لضبط التجاوزات المتكررة لفصائل الجيش السوري الجديد، أصدرت وزارة الدفاع لائحة قواعد السلوك والانضباط، بهدف تنظيم تصرفات العسكريين، وضمان بناء مؤسسة عسكرية تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون.
أفادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الأخير بتسجيل 157 حالة اعتقال تعسفي في سوريا خلال أيار (مايو) 2025، بينها 4 أطفال و3 نساء، في ظل التحولات السياسية التي تعيشها البلاد عقب انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي وتسلم حكومة انتقالية مقاليد الحكم. التقرير الممتد على 20 صفحة، شدد على ضرورة وضع ضوابط قانونية لإنهاء الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، مع ضمان الحقوق الأساسية للأفراد. وأوضح أن الحكومة الانتقالية نفذت 93 حالة اعتقال، من بينها سيدة واحدة، بينما سجلت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» 64 حالة، شملت 4 أطفال وسيدتين. وتصدرت محافظة حمص قائمة الاعتقالات، تلتها دير الزور ثم الرقة. وفي السياق، وثّق التقرير إطلاق سراح 83 شخصا من مراكز احتجاز الحكومة الانتقالية، غالبيتهم من حمص، بمدد احتجاز تراوحت بين ساعات وشهر. في المقابل، أفرجت قوات سوريا الديمقراطية عن 6 أشخاص فقط، معظمهم من دير الزور والرقة، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين أعداد المعتقلين والمفرج عنهم، نتيجة استهداف مدنيين انتقدوا ممارسات هذه القوات. وحول الحملات الأمنية التي نفذها جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية السورية، رصد التقرير اعتقالات استهدفت 97 شخصا متهمين بارتكاب انتهاكات حقوقية وجرائم خلال حكم نظام بشار الأسد، وجرت في محافظات اللاذقية وحمص وحماة ودمشق. وطالت هذه الحملات عسكريين سابقين وموظفين وأطباء عملوا في مشافٍ عسكرية، كما صادر الأمن الداخلي أسلحة وذخائر. كما وثّق التقرير اعتقالات لأشخاص يُشتبه بصلتهم بمجموعات مسلحة مرتبطة ببقايا النظام السابق، كانت قد هاجمت مواقع أمنية تتبع للإدارة السورية الجديدة في آذار (مارس) الماضي، تسبب بمقتل مئات الضحايا من المدنيين من خلال القتل خارج نطاق القانون. أبرز التقرير انتهاكات جسيمة، تشمل الاعتقال بدون مذكرات قضائية والتعذيب والمعاملة المهينة، في خرق للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984. كما سجل استمرار الاختفاء القسري بدون الكشف عن مصير المحتجزين، مع غياب آليات محاسبة فعالة ضمن مسار العدالة الانتقالية. وانتقد التقرير ممارسات فصائل الجيش السوري التابعة لوزارة الدفاع و«قسد»، داعيًا إلى الالتزام بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وإنشاء آليات تحقيق ومحاسبة لمنع تكرار هذه الجرائم وضمان العدالة للضحايا.
لائحة قواعد عسكرية
وفي محاولة لضبط التجاوزات المتكررة لفصائل الجيش السوري الجديد، أصدرت وزارة الدفاع السورية في 30 أيار (مايو) الماضي لائحة قواعد السلوك والانضباط العسكري، بهدف تنظيم تصرفات العسكريين ضمن الجيش السوري الجديد، وضمان بناء مؤسسة عسكرية احترافية تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون. واعتبرت الوزارة أن اللائحة تنطبق على كل من يرتدي الزي العسكري، وتخضع المخالفات للمساءلة القانونية والقضائية. وحسب اللائحة حددت الواجبات الأساسية للعسكري بالدفاع عن الوطن وسيادته ووحدة أراضيه والتضحية بالنفس في سبيل أمن الوطن والمواطن وحماية المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء، في جميع الظروف. وأكدت على الالتزام الدقيق بتنفيذ الأوامر العسكرية. وشددت على احترام المواطنين بدون تمييز على أساس العرق والدين أو الانتماء وصون الممتلكات العامة والخاصة، والالتزام بمعايير حقوق الإنسان في التعامل مع الأسرى والجرحى أو قتلى العدو. وسنت اللائحة قائمة محظورات هي، عصيان الأوامر العسكرية المشروعة والتعدي بأي شكل على المدنيين والإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة وممارسة أي شكل من أشكال التمييز بين المواطنين. كما حظرت إطلاق شعارات أو اتخاذ مواقف تمس الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي وإساءة استخدام السلطة أو معاملة المحتجزين بطريقة غير قانونية. واعتبرت الوزارة أن تلك القواعد تهدف إلى تعزيز الانضباط العسكري، صون الحقوق والحريات، وبناء جيش وطني محترف يلتزم بالقانون. وأكدت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي في إطار إعادة هيكلة الجيش السوري بعد دمج الفصائل المسلحة، بعد أن كانت قد منحت مهلة 10 أيام للفصائل الصغيرة للانضمام إلى الوزارة، باستثناء مناطق شمال شرق سوريا التي يجري التعامل معها ضمن اتفاق سياسي منفصل. كما أشارت إلى أن عملية الدمج تتضمن تقييم الكوادر، إعادة التأهيل، والتدريب وفق معايير الوزارة. ولاقى القرار ترحيبا في أوساط المؤسسات الحقوقية، فقد رحب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير باللائحة، معتبرًا إياها «خطوة إيجابية لإصلاح القطاع العسكري وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان». في حين شكك الكثيرون في إمكانية تطبيق هذه القواعد في ظل استمرار الفوضى الأمنية وتحديات دمج الفصائل المسلحة تحت مظلة واحدة.
تصاعد الانتهاكات
وفي الجانب الأمني، عُثر على جثامين 5 شبان من حي عش الورور بدمشق في مشفى المجتهد بعد يومين من اختطافهم عند حاجز أمني فجر الأحد الماضي. علما أن الشبان يعملون في أحد المطاعم قرب دمشق حسب ما تحققت «القدس العربي» من أحد رواد المطعم، وأشار المرصد أن العمال ينتمون للطائفة العلوية، وتم احتجازهم بذريعة التحقيق الأمني، قبل أن يُعثر على جثث 5 منهم (بينهم السائق)، في حين لا يزال مصير الشاب السادس مجهولاً. في سياق منفصل، شهدت قريتا بيت عانا والدالية بريف جبلة في محافظة اللاذقية اقتحامات عنيفة نفذتها قوات من فصائل الجيش السوري الجديد، أدت إلى مقتل 3 شبان في مناطق متفرقة، أحدهم في منزله إثر الاقتحام المباشر، وحرق ثلاثة منازل وبعض السيارات حسب أشرطة مصورة نشرها ناشطون وصفحات محلية على وسائط التواصل الاجتماعي، وأفاد شهود عيان بأن المسلحين، الذين قدموا من ريف حماة، أطلقوا النار بشكل عشوائي، ما أثار حالة من الرعب بين الأهالي. وأشار المرصد إلى أن القوات المقتحمة اعتقلت عدداً من الشبان بتهمة «الاشتباه الأمني»، واقتادتهم إلى جهة مجهولة، فيما لا يزال مصير المعتقلين غامضاً. وطالب أهالي القريتين بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، محذرين من تفاقم التوترات في المنطقة. وتعرفت «القدس العربي» على إثنين من المعتقلين وهما المحامي رضوان جمعة أحمد وأخوه الطبيب وسام، في حين نهب العناصر العسكريون بعض المقتنيات والهواتف الخليوية لجميع أفراد العائلة وبينهم هاتف والدة المعتقلين. من جانب آخر، قال الإعلام الحكومي أن مسلحين مجهولين هاجموا الأربعاء، مركزاً للاتصالات في ريف اللاذقية شمال غربي سوريا، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن الداخلي. وأعلنت السلطات فرض حظر تجوال في المنطقة لملاحقة المهاجمين.
وأفاد المكتب الإعلامي لمحافظة اللاذقية أن «مجموعة مسلحة خارجة عن القانون»، استهدفت مركز الاتصالات في منطقة الدالية بريف مدينة جبلة، ونشرت الصفحة الرسمية للمحافظة صورا لعشرات عناصر الأمن العام في قرية بيت عانا، وبالتزامن أعلنت مديرية الأمن الداخلي في جبلة، عبر صفحاتها الرسمية، فرض حظر تجوال في قريتي الدالية وبيت عانا، ابتداءً من الساعة 7:30 مساء الأربعاء، وحتى انتهاء العملية الأمنية. وأكدت المديرية أن قوات الأمن تتعقب منفذي الهجوم، داعية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة. كما حذرت من مغادرة المنازل خلال فترة الحظر، مهددة باتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين.
وأعلنت محافظة اللاذقية إلقاء القبض على عدد من المتورطين في الهجوم الذي استهدف مركز الاتصالات في ناحية الدالية مؤخراً، وذلك خلال العملية الأمنية التي نفذتها قيادة الأمن الداخلي ضمن جهودها المستمرة لتعزيز الأمن وترسيخ الاستقرار في المنطقة. ورغم إعلان قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية عن اعتقال عدد من المتورطين في الهجوم الذي استهدف مركز اتصالات في الدالية، إلا أن غياب التصريحات الرسمية حول دوافع التصعيد وهوية المهاجمين زاد من حالة الغموض والقلق بين السكان.
ونفى مصدران محليان في المنطقة لـ«القدس العربي» تعرض مركز البريد إلى هجوم مسلح، وأوضحا أن خلافا وقع بين أحد المراجعين ومدير المركز وحاول المراجع الاعتداء على المدير، إلا أن الموظفين والأهالي حالوا دون الأمر. الجدير بالذكر، أن بيت عانا والدالية كانتا نقطة انطلاق لتحرك فلول النظام السابق ضد الإدارة السورية الجديدة وفيهما نصب أول كمين في التحرك ضد القوات الأمنية وهو ما تسبب بأحداث مأساوية للغاية ضد المدنيين، وهو ما يفسر التحرك السريع للقوات الأمنية بشكل عنيف ضد أي حادثة مهما كانت صغيرة.