سوريا.. مع الشعب المستباح ام مع المستبدين الذين يستبيحون كل شيء؟

حجم الخط
0

د. محمد جمال طحان من يتأمل الواقع السوري بعد ثمانية عشر شهراً على بدء الثورة، تصيبه الدهشة مما يحدث. نعرف أن السلطة، عبر خمسة عقود، دجّنت الفكر وشلّت الحركة السياسية، وعملت على تغييرات ديموغرافية تحفظ لها القدرة على استمرار التسلّط. ونعرف أن معظم السوريين تم غسل عقولهم من خلال مغريات الانضمام للحزب الحاكم، بحيث أمسى من غير المعقول أن تطالب بأبسط حق من حقوقك مالم تكن بعثياً. وهكذا تورّط البعثيون في تشكيل طابور خامس يدافع عن مصالح الأسرة الحاكمة التي ورّطت العلويّين أيضا فباتوا محسوبين عليها، وهم منها براء، إلا فئة قليلة لاتتعدى ألفي شخص يكنزون الأموال ويحظون بالجاه والسطوة.أسباب كثيرة جعلت من السوري مثارا للسخرية لأنه مستكين إلى واقع مرير لا يستطيع منه فكاكاً. بعض السوريين خدعتهم شعارات الممانعة والمقاومة ومجابهة إسرائيل والأخوان المسلمين والامبريالية التي تنتظر الفرصة للانقضاض على أرضنا. وآخرون آثروا الأمن والأمان وتكيّفوا مع واقع لا يملكون منه شيئاً، فيدعون على المستبدين سرّاً ويتملّقونهم علناً. أما من كانوا خارج السرب فهم سوريون يقرؤون الواقع بدقة ويعرفون مكامن الفساد ومصادر الإفقار والهيمنة، بعضهم قاوم جهراً ودفع ثمن ذلك حياته أو جزءاً كبيراً منها حيث غيبَوا في السجون سنوات طويلة. وآخرون قاوموا بما هو متاح من خلال تمرير أفكارهم ومواقفهم من غير مجابهة، وإنّما كانوا يوارِبون ويستعملون أساليب لايرقى المستبدِّون إلى فكّ رموزها، وليست لديهم الحنكة والثقافة التي تمكّنهم من قراءة مابين السطور والمواقف. الآن بعد ثمانية عشر شهراً من بدء الثورة، غدا من اللازم أن نبسط أوراقنا جهراً ونحدد مواقفنا تجاه من يمتصون دماءنا، ولم يعودوا يتنقّبون بالدين أو بالوطن. هل نحن مع الحق الذي تدعونا الكتب السماوية والنظريات الفكرية إليه؟ يبدو واضحاً أكثر من سطوع الشمس أننا أمام خيار بين موقفين لا ثالث لهما: مع الشعب المستباح، أو المستبدين الذين يستبيحون كل شيء حرصاً على مصالحهم. الغالبية العظمى الفاعلة على الأرض الآن هي الثوار بأطيافهم المختلفة، وثمة أمران لا خلاف عليهما بين الجميع: إسقاط العصابة الحاكمة وبناء دولة القانون التي تحرص على المساواة بين أبناء سوريا جميعهم بأطيافهم كلها، الدينية والاثنية والفكرية والسياسية.ثمانية عشر شهراً ولم نتقدّم بالشكل الذي كان ينبغي علينا الوصول إليه. لكنني، قبل أن أدخل في تفاصيل الحل الممكن، ينبغي لي أن أبسط قناعاتي التي خبرتها على مدى العقود الماضية، وتأكّدت لديّ في الشهور الأخيرة، وهي أن السلطة في سوريا هشّة إلى درجة انها أوهى من بيت العنكبوت. والصراعات الداخلية بين أفرادها وهيئاتها تزيدها اضطراباً ورعونة. كما أن الجهاز الأمني الذي كنا نخافه، وكان يظنه كثيرون، من داخل سوريا وخارجها، قويّاً وخطيراً، ماهو سوى كتلة من الغباء..لايعرف سوى الغدر والاغتيالات والاعتقالات العشوائية. لايعرف شيئاً حقيقياً عن أي شيء أو أي أحد..لايمكنه أن يلاحق أي تنظيم ويكشف آليات عمله أو أفراده. وبعض المعلومات التي يأخذونها ليست نابعة من دقة تنظيمه أو تماسكه، بل هي تأتي من خلال الإطاحة بكرامة المئات وتعذيبهم وقتل الكثيرين منهم،كي يجبروا بعض المعتقلين على الإدلاء بمعلومات قلما تكون مدعومة بالأدلة أوالاثباتات. ومادام الوضع كذلك، كيف لتلك العصابة الصمود كل هذه الفترة أمام ضربات الشعب المصرّ على النصر؟ هل الجيش هو الذي يُحكِم سيطرته فيدعم العصابة الحاكمة؟ بالتأكيد لا.. الجيش مهترئ متخلف لايستطيع توجيه ضـــــربة صائبة إلى أي مكان، وليس بوسعه التخطيط لأي عملية ناجحة. إنه جيش قائم على التراتبــــية العسكرية بحيث يرتضي صاحب الرتبة الأولى تحقير الرتبة الأعلى له، جيش قائم على إتقان تقبّل الذلّ وتلقّيه بصدر رحب وتصديره للرتب الأدنى. من المؤكد، بما لايقبل الشك أن روسيا وايران هما المخططان الأساسيان لما يجري، وهما اللتان تمدّان السلطة السورية بالسلاح والمال، وتقودان عملية الإبادة الجماعية للسوريين كي يركعوا للمصالح الروسية والمخطط الايراني الذي يحرص على سوريا – المعبر الوحيد للمنطقة برمّتها.ربما يكون ماقيل حتى الآن مقدّمات لا بدّ منها كي ندخل في صلب ما نرمي إليه.الثورة السورية مستمرة حتى تحقيق أهدافها، وهما كما قلنا هدفان أساسيان تنبني عليهما سوريا الديمقراطية الحديثة، فلم إذن لم يتحقق النصر حتى الآن؟ الداخل السوري يريد تطمينات بأن أحداً لن يُقصى، وأن الأفكار المتطرفة، يميناً ويساراً، لن تسود. وأن العسكر دورهم مرحلي آنيّ وسرعان ما ينسحبون إلى ثكناتهم وتُحَلّ ألويةُ الجيش الحر المدنيّة، ومن يبقى في سلك الجيش ينضوي تحت لواء الجيش السوري الحر الموحّد الذي يعود إلى مهمّته الأساسية في الدفاع عن الأرض السورية موحَّده ضدّ أي عدوان. العالم الخارجي أيضاً، بغض النظر عن مواقفه ومطامعه ومصالحه، يريد التطمينات نفسها، وهذه التطمينات لا تتحقق إلا إذا كانت هناك واجهة يمكن التعامل معها. المجلس الوطني وهيئة التنسيق والمجالس الثورية والجيش الحر الموحد واتحادات المجالس الثورية والتنسيقات المختلفة، والمجالس العسكرية والمدنية والمحلية، كلها تدعم شرذمة الثوار في سوريا. إعلامياً وميدانياً وعسكرياً، كلها لم تستطع اقناع أحد بجدوى فاعليتها، بل غلب على معظمها الإرث سيء الذكر الذي يتمسك بأناه، ولا أحد سواه ينقذ سوريا مما هي فيه.لاوقت للزعامات…لاوقت للشعارات…لاوقت للمحسوبيات….إنه زمن التحرير….النصرقادم فلنقلّل الخسائر بسرعة تكاتفنا ونحن نغزّ السير نحو سوريا الجديدة التي نحب.في ظل هذه الظروف، والمواقف الدولية المتخاذلة والتشكيك المتبادل الذي تعمل السلطة على دعمه وإشاعته، هل يمكن أن يكون هناك بصيص أمل في الخلاص؟.نعم، الأمر متاح ببساطة قد لاتلفت نظرنا ونحن نسمع دوي الإنفجارات من كل حدب وصوب.في اجتماع موسّع ترعاه جهة مخلصة، أو جهة تتيحه، أو من غير اجتماع على أرض الواقع..يمكن أن نفتح صفحة خاصة في إحدى وسائل الانترنت المتاحة ندعو فيها كل الفصائل والأحزاب والهيئات والمجالس والتنسيقيات، القديمة والجديدة، لانتخاب شخص واحد من كلٍّ منها ينضم إلى مجلس انتقالي يشكّل حكومة موسّعة لكل مدينة أو محافظة… يجتمع المنتخَبون الذين يمثّلون الفئات التي ينتمون إليها وتجري انتخابات الحكومة التي ينبغي أن تضم مجلساً رئاسياً من ثلاثة أشخاص. المجتمعون، لو كانو مئة، هم الذين ينتخبون الحكومة، وليس بالضرورة أن تكون منهم.. يمكن للحاضر الذي يمثّل جهةً ما، أن ينتخب أحداَ من غير الحاضرين. بعد ان تجري الانتخابات تُعلَن الأسماء على أنها مختارة للحكومة الجديدة وتُطرح للتصويت على أبناء المحافظة، عبر إحدى وسائل الانترنت، بحيث لايتمكّن أحد من الإدلاء سوى بصوت واحد… بعدئذٍ تُعلَن الحكومة رسميّاً بحسب نتائج التصويت، وبعد أن توضع السِيَر الذاتية لكل شخص منتخَب لكي يتعرّف إليه من لايعرفه من الناخبين. فور إعلان الحكومة تنضوي جميع المجالس والهيئات والتشكيلات تحت لوائها وتباشر الحكومة أعمالها بحيث تغدو الممثل الوحيد المؤقت في الداخل والخارج. متى نصل إلى مرحلة يهتف الثوّار فيها: هذه الحكومة تمثّلني؟.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية