساعات بين الجبال لتجنب رصاص القناصة في حرستا والقابون وجوبر.
ولكنه سافر مرة أخرى الأسبوع الماضي ولم تعد هذه الأحياء موجودة فقد تحولت كلها إلى أنقاض من الإسمنت بعد أن جرفتها جرافات الجيش.
الجغرافيا السياسية

أمر آخر يشير إليه كوكبيرن ويتعلق بالجغرافيا السياسية لمدينة دمشق والتي يقول إنها تغيرت وأصبحت أكثر تعقيدا، فقد تم توقيع اتفاقيات ‘مصالحة’ في عدد من الأحياء التابعة للمعارضة وهناك مفاوضات جارية لتوقيع أخرى.
وفي منطقة البرزة هناك 200 من مقاتلي الجيش الحر ممن سلموا أسلحتهم وصدر عفو عنهم، أما البقية فاحتفظوا بأسلحتهم وتركت بعض الأحياء تحت سيطرة المقاتلين لأن الجيش لم يدخل هذه المنطقة.
ويشير هنا لمحاولته دخول الحي والتعقيدات التي واجهته حيث لم يستطع في البداية لعدم استعداد الجنود أمام نقاط التفتيش تحمل المسؤولية، ثم وجد مع مرافقيه فيما بعد حاجزا يديره الجيش السوري ومقاتلو الجيش السوري الحر الذين قام أحد افرادهم بأخذه لداخل برزة للتحدث مع بعض المقاتلين، حيث وصف الكاتب هناك أجواء الدمار وحالة الذهول التي اعترت السكان على رؤية بيوتهم في حالة متداعية.
ويتساءل الكاتب إن كانت هناك إمكانية لتكرار اتفاق برزة في أماكن أخرى من سوريا، ويجيب أن الحكومة ترغب بحصول هذا لكن ليس من المتوقع قبول جماعات مقاتلة تسيطر على مناطق واسعة.
وفي ظل هذه التعقيدات والأوضاع المتغيرة فالنكتة بين السوريين تدور حول الإحتفاظ بمجموعتين من الأوراق التي تسهل حركتهم واحدة لحواجز الحكومة والأخرى على حواحز المقاتلين والورطة هنا ماذا يقدمون عندما يصلون لحاجز مشترك للجيش السوري والجيش الحر؟
وفي نهاية مقاله يتحدث كوكبيرن عن التقدم الذي حققته الحكومة في مناطق أخرى مثل عدرا، المنطقة الصناعية التي هاجمها مقاتلون من جبهة النصرة وجماعات جهادية أخرى حيث ارتكبوا الكثير من الفظائع قبل ان تتمكن الحكومة من التقدم ولو ببطء فيه.
وفي النهاية يقول بعد زيارته مستشفى المزة العسكري ومقابلته للجنود الجرحى في المعارك مع المعارضة أن كل طرف لديه عناصر متشددة كل عانى بطريقته ولا يريد التنازل لعدوه وهذه هي معضلة سوريا والتي يمكن تلخيصها باستعراض استراتيجية التجويع التي يمارسها النظام وركزت عليها صحيفة ‘صاندي تلغراف’.

قصة المعضمية

وتتحدث كاتبة التقرير روث شيرلوك عن قصي زكريا الذي تقول إنه كان صوت أهله تحت الحصار خلال الأعوام الماضية.
وكان يعيش في حي المعضمية الذي يسيطر عليه المقاتلون خارج دمشق. وعمل زكريا جاهدا لاستخدام ما توفر لديه من طاقة كهربائية والدخول على الإنترنت كي يبث للخارج أخبار القصف الجوي والهجمات الكيميائية وأخيرا حرب التجويع ويواجه الآن خوفا من سكان حيه الجياع وليس من قوات الحكومة التي حاصرت الحي وسكانه الـ 50 ألف وطبقت عليهم سياسة ‘استسلم أو مت من الجوع’.
وتلخص قصة زكريا أساليب الإبتزاز التي يمارسها النظام على الأحياء المحاصرة، فقد أصر على تقديم تنازل واحد في مرة يسمح فيها بدخول كميات قليلة من الطعام للمحاصرين، أولا قيام السكان برفع راية الحكومة، ثانيا استسلام 100 من المقاتلين. وفي المراحل الأخيرة ألب السكان على المقاتلين، فمع استمرار الجوع وتأثر الأطفال به والذين أصيبوا بالهزال وتحولوا لهياكل عظمية بدأ السكان بلوم المقاتلين.
وتشير الصحيفة إلى أن النظام حاول ابتزاز السكان للخنوع مقابل إدخال كميات قليلة من الغذاء.
وآخر مطالب الحكومة من المحاصرين هي أن الطعام لن يدخل إلا في حالة قام السكان بتسليم قادة المعارضة المسلحة والناشطين الذين يقفون وراء الإحتجاجات ومن ثم التخلي عن الإنتفاضة نفسها.

لا يثقون في الحكومة

والمشكلة هي أنه لا يمكن الثقة في الحكومة ووعودها فأول دفعة من المقاتلين الذين سلموا أسلحتهم عانوا من التحقيقات القاسية وسمح لهم في النهاية بالعودة للحي، ولا أحد يعرف ماذا سيحصل للدفعة القادمة فهم يعرفون ماذا حدث لعشرات الألاف من الذين عذبوا وقتلوا على يد النظام.
ونقلت الصحيفة عن زكريا الذي تحدث إليها عبر ‘سكايب’، ‘لا أعرف ما أفعل وأين أذهب؟’، فالنظام يقوم بكل جهده لتأليب المواطنين على المعارضة، وأرسل رسائل للمعضمية يقول فيها ‘ إذا بقيتم مع هؤلاء فالتجويع سيكون مكافأتكم، سلموهم وبعدها سنطعمكم’.
وعبر زكريا عن خوفه حيث يقول ‘إنها مسألة وقت وأعتقل وسأسلم للحكومة’.
وتعتبر المعضمية واحدا من الأحياء والبلدات التي يسيطر عليها المقاتلون وفرضت الحكومة الحصار عليها. فالبلدة القديمة في حمص تعاني من حصار طويل ولم ينجح الإتفاق في مؤتمر جنيف 2 الأسبوع الماضي بتخفيف الحصار عنها وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إليه.
وتقول الصحيفة إن زكريا يقدم قصة مؤلمة عن استخدام الحكومة حاجة السكان لرغيف الخبز من أجل تحقيق انتصارات على المعارضة. ويقول زكريا ‘يعتمد النظام على كل وسائل الإبتزاز بدلا من الحوار، وتملك قواته اليد العليا، حيث يقوم الجيش بفرض الحصار مستخدما الأسلحة الثقيلة لفرض التجويع’.
وأضاف ‘يجب أن تفهمي أن التجويع حتى الموت يؤثر على العقل والإيمان، حيث يشعر الواحد بالتشوش ويبدأ بفقدان الإيمان، ولهذا السبب معظم سكان البلدة لا يفكرون بطريقة صحيحة، ولا يعرفون ماذا يفعلون وأين يذهبون’.
ورغم أن معظم سكان الحي غادروه إلا أن البقية وهم 8 آلاف وضعوا تحت حصار صارم لا يسمح فيه للطعام أو الدواء بالدخول، ويواصل سلاح الجو السوري قصف البيوت التي تهدمت، وفي آب/أغسطس كانت البلدة عرضة لهجمات كيميائية.
وتقول الصحافية إن زكريا الذي كان يعمل قبل الحرب في واحد من فنادق دمشق الكبيرة، ويعيش حياة مريحة، عمل مع الكثيرين داخل المعضمية على نقل الصور المريعة، وبدأ مدونة أطلق عليها ‘التضامن الدولي للإضراب عن الطعام’، وتوقف عن تناول الطعام لمدة 33 يوما وانضم إليه متعاطفون منهم نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي المعروف.
قصة التجويع

ولعدة أشهر استخدم النظام سلاح الطعام لدفع المقاتلين على الإستسلام، وفي كانون الأول/ديسمبر حيث لم يتبق سوى الزيتون على مائدة الطعام، ومع تزايد أعداد القتلى قرر مجلس المعارضة المحلي الإستجابة لمطالب الحكومة والقبول باتفاق هدنة ‘وطلب النظام رفع علم الحكومة على أعلى بناية في البلدة مقابل إرسال الطعام.
وبعد يومين تلقى سكان المعضمية أول كميات من الطعام، الأرز والسكر والطحين لكنها لم تكن كافية لوجبة واحدة. ويقول ‘لقد اعتبرنا النساء والأطفال أولوية’ .
وفي المرحلة الثانية وافق المقاتلون على تسليم الأسلحة الثقيلة التي غنموها من الحكومة، ولكن المواد الغذائية التي حصلوا عليها من الحكومة ظلت قليلة وظلت المحلات التجارية فارغة.
وبسبب الجوع بدأ الناس يتحولون ضد المقاتلين وطلبوا منهم الإلتزام بأوامر النظام مقابل وصول الطعام. وفي الشهر الماضي قرر 100 مقاتل من المعارضة من الصفوف المقاتلة وليس القيادية تسليم أنفسهم للنظام، وتظهر الصور مقاتلين مكتئبين وهم في شاحنات نقلتهم لنقاط الجيش حيث نقلوا إلى مركز الفرقة الرابعة المعروفة بقسوتها للتحقيق معهم. وتقول الصحيفة إن العفو الذي أعلنه النظام لا يشمل ناشطين وإعلاميين مثل زكريا الذي يقول عن نفسه ‘أنا واحد من كبار المطلوبين للنظام’ الذي يريد ‘تحييد الإعلام، بدءا مني وليس مهما كيف، ولا يهمهه كيف، سواء قتلت أو اعتقلت فالنظام يريد التخلص مني’.

خائف من الخروج

ويضيف أن النظام عرض عليه الخروج من المعضمية وهذا يعني الذهاب للفرقة الرابعة، ‘وطلبت مراقبة من الصليب الأحمر الدولي لخروجي لكن النظام رفض’. ولهذا قرر زكريا الإختفاء عن الأنظار، فهو محاط بعائلات جوعى أجبرت على تسليمه مقابل الطعام الذي يكفل الحياة للأبناء ولهذا لا يظهر في الشوارع. يقول ‘استقلت من المركز الإعلامي وأسكن مع زملاء لي من الجيش السوري الحر، ولا أعرف إلى متى سأظل على هذه الحالة ولا أريد أن يتضرر أحد بسببي’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية