سوريا بالأبيض والأسود

حجم الخط
0

تغريد شاهين بعد كل حدث جلل أقرأ العبارة التالية: ‘كيف قدروا يعملوا هيك’؟ والمقصود: كيف استطاع القاتل القيام بعملية القتل؟السؤال ذاته يتوارد من عدة أطراف، مع اختلاف تفاصيل ‘الجريمة’. محاولات الأجوبة تكون: تخلوا عن إنسانيتهم، ليسوا بشراً، مجبولين على الكراهية ……….. إلخ.في سوريا، في حمص مدينتي، لا يُنسى بالنسبة لي الانقسام الخرافي الذي حدث في المجتمع الحمصي أولاً، ولم يكن قد حدث – والكلام منذ سنة تقريباً- إلا في حمص، لم أكن أفهم كيف أصبح أحد جيراننا – وهو رجل لطيف بالمناسبة- قاتلاً، وذاك الجار وذاك القريب وذاك الصديق؟.. عندما يتحول شخص تعرفه إلى قاتل فهذا يجعلك تتساءل إن كان هناك إمكانية لتصبح أنت نفسك ذاك القاتل؟ البارحة كان جزءاً منك، وتستطيع أن تتبرأ كيفما شئت، لكنك تشعر أن هذا الجزء منك قد تحول لقاتل، وليس من السهل فهم تحوله ولا تقبله ولا التعايش معه.في كتاب ‘أصول الدافع الجنسي’ لكولن ويلسون يشرح فيه أن القتلة المتسلسلين بدوا ‘طبيعيين’ بالنسبة لمجتمعاتهم، وأن أول من ابتكر هذه الطريقة في الجرائم، قتل حتى جارته التي تسكن فوقه بدم بارد، وعندما كُشف أمره بعد سلسلة طويلة من الجرائم، لم تصدق زوجته أنه قادر على مثل هذا الفعل، ولا أي أحد عرفه سابقاً، لقد شهد الجميع أنه الرجل الأكثر لطفاً.حقاً ما الذي حدث؟سأستخدم تفسير كولن ويلسون لتفسير الحالة في سوريا:يكون الإنسان -أي إنسان- قادراً على قتل إنسان آخر عندما يفقد هذا الآخر الصفات التي تجعل منه بشراً بنظر الإنسان الأول. يصبح: آخراً /دمية /شيئاً، إنه ليس أنا، ولا يؤثر بي ما يحدث له أو معه. وقد لعبت العزلة الفكرية الاوتوماتيكية التي حصلت دوراً بتعزيز رؤية المختلف بالمواقف كآخر وكل التحولات التي وصلت بالنهاية لمرحلة القتل.ما حدث في سوريا هو تماماً هذا، في خطابه الأول قام ‘بشار الأسد’ بتصنيف الناس بين من هم مع الإصلاح/ مع الوطن /معه، ومن هم ضد الإصلاح/ ضد الوطن/ ضده. أوتوماتيكياً أصبح هناك ‘أبيض’ يوالي الإصلاح /بشار الأسد، و’أسود’ يعارض. في الطرف الآخر بدأ خطاب المعارضة بذات الأسلوب وذات العقلية، وصب بذات المصب مع تبادل لوني فكان ‘ أبيض’ يواليهم، و’أسود’ يعارضهم. ورغم استخدام المعارضة عبارات تلطيفية إلا أن كل كلمة تمييزية كانت تزيد من حدة الوضع، ومن الاحتقان، وأصبح كل أبيض في جهة يرى في الأسود فاقداً للجوهر الإنساني، يراه آخراً/ دمية/ شيئاً، وعليه التخلص منه بكل بساطة، وطبعاً سيلقى مباركة من الجهة التي يُصنف أنه يتبعها، فقد تخلص من العدو الذي لا يمكن أن أكون حيث يكون. قيل ذلك بعبارة صريحة، كحسم وضربة من حديد وخونة وعملاء….. أو بعبارة أكثر حرفية أو تهذيب، المعنى بقي ذاته والنتيجة ذاتها، سأتخلص بدم بارد من كل من لا يملك لوني لأنه ليس إنساناً بالنسبة لي. لم يكن الأبيض والأسود هما الوحيدان في الساحة، فقد ظهر الرمادي، وهو الأخطر لأنه ببساطة تأكيد للأبيض والأسود بتطرفهما وتمييع هذا التطرف، فلا أنت قادر أن ترفض هذا الفكر ولا هذا، هو المنطقة المشوشة التي ستضمن للأبيض والأسود استمراريتهما ضمن منطقة ضبابية قد تمتد إلى مالا نهاية دون حل، ويبقى التطرف المحتضن والمميع من قبل الرمادي قنبلة موقوتة قادرة على القتل في أي لحظة. الرمادي هو منطقة بين تطرفين، ليس منطقة معتدلة ولا يمكن أن يكون، ليس منطقة وسطى بل هو كمنطقة بين نارين لا يمكن أن تكون إلا منطقة احتراق وإن كان بطيئاً.المرحلة الثانية ستكون ضمن كل مجموعة، فبعد أن اطمأننا أننا كلنا ‘بِيض’ علينا أن نقيس درجة البياض ضمن المجموعة نفسها، ونتخلص ممن هم أقل بياضاً وهذا ما يحدث الآن في كل سوريا، وأيضاً تمييز أكثر وتفرقة أكثر، واحتقان أكثر وأكثر، وموت أكثر وأكثر وأكثر ….الكارثة وقعت، والسوريون يموتون على يد بعضهم البعض، بدأ من بدأ وانتهى من انتهى، سيكون السؤال المنطقي الآن: ماذا أفعل أنا كمواطن سوري أملك من الحزن والخذلان والعجز ما لا أقوى على حمله؟.الحقيقة أننا نحن من موقعنا، ولكون هناك كم كبير من الناس التي اختارت طريقها في العنف لا نستطيع أن نفعل شيئاً يذكر. نستطيع فقط أن نصمت إن لم نكن قادرين على قول سوى ما يزيد هذه الإشارات التمييزية بيننا، وأن نتذكر أن كلماتنا ‘البريئة’ قد تكون السبب بقتل أحد ما، سوري له أم وربما أولاد وعائلة.نستطيع أن نضيف لوناً لأرواحنا. ربما تزيد الأرواح الملونة ويصبح الأبيض والأسود هما الشاذان، تعرفون كيف تلونون أرواحكم. كل جمال، كل فن، كل أدب، كل حب، هو فعل ضد الأسود والأبيض والرمادي القميء. كل فعل ‘خير’ يخدم في إطفاء التمييز الذي نعاني منه ولو قليلاً، وبالأخص يخدم في عدم زيادته.كل تذكير بالمشترك، يخدم هذا. إن محاولة بناء أرضية مشتركة قابلة لحضن الجميع لم تكن يوماً مهمة الساسة، ومن المؤكد أنها ليست مهمة المتطرفين أو المتسلقين، هذه مهمة الفنانين والأدباء والناس البسيطة التي تهمها الحياة فقط. وأنا وأنتم نعلم أن هناك من يقوم بذلك بصمت، ومن غير أسلوب المباشرة الذي أقوم به الآن والذي لا أبرع بسواه، هم فعلاً يقومون بعمل جميل ومذهل ولن أذكر أسماء فالكل يعرف من هم. ما سبق هو نتيجة لسؤال: ماذا ينتظر السوريون بعدُ؟ ومهما كانت الإجابة فإنها غير مرضية بالنسبة لي. لا أستطيع الجلوس هنا والاكتفاء بعدّ الشهداء أو اللطم والانتظار لأنني لا أقدر على فعل شيء ولا أستطيع تبني أفكار لا أؤمن بها، لا أؤمن بالعنف رضيتم أم لا، لا أفعل ولن أفعل أبداً، أؤمن بـ’أثر الفراشة’ أكثر مما أؤمن بأثر طائرة ميغ.’ مواطنة سوريةqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية