سوريا: مصنع الوحوش وعقيدة صيدنايا

حجم الخط
0

شهدت سوريا بروز نوع جديد من السياسة الحربية، تلك التي يمكن أن نسميها «التوحيش»: قصف عشوائي ومستمر للمناطق السكنية، التي تقع خارج سيطرة الدولة السورية بطريقة غير مبررة عسكريا، والتسبب بمجازر بشكل شبه يومي على مدار سني الحرب. تدمير كل المنشآت الحيوية واستعمال أسلحة وتكتيكات حربية تسعى لإيقاع أكبر عدد من الضحايا، وبأكثر الطرق وحشية. يذكر مثلا استخدام البراميل المتفجرة التي تبلغ دقتها صفر في المئة تقريبا، والغارات المزدوجة على المشافي والمخابز، واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المناطق المدنية.
بعيدا عن القصف الجوي، تضاف المجازر التي قامت بها قوات النظام السوري وحلفائها على الأرض وبشكل مباشر عبر الذبح والحرق وأشكال أخرى من القتل الوحشي غير المبرر. لم تكن تلك الممارسات وليدة الحرب السورية الأخيرة، فهي تطور لسياسة ميزت النظام السوري عبر سنوات حكمه. يمكن تلخيص المثال الأعلى لتلك السياسة في سجن صيدنايا، بوصفه جوهر العقيدة السياسية للنظام السوري: بناء السلطة على مبدأ «باطن» مخفي عن الوعي والعقل السوري، لكنه في صلب اللاوعي السوري وكلي دائم الحضور في خياله. تسكن جوف هذا الباطن سحيق العمق، وحوش وأشكال من العذاب أبشع من أن يتخيلها أكثر العقول جهنمية. سراديب وزنازين ومتاهات لا قرار لها، ولا يعرف طريق لها، لكنها حاضرة تماما في المخيلة السورية وسكانها الشبحيون سكان دائمون في اللاوعي الجمعي للجغرافية السورية.

لا يسعى التوحيش لهزيمة الخصم المفترض، أو سحق تمرد ما بمعنى تحقيق انتصار مادي مباشر، انتصار واقعي. كما أنه ليس مجرد استفحال لأساليب الحرب التقليدية بغرض الانتقام ممن تجرأ على التمرد في وجهة السلطة المتوحشة، أو لتقديم عبرة لمن قد يفكر بالتمرد مستقبلا. ما نعنيه بالتوحيش هو ممارسة للعنف، يبلغ تطرفها وعدم تكافؤها (مع التمرد المفترض) حدا يمنع أي عقل من محاولة لفهمها أو إضفاء معنى عليها. ينطوي «التوحيش»، بالإضافة للجانب المتعلق بالعنف المباشر، على ممارسة الإخفاء والتستر. أي إخفاء ظروف حدوث الوقائع الوحشية التي تجعل تلك الوقائع «واقعية» وليست محض خيال، بل إن سياسة الإخفاء تصل في كثير من الأحيان حد الإخفاء الجسدي التام لمن وقع عليهم التوحيش، ما يجعل تلك الوقائع خيالية بشكل تام.
باختصار، تسعى سياسة التوحيش إلى نفي الصفة الواقعية عن نفسها وعن سياساتها، وخلق محكومين «خياليين» جدد عبر تلك السياسة. تدعي السلطة المتوحشة عبر تدميرها وإخفائها لمنطق أفعالها التعالي التام عن المنطق البشري لمحكوميها، فتصبح تصرفاتها وطرقها في فرض سلطتها أقرب لأفعال الآلهة التي تعصى على فهم البشر الفانين، أو مماثلة للظواهر الطبيعية البهيمية التي تعصف بالكائنات، دون أن تنطق بأي حرف يبرر كوارثها. بهذا، تصبح الدولة ظاهرة فوق – طبيعية تامة القدرة والتحكم، ويصبح المحكومون كائنات تحت – طبيعية فاقدين لأي قدرة على الفعل، حتى أدنى درجاته وهي الفهم. وتصبح العلاقة بينهم نوعا من صراع بين العمالقة البلهاء، والالهة التي تسعى لسحقهم وتطهير الأرض منهم. رغم غرابتها، لكن المقاربة الميثولوجية مناسبة هنا. فالصراع لم يحدث حقيقة، لأن العمالقة لم يكن لهم وجود أبدا. أما الدولة الفوق – واقعية فهي مطلقة الوجود. هو صراع حدث ويحدث على مستوى الخيال فقط. السلطة المتوحشة أبدية ومطلقة، أما الوحوش فهم سكان المستحيل، أي كيانات خيالية تماما.
على الرغم من ادعاء التوحيش الارتباط بالمطلق، أي بالتعالي، إلا أنه يبقى عملاً سياسيا محضا ومتجذرا بالكامل في الإطار الزمني والمكاني، وبالتالي في العالم المادي. ويمكن فهمه تماما من خلال هدفه، الذي يظهر بوضوح عند النظر إلى الواقع الذي ينتجه وإلى سكان هذا الواقع. صورة الشخص الذي تعرض للتوحش يمكن وصفها من منظورين: الأول، أنه «ذات مستحيلة»، بقدر ما نفهم الذاتية على أنها القدرة، أي القدرة على الفعل، سواء كانت القدرة على الكلام أو تكوين المفاهيم أو المشاركة في مشروع سياسي. الثاني، أنه «ذات الاستحالة»، بقدر ما تُعرَّف الذات على أنها «المتلقي»، أو كيان يتلقى بصورة سلبية ما يحدد ظروفه. وهنا تشير «الاستحالة» إلى المشهد الذي يوجد فيه هذا الشخص. إذ أنه بلا شك موجود، ولكنه لا شيء سوى الوجود البحت. إنه «الأنا عند درجة الصفر».
كما أشرت بداية، لا تسعى القوة المتوحشة الى انتصار تقليدي، بل هو تحقيق مطلق للانتصار لصالح القوة التي تمارس التوحيش، والتدمير المطلق للشخص الذي وقع ضحية له. وهو يُفهم بشكل أفضل عند النظر إليه من منظور زمني: يتحقق التوحيش ليس عندما يُهزم العدو فحسب، بل عندما يخضع كامل المجال الحيوي الذي يعيش فيه العدو ـ أي السكان ـ لهزيمة من «منظور الأبدية»، أي عندما لا يستطيعون تخيل زمن لم تكن فيه القوة المنتصرة مثبتة بشكل مطلق، لا في الماضي ولا في المستقبل. إنه انتصار يمتد ليشمل الزمن بالكامل، كما شمل المكان، ما يجعل القوة الوحشية كيانا كلي الحضور، كلي القدرة، وبالتالي إلهياً. صحيح أن الجيوش الغازية قامت دائما بالقتل والنهب واستعباد المناطق التي احتلتها. وصحيح أيضا أن الدول سعت إلى توسيع نفسها تاريخيا، إما بادعاء سلالة معينة و/أو من خلال تدمير الأرشيف والذاكرة الثقافية للشعوب المهزومة. ولكن السعي إلى والقدرة على ضرب وتشويه وقتل عدد هائل من البشر بشكل مفرط، لدرجة تجعلهم يعترفون ليس فقط باستحالة وجودهم، بل باستحالة أفق الوجود نفسه، هو ظاهرة معاصرة للغاية.
يمكن العثور على سابقة للحالة السورية في حالة «المسلمين» Muselmänner الشهيرة التي تحدث عنها الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل في كتاباته عن تجربته في معسكر الاعتقال النازي: هم سجناء معسكرات الاعتقال النازية الذين، بسبب ظروفهم القاسية، «أصبحوا غير مبالين بأي شيء [و] تركوا أنفسهم للموت». يكمن التشابه في حقيقة أن الذات التي وقع عليها التوحيش في كلتا الحالتين قد تعرضت إلى درجات لا يمكن تصورها من العنف، ما جعلها ليس مهزومة، ولا ميتًة، بل ما هو أسوأ بكثير: وجود فارغ، بيت منار لكن «لا أحد في الداخل» (كما وصفه جيجيك). ينطبق هذا الوصف ليس فقط على الحالة النفسية للعديد من الأفراد السوريين الذين يتم تشخيصهم بشكل جماعي، باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بل أيضا على الحالة العقلية السياسية السورية بشكل عام.
في جوهر ممارسة التوحيش – ومعيار نجاحها- يكمن الادعاء بالتعالي. تُخفي القوة الموحشة نفسها خلف حجاب من الغموض، وكأن الدولة توجد في مستوى خاص بها، يتجاوز تماما مستوى الشعب. وبهذا الشكل، فإن آليات عملها وأهدافها ومنطقها الذي يحكم هذا المستوى المتعالي يبقى بعيدا عن فهم الشعب، مثل الإله أو الطبيعة، تدّعي الدولة المتوحشة أنها تعمل وفق منطق داخلي خاص بها فقط. بطبيعة الحال، فإن ممارسات الإدماج والإقصاء المعرفي هي آليات تقليدية لفرض السلطة. على سبيل المثال، يمكن ذكر نقابات الحرفيين التي يقوم وجودها على حماية أسرار الحرفة، وبالتالي التحكم بشكل فعّال بمن يمكنه أن يصبح حرفيا، وما إلى ذلك. مثال آخر هو «اللغات المقدسة» (كاللاتينية، والعبرية التوراتية، والعربية الكلاسيكية، إلخ) حيث تحافظ السلطات الدينية على سلطتها بضمان أن يكون الحق في الفهم، وبالتالي تفسير النصوص الدينية، حكرا عليها فقط. هناك أمثلة كثيرة هنا، لكن الحقيقة تبقى أن القدرة على الكشف عن المنطق أو إخفائه، أمر جوهري لأي ممارسة للسلطة بحد ذاتها.
في حالة الذات التي تعرضت للتوحش، تكمن الكارثة في جهلها بشروط نشأتها الخاصة، لأن فعل التوحيش ينتج ذاتيات جديدة – رغم أنها ذوات عارية عند درجة الصفر. القوة هي ما يفرض أشكالا جديدة. القوة هي ما يُشكّل. أن يتم توحشك يعني أن تمر بتحول، لكن في هذا التحول، يتم تشكيلك إلى شكل يكاد يكون بلا شكل، أي إلى الذات الصفر. يكاد يصبح المرء واحدا مع «الميتا» في الميتامورفوسيس أو التحول (ميتا= وراء أو ما بين، مورفي = شكل أو صورة) وهذا هو واقع القوة، القوة الخالصة. لكن هذا غير ممكن لأن الوحش يظل ذاتا، والذات هي شكليّة، تنظيم. ومع ذلك، فهي شكليّة هشة للغاية بحيث تكاد لا تمتلك أي قوة خاصة بها. على هذا المستوى، لا يمكن أن يكون هناك منطق، ولا فهم. الذات لا تعرف شيئا. إنها تعرف أنها موجودة، وتعرف أنها تعرف، أي أنها تفكر. أهم شيء تجهله الذات الصفرية هو المنطق الخاص بها، الذي يشمل تنظيمها الخاص، وما هي قادرة عليه، والأهم من ذلك، كيف ولماذا وجدت. بقدر ما تبقى تحت ظروف التوحيش، يصبح من المستحيل على الذات المتوحشة فهم أسباب حالتها الفظيعة، أو حتى اختبارها فعليا. الواقع الوحشي لا يظهر أبدا بشكل كامل، بل يتم اختباره «مثل حلم»، مثل تجربة الموت – ولكن ليس تماما. لأن الذات تنجو من هذا الموت. ما يهم هنا هو استحالة فهم هذا الواقع لأنه لم يُختبر كـ»واقع» في المقام الأول. وبالتالي، تظل شروط السببية التي نتج عنها وجود الذات مخفية عنها.
انعدام الفهم هذا يزيد من عجز الذات الموحشة، والأهم من ذلك، أنه يرفع القوة التي تسببت في تشوهها إلى مستوى منفصل عن مستواها الخاص: مستوى الهلوسة. نعود لمثال صيدنايا (وباقي السجون السورية): في ظل الانعدام التام للمعرفة حول سجون النظام السوري، الذي يشمل حتى الجهل بأماكن وجودها، أو طرق الوصول إليها، يُفتح المجال أمام العقل السوري في محاولة تراجيدية لتعقّل تلك السجون فتغزوه أشباح صيدنايا، ويتخيل له سيناريوهات لا حدود لبشاعتها ـ لأنه فعلا رأى ما يثبت احتمالية وقوع أكثر أشكال الوحشية استحالة ـ ويبدأ فعلا بالحفر في مخيلته عبر أقبية تحت – أرضية لا نهاية لها، ويحاول بلا فائدة أن يصل إلى من فقدهم، وأن يفك شيفرة تلك الأقفال، عسى أن يخرج هذا الباطن المنحشر أخيرا إلى الضوء.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية