لندن ـ ‘القدس العربي’: ‘النصر ليس مؤكدا للنظام، ولكن الدفة تسير لصالحه’، يقول جيفري وايت الضابط السابق في الشؤون الدفاعية والأمنية والباحث في الشؤون الدفاعية في تحليل له نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مشيرا إلى أنه ‘بات من المألوف الحديث عن أنه لا يوجد حل عسكري للصراع الدائر منذ ثلاثة أعوام في سوريا’، وهذه العبارة متداولة في أروقة السياسة الغربية ويرددها المسؤلون الأمريكيون للتأكيد على أهمية المسار الدبلوماسي (جنيف-2) وتحديد الدعم العسكري للمعارضة أو التردد في دعمها.
إستراتيجية واضحة
وعلى الرغم من هذا الحديث فالحرب ‘ستكون لها نتائج عسكرية، وفي ضوء الإتجاهات الحالية فالنتيجة قد تكون انتصارا للنظام، فملامح الإستراتيجية التي يسير عليها النظام في مواجهة الحرب واضحة، وتقوم على بقاء قوة النظام وحلفائه، وجيل من القوات المناسبة لها، ونجاح ميداني (عملياتي)، واستمرار الإنقسام داخل قوات المعارضة’، ومع ذلك فهذه الإستراتيجية مقيدة بقيود مهمة مرتبطة بحجم وفعالية النظام وقواته المسلحة، إضافة لعامل ‘يغير اللعبة’ قد يحرف مسارها.
وبعيدا عن هذه القيود لا يستبعد وايت إنتصارا للنظام وهو ما يعول عليه الأخير.
ومبرر هذا القول إن استراتيجية النظام تقوم على ثلاثة مبادئ، المبدأ الأول يقضي باستخدام أي مستوى من العنف يراه ضروريا لهزيمة المعارضة المسلحة وكسر إرادة الداعمين المدنيين لها. واضطر النظام في الحالة هذه اللجوء لأقصى درجات العنف لمواجهة المعارضة المسلحة والتي تتلقى أسلحة وتعزز من خلالها موقفها الميداني.
فقد عول النظام على العنف منذ بداية الإنتفاضة ويمكن ملاحظة هذا المبدأ وقراءة تطوره من خلال الأسلحة التي استخدمها النظام بما فيها الأسلحة الكيمائية التي استخدمها ضد المدنيين، إضافة لضرب المقاتلين في حواضنهم المدنية.
فـ ‘عندما يقوم النظام باستعادة منطقة سيطر عليها المقاتلون يأخذ بقتل حملة السلاح ومن ثم ينخرط في عمليات انتقامية في مناطق المدنيين، إعدامات ونهب وحرق البيوت والمحال التجارية، فكل بلدة استعادها النظام تكون مثالا للبلدة التالية’.
إستغلال المسار الدبلوماسي
أما المبدأ الثاني لإستراتيجة حرب الأسد فيقوم على استغلال المسار الدبلوماسي، لمنع حصول المقاتلين على الدعم وتجنب العزلة السياسية في الوقت نفسه.فبدعم من حلفائه خاصة الروس في مجلس الأمن، استطاع النظام منع أي تهديد دبلوماسي عليه من الغرب أو المعادين له.
فقد استغل النظام وتلاعب بكل اتفاقات وقف إطلاق النار ما دامت لا تعرقل عملياته العسكرية، و’عندما حشر في الزاوية لاستخدامه السلاح الكيميائي قام بنزع فتيل الأزمة وإبعاد الضربة الأمريكية بدون أن تتأثر قدرته لشن الحرب كما يريد، فالمسؤولون السوريون قد يسافرون لجنيف، لكنهم كما يقول المتحدثون باسمهم ليسوا ذاهبين إلى هناك لتسليم مفاتيح دمشق بل ومن أجل إبقاء داعمي المعارضة متورطين في مفاوضات عبثية من جهة والمعارضة منقسمة على نفسها’.أما المبدأ الثالث في استراتيجية حرب النظام، فتقوم على تكرار روايتها عن الحرب، فالرواية الرسمية للنظام تقول إنه ‘ينتصر’ في حرب ضد ‘الإرهابيين’ وأن النظام لا يزال متماسكا وقويا.
ويعتمد النظام في تمرير روايته على الإعلام المحلي الذي يديره وما يتوفر لديه من إعلام خارجي داعم له.
ونجح النظام لحد كبير لتعزيز مفهوم التهديد الإرهابي المتزايد في سوريا، وركز الإنتباه على انتصاراته التي حققها.
أهداف النظام
إذا كانت هذه استراتيجية النظام ومبادئها، فما هي أهدافه. وهنا يقول وايت إن النظام يهدف لتحويل المشكلة مع المعارضة المسلحة إلى مشكلة إرهابية هو قادر على التحكم بها. وكما ويهدف إلى محو وتدمير أي معارضة سياسية جدية له داخل سوريا، وفي النهاية استعادة السيطرة على المناطق التي خسرها في داخل البلاد.
وهنا يقول وايت إن ‘النظام أشار أنه ليس مستعدا لتسوية لا تعني سيطرته على البلاد لكن النظام قد يجبر على فعل هذا بناء على منظور التمرد واتساعه ومحدودية قدرات النظام، ومع ذلك لا يزال النظام يقاتل من أجل استمرار سيطرته على كل المحافظات، وهذا يختلف عن القتال لإقامة دولة رديفة، مع أن استراتيجية النظام وعملياته قد تخدم هذه الأهداف. ويظل النظام وعقل اعضائه الجمعي يتعاملون مع سوريا على أنها واحدة وغير منقسمة وأنها لهم وحدهم.
يستفيد من ضعف منافسيه
ويعتقد المحلل العسكري أن ثقة النظام شيء والشروط السياسية والعسكرية الكفيلة بتحقيق استراتيجيته شيء أخر.
وتشمل الشروط السياسية استمرار تلقيه الدعم الدبلوماسي من حلفائه واستمرار انقسام المعارضة وغياب الإجماع الغربي والدول المتحالفة معه بشأن الطريقة التي يجب التعامل فيها مع النظام السوري.أما الشروط العسكرية فتشمل الحفاظ على التحالف العسكري مع روسيا وإيران وحزب الله، وزيادة حجم وقدرات القوات النظامية التابعة له بما في ذلك قوات الدفاع الشعبي، ومواصلة هذه القوات على توفير الغطاء من القصف والغارات للعمليات.
ومن الشروط اللازمة تجنب تدخل عسكري أو دعم عسكري كبير للقوات المعارضة له. ومع أنه لا يوجد أية ضمانات لاستمرارها فمن المحتمل أن يكون النظام قادرا على توفير كل هذه الشروط في المستقبل المنظور.
وفي تطبيقه لاستراتيجيته يواجه النظام كما يقول وايت مجموعة من المحددات، منها صغر حجم جيشه مقارنة مع قوات المعارضة واتساع رقعة الثورة، ومن هنا يحتاج النظام لاختيار ميادين المعركة والقتال بشدة في ميادين أخرى.
وهناك محدد آخر مثير للقلق يتعلق بخسارة الجيش لعدد من جنوده من خلال الاستنزاف والإنشقاقات، مما جعله يعتمد بشكل كبير على القوات غير النظامية.وهناك ملمح ثالث يتعلق بالمحددات المفروضة على القوات النظامية ومتعلقة بحجم القوة الجوية والمدفعية والصاروخية التي يمكنه استخدامها في فترة معينة.
محدد رابع ويظهر أنه إشكالي وهو عدم قدرة النظام على مواصلة العمليات، حتى في المناطق التي سيطر عليها في حمص، ربيع عام 2011 والسفيرة في محافظة حلب في خريف العام الحالي، اما المحدد الخامس والأخير حاجة النظام لتجنب إغضاب حلفائه الذين يحتاج لدعمهم المهم مما يعني أن عليه الإستماع إليهم بشأن إدارة الحرب، وكان هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع النظام للموافقة على تدمير ترسانته الكيميائية.
عمليات عسكرية ومناورات
ضمن هذه المحددات يمكن للنظام خوض عمليات فاعلة إن لم تكن حاسمة، حملة تحقق أهدافه الإستراتيجية.
ويشير وايت إلى أن النظام السوري زاوج ما بين المعركة ومناورات واسعة لتحقيق انتصارات مهمة، وكان مستعدا لخوض عمليات استنزاف ركزت على منظور ضيق، ضرب فيها المقاتلين ضربات موجعة.
و’قد طورت القوات السورية أساليب تكتيكية تقوم على استخدام القوة النارية الكثيفة، الحصار، وعمليات قصف جوي مشترك، وهجمات صاروخية، وعمليات مشتركة مع القوات المتحالف معها للسيطرة على مقاومة المقاتلين العنيدة.
ومع ذلك فمحدودية القوات أجبرت النظام على القيام بعمليات متتابعة، وقامت الوحدات الرئيسية في الجيش السوري (الفرقة الرابعة من الحرس الجمهوري) مع القوات المتعاونة معها (حزب الله، والمقاتلون الشيعة) بالتحول من ساحة قتالية إلى أخرى.
ويعتقد الكاتب أن التوجهات الحالية على الساحة القتالية يبدو أنها تلعب في صالح النظام حتى لو لم تظهر نتائج المعارك هذا الواقع. فقد استثمر النظام جهدا وطاقة ومصادر في أربع عمليات وأدت لتحقيق نجاحات، المعركة في حمص، ربيع 2013، والمعركة في جنوب حلب في الخريف، وشمال- شرق دمشق في نفس الفترة، وأخيرا في القلمون في شمال وشمال ـ شرق دمشق، الشهر الماضي. و’في كل هذه العمليات استخدم النظام مفاهيم القتال، حتى في الوقت الذي تكبد فيه خسائر فادحة أمام مقاومة عنيدة، ولم يعثر المقاتلون بعد على صيغة ناجحة للرد على هذه العمليات.
وبشكل مترابط فبطء تقدم النظام في عملياته راجع على الأقل إلى محدودية قوات النظام لا فاعلية المعارضة المسلحة’.
هل سينتصر؟
رغم كل هذا الحديث عن تقدم قوات النظام وتحقيقها انتصارات، اي أن مسار الحرب يسير في صالحه إلا ان النصر لا يبدو قريبا، وهناك عدد من العوامل التي قد تغير مسار المعركة وتوقف تقدمه أو تؤدي لتراجعه ‘الأول، قد يتوصل المقاتلون إلى تنسيق جهودهم مع العناصر العسكرية والسياسية في المعارضة، مما يسمح بمدخل واحد نحو الحرب ويقود لتطور استراتيجية وطنية واحدة لمواجهة النظام، اما الأمر الثاني ومتعلق بالأول، قد يستطيع المقاتلون إنشاء وحدة قيادية وتسلسل يؤدي إلى دمج الجهود القتالية واللوجيستية معا ويساعد في التصدي لعمليات النظام.
الثالث، قد يتلقى المقاتلون تعزيزات قتالية قوية، أسلحة، ذخائر ومعلومات أمنية وتدريبات ونصائح. والرابع قد يكون على شكل تدخل عسكري أجنبي قادر على تدمير كل فعالية النظام والمزايا التي حققها’.ويرى وايت أن فرصة تحقيق أي من هذه الخيارات ضئيلة جدا، لأن تطورا في قدرات المقاتلين قابل للظهور من داخل قدراتهم العسكرية ومصادرهم السياسية، ويظل تحقيق الوحدة داخل صفوف المقاتلين أهم إنجاز يمكن تحقيقه والذي لا يمكن في الوقت الحالي إلا تحت راية إسلامية.
ويختم وايت بالقول إن ‘التأكيد على أنه ‘لا يوجد حل عسكري للصراع في سورية يجب التعامل معه بحذر، ففي الوقت الذي لا يشعر النظام بأنه قادر على الحصول على النصر الذي يريده، قد يميل الى نصر أقل، إلا ان الحرب تسير لصالحه ولا يوجد هناك منظور لإرجاع وتيرتها للوراء’.
وفي النهاية سيكون النظام قادرا على هزيمة المعارضة وببطء وبالتالي استعادة المناطق التي خرجت عن سيطرته، إن لم تنهار المعارضة المسلحة بشكل مفاجئ، وهذا احتمال بعيد بالنسبة للفصائل الإسلامية الرئيسية.
بالنسبة لجنيف 2 يقول وايت إن مدخل النظام تجاه الحرب تقترح أنه لن يتفاوض بجدية مع المعارضة، وفي ضوء النجاحات المتزايدة التي يحققها في ميدان المعركة، واستمرار دعم الحلفاء له، وانقسام المعارضة الدائم فلا يوجد أي سبب يدعوه لهذا.
الجهاديون الأجانب
وفي مقال نشره المعهد نفسه وكتبه آرون زيلين عن شبكات تجنيد الجهاديين الأجانب للقتال في سوريا أظهر أن عمليات التجنيد مستمرة في ليبيا والسعودية وتونس.
ويعتمد زيلين وغيره من الباحثين في ظاهرة الجهاديين الأجانب على مراقبة وسائل التواصل الإجتماعي، وحتى دراسة المركز الدولي لدراسة التشدد في جامعة كينغز- لندن فقد اعتمدت في معظمها على مراقبة ‘فيسبوك’ و’تويتر’ وتحليل صور الفيديو.
ويعترف زيلين أن الطبيعة السرية للمواقع الجهادية تؤدي لصعوبة تقدير أعداد. ولكنه يرى ضرورة تحليل وملاحقة هذه الشبكات لانه يساعد واشنطن على فهم عمل الشبكات الأجنبية والتي يعتقد أن أكبرها يأتي من السعودية وليبيا وتونس.
ويتساءل عن عدد الذين قتلوا من الأجانب في سورية، حيث تحدثت المواقع الجهادية عن مقتل أكثر من 1100 متطوع، مع أن هناك مصادر إعلامية غربية وعربية تحدثت عن مقتل متطوعين غير الوسائل الإعلامية للجهاديين.
ويقول انه يجب التعامل بحذر مع الأرقام التي تصدر عن مواقع الجهاديين لأنها تخدم أهدافهم السياسية وفي بعض الأحيان يتم حجب معلومات لنفس الأغراض من مثل حجم الدور العراقي.
وبحسب الجدول الذي يقدمه الكاتب فعدد المتطوعين السعوديين الذين قتلوا في سورية هو 267، ليبيا 201، تونس 182، الأردن 95، مصر 79 ، لبنان 48، المغرب 29، المناطق الفلسطينية 21، الكويت 18 والشيشان 15.واشار المقال إلى القتلى من أوروبا من فرنسا مثلا 6 واستراليا 5 وأيرلندا 4 وغيرها، كما ولاحظ تناسبا طرديا بين زيادة القتلى من المتطوعين السعوديين وأعداد القادمين للقتال.
ولاحظ في إعلانات الوفاة أن 20 بالمئة منها تشير إلى الكتيبة التي كان يقاتل فيها المتطوعون ومعظهم انضووا تحت لواء جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام او جيش المهاجرين والأنصار وحركة أحرار الشام.
وتقدم إعلانات الوفاة عن المتطوعين معلومات عن بلدانهم والمدن التي جاؤوا منها، مثلا هناك 15 مقاتلا جاؤوا من مدينتي بريدة والقصيم في السعودية، اما ليبيا فمعظمهم من درنة وبنغازي، وبالنسبة للبنان فقد جاؤوا من طرابلس، ومصر جاء 16 من الإسكندرية. وتظهر الأرقام أن معظم المقاتلين الأجانب قتلوا في معارك في شمال سوريا خاصة حلب (240) ثم حمص (105) ودمشق (95) والحسكة (15) والسويداء (3) من بين عدد من المدن السورية.
ويشير المقال إلى أن دراسة مسحية لمصادر حكومية وجهادية بلغات متعددة تظهر ان ما بين 3.400 ـ 11.000 دخلوا سورية منذ بداية الإنتفاضة، بعضهم اعتقل واخرون قتلوا، جرحوا أو عادوا من حيث جاؤوا.