سوريا: المتاهة الصارخة… والحقيقة الواحدة

تبدو المتاهة هي المفردة اليتيمة الصالحة لوصف ما يجري في سوريا الان. للاسف المتاهة وحدها التي تطل برأسها مع الاخبار والتقارير والاجتماعات والاقتراحات الاقليمية والدولية. وهي وحدها الصاعدة بايقاع صاخب مع كل حدث جديد او متجدد، على الارض هناك معركة عالية التأثير على المجرى العام للحرب مثلا، مواجهة غير مسبوقة في مطارح لم تٌخترق من قبل، موجات النزوح المستمر، اختطاف هذا الناشط او تلك المجموعة، وغير ذلك الكثير مما يصبً على مسامعنا صباح مساء ويفتك بلا رحمة بنا.
المتاهة وحدها التي تتصدر المشهد الكلي وتملي علينا صوره وآليات تأويله. وحدها من يحدد، بعنف لا تطاله المفردات، شروط قراءة الكارثة وكيفية تناولها والى أي النتائج علينا ان نصل عند تحليلها، حيث لا يصل المتابع للحدث الجلل، عادة، ولا الخبير ولا المحلل السياسي او العسكري، الا لتلك الحقول المفخخة التي فتحتها المتاهة وعمدتها وقادتها بالتالي الى انتاج الصورة التي يتم تنميطها ببراعة لافتة هذه الايام، وعرضها على انها الصـــورة الوحيدة/ الصحيحة/ لكل ما يدور .
صورة فاجعة ومؤلمة هي هذه التي تٌنمطً وتستقر الان بسرعة ضوئية في الوعي الجمعي المتابع للحدث. هي صورة المتاهة وظلها الاوحد.. فماذا يمكن للمتاهة ان تقترح غير القلق؟ غير دوافع الارباك، الصدمة، اليأس والبؤس، ثم الدفع بالسوري بحثا عن حلول ما لهذا العذاب، للهاث خلف ما يعرض عليه من حلول ممكنة، حتى لو تناقضت الحلول، بحسب البعض من نجوم المعارضة، مع الابجديات التي قامت من وحيها الثورة، فالمهم عند صناع المتاهة هو الوصول بمن صدق الثورة ورسالتها ولا يزال يحارب باسمها الان الى ضوء واحد ويتيم في نهاية هذا النفق…ضوء صناع المتاهة ليس اكثر.
عديدة هي الحلول المقترحة للخروج من قلب الكارثة، ولا مجال في هذا السياق لسردها والمساجلة حولها، فما يهمني الان، عبر هذه الكلمات البسيطة، هو محاولة الاقتراب قدر المستطاع من ماهية المتاهة التي تبد على النحو المختصر التالي، اكثر سوريالية من جميع اللوحات السوريالية التي رأيت: يتابع النظام تقديم ما اعتادت بنيته الوحشية على تقديمه ولف المكان واهله به: القتل، الاعتقال، التعذيب، التهجير والمناورة في السياسة المعلنة ووسائل الاعلام. لا جديد على هذا الصعيد ولا غريب يذكر، ثم مجموعات لا عد ولا حصر لها تقاتل ذاك النظام تحت رايات هجينة ودخيلة ولا تمت بكل الاحوال، لجوهر القضية بصلة، تأتي داعش على رأسها، فقد تحولت المجموعة الاخيرة هذه الى نجم ساطع في سماء الفاجعة، داعش تحتل المناطـق وتفرض منطقها البدائي عليها. داعش تعاقب وتعذب وتقتل. وداعش تستورد مرتزقة الرب كي يحاربوا باسمه من كل حدب وصوب.
وداعش.. وداعش، ثم النصرة وسلوكياتها المطابقة الى حدود بعيدة لسلوكيات داعش، وصولا ً الى المجموعات الاصغر والاقل شأنا وتأثيرا. والجيش الحر، ذاك المناط به اصلا، فعل تحرير البلاد وقيادة العمل العسكري للثورة.. اين هو الان، اذ لم نعد انسجاما مع شروط المتاهة على الاغلب، نعثر عليه ممثلا كما يجب في الاخبار الهادرة من هناك، ولم نعد في المقابل نسمع الكثير عن انشقاقات جديدة في صفوف النظام وجيشه المقاتل. الى جانب كل ما ذكر، تتكاثر اخبار مرتزقة الممانعة الذين يوصفون باصحاب الدور الفاعل والحاسم في صد المخاطر عن النظام وحمايته من السقوط: حزب الله، كتائب ابي فضل العباس، كتائب يمنية، حرس ثوري ايراني. وربما، ايضا وايضا تتأكد مع الوقت حقيقة تلك الشائعات التي تتحدث عن مشاركات نوعية لعدد من الطيارين العرب من مصر والجزائر تحديدا، في الغارات المميتة للنظام على شعبه.
يكلل هذا المشهد المرعب والحزين بحقائق لا جدال حولها تتعلق بحجم الدمار الكلي الذي طال البلاد وبنيتها وعمرانها، علاوة على الاعداد صعبة الحصر لاولئك الذين فروا بارواحهم خارج سوريا او الى المناطق الاكثر أمانا داخلها .
امام هذا الوضع العسكري الفانتازي تتشابك على الجهة المقابلة خيوط اللعبة السياسية التي لا تقل سوريالية وغموضا ولا تخفف من اعباء قراءة الحالة، بل تزيدها تعقيدا، حقيقة الاتفاق الايراني مع الغرب وما خفي من اسراره ونتائجه التي لا بد ان تنعكس على الملف السوري. لا اخلاقية الموقف الامريكي وطبيعة ما يربو اليه الاعلان الدائم عن ضرورة رحيل النظام في العلن، والعمل في الخفاء هذه المرة، مع اسرائيل وروسيا على الابقاء عليه، ثم مواقف الدول العربية المصابة بهواجس انتقال النار الى مخادعها، وهو الامر الذي يدفعها، كما نراها الان، الى اعادة ترتيب مقاعدها في قاعة المسرح من جديد دول الخليج عموما، والسعودية بشكل خاص. الاردن، مصر، لبنان والعراق، الى جانب تركيا التي خفت صوتها على نحو لافت ومثير وهذا الجنيف الثاني.
عند الحديث عن ذلك المؤتمر المنتظر بشغف لا يفسر بسهولة ويسر، تتداخل جميع الملفات المذكورة اعلاه وغيرها الكثير، ويفتح الباب في الوقت عـــينه امام البحث في سيرة المعارضة السورية ومتاعبها، الصادقة او المدعاة، وغموض الرؤى عند البعض من قادتها ونجومها الذين لا يعــــرفون، منهم نعـــرف حقيقـــــة انهم لا يعرفون، ماذا يريدون من جنيف وماذا على السوري، دافع الثمن الاعلى واللئيم لهذه التراجيديا، ان ينتظر من حلول فعلية هناك.
وبعد، هل هناك ما هو اكثر مدعاة لليأس والبؤس من هذا المشهد السوريالي؟ هل تريد المتاهة ما يزيدها تعقيدا وعنفا؟ لا مؤكدة.. لا صارخة، فالمتاهة مكتملة الضلوع والاسباب، ولكنها على الرغم من حجم سطوتها وتأثيراتها المرعبة واكتمال ضلوعها، لا تستطيع حجب الحقيقة الوحيدة الواقفة خلفها، حقيقة ان روح الثورة السورية البكر باقية في مكانها.. تلك الثورة التي قامت بوحي البحث المشروع عن دولة مدنية وعن عدالة مصادرة وعن حرية غائبة ومشتهاة. انها الدليل الى غد سوري بعيد عن قبح كل هؤلاء، النظام الوحشي وهذه العصابات التكفيرية التي تماثله في عمق الفكرة وتطبيقاتها المقترحة. وما الامساك الان بجمرتها، جمرة التغيير الفعلي، سوى الاداة اليتيمة.. بوصلة اليوم والغد، للخروج من تيه المتاهة وارتفاع سقفها. انها البوصلة، وما على السوري، وهذه القوى المعارضة التي تمثله سوى القبض على الجوهر البديع للفكرة الأم: الثورة الأم، فلا حقيقة في نهاية المطاف الا هي.

‘ كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية