دمشق – «القدس العربي»: بعد سنوات من التضييق وكيل التهم عبر المحاكم الاقتصادية، للمتداولين بها، بدأ الشارع السوري ومع الأيام الأولى لإسقاط نظام بشار الأسد الشهر الماضي، يشهد انتشارا غير مسبوق لشركات صرافة، متنقلة إما على شاكلة بسطات أو سيارات أو مواطنين ينادون على الطرقات، من دون مساءلة من أي جهة كانت.
مهنة مستحدثة
وقد تطورت ظاهرة الصرافين سريعا، كواحدة من أهم المهن المستحدثة، حتى باتت بعض الطرق والساحات العامة، متخصصة بصرف العملات، مثل ساحتي «السبع بحرات» أمام المصرف المركزي، والمرجة في قلب العاصمة، وامتداد شارع النصر أمام قصر العدل وصولا إلى سوق الحميدية التاريخي، بعد أن ظل الدمشقيون، ومعظم السوريين، لسنوات طويلة، يتحايلون للنطق باسم الدولار، ويخترعون كلمات بديلة حتى خلال محادثاتهم الهاتفية، من قبيل «الكوسا» و»الشو اسمه» و»الأخضر» وغيرها من الألقاب التي كانت كل بيئة تخترعها عند الاستفسار عن سعر صرف الدولار في السوق السوداء.
كانوا يتحايلون للنطق باسمه ويخترعون كلمات بديلة مثل «الكوسا» و«الأخضر»
وقد بات من المألوف أن تشاهد بقالية لبيع الخضار والفواكه قد علقت لافتة تقول: «يوجد لدينا صرافة»، أما حوالتك المقبلة من قريب لك في ألمانيا أو أي دولة أوربية أخرى، فقد تستلمها من صيدلية، أو من شاب في قارعة الطريق، وبذات عملة الحوالة، بدلا من أن تستلمها من شركة حوالات مرخصة بدمشق تشعر أنها تسرقك لفارق سعر الصرف، وأيضا بدلا من أن تستلمها عبر حسابك البنكي، لأن «المركزي» السوري مازال يمنع ذلك، رغم تعليق الإدارة الأمريكية مثل هذا النوع من العقوبات.
المركزي لا يشتري
مصادر من «المركزي» كشفت لـ»القدس العربي» أن المصرف «توقف عن شراء الدولار بعدما فتح ذلك لفترة قصيرة»، من دون أن توضح المصادر، أسباب هذا التوقف، مشيرة إلى أن «بيع القطع الأجنبي وشراءه أصبح عبر شركات الصرافة المرخصة».
وقالت «إن المركزي أوقف أيضا قبول أو تجديد الودائع بالقطع الأجنبي للمصارف، كما أوقف إصدار نشرة معدلات الفائدة على الودائع بالعملات الأجنبية».
وحسب النشرات الرسمية الصادرة عن «المركزي»، والتي تم توحيدها بين «النشرة الرسمية» و»نشرة المصارف والصرافات» و»دولار الحوالات» منذ فترة، فإن سعر صرف الليرة أمام الدولار الأمريكي هو 13 ألفا، ويشهد استقرارا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، لكن الغريب أنه أعلى من سعر الصرف في السوق السوداء الذي بلغ أمس نحو 11500 ليرة، بعد أن جرت العادة أن يكون السعر في السوق السوداء أعلى من أسعار «المركزي».
وعلى الرغم من إصدار «المركزي» نشراته الخاصة بالحوالات وصرف العملات الأجنبية، فإن شركات الحوالات والصرافة الخاصة، لا تلتزم بنشرات «المركزي» وتصرف الدولار بفارق كبير، كما تسلم الحوالات بالليرة السورية بذات الأسلوب، ووصل الفرق أحيانا إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة، في ظل غياب واضح للرقابة.
آلية ضبط
وتحدث حاكم مصرف سورية المركزي السابق دريد درغام في تصريح لـ»القدس العربي»، عن حصول نمو لحجم الحوالات اليومية المتدفقة إلى البلاد لتصل إلى ضعف ما كانت عليه وبما يصل إلى 10 ملايين دولار حاليا.
مصادر «المركزي» قالت لـ»القدس العربي»،: «يتم العمل الآن على وضع آلية لضبط عمليات التصريف وعدم ترك الأمر كما هو عليه، ولا رقابة اليوم باعتبار أن القانون الذي يحظر الصيرفة من دون ترخيص، مجمّد، وننتظر التعليمات الجديدة في هذا الخصوص»، موضحة أن «عقوبة من يمتهن الصيرفة من دون ترخيص تصل إلى خمس سنوات حسب القانون الذي تم وضعه في عهد النظام المخلوع».
حوالات في الظل
ولطالما ظلت الحوالات الشخصية من ملايين السوريين إلى أقاربهم داخل البلاد، أحد أبرز مصادر الدخل الأجنبي للنظام السابق، لكن إدارة هذا الملف ظلت ضمن بيئة الفساد المتغلغلة. فقد كان يتعمد النظام أن يجعل أسعار صرف السوق السوداء أعلى بفارق كبير عن سعر شركات الحوالات المرخصة والمحدد من قبل «المركزي»، ما كان يدفع إلى الهروب من هذه الشركات المرخصة والبحث عن قنوات أخرى عبر سوق موازية للتحويل من شركات مرخصة في الدول المصدرة للحوالات، تتعامل مع مندوبين لها داخل البلاد يعملون (شكلا) بعيدا عن عيون السلطات والأجهزة الأمنية، لتسليم المبالغ الواردة لأصحابها في الشوارع بعد التواصل معهم عبر برنامج «واتس آب» من أرقام دولية، الأمر الذي كان يخسّر خزينة الدولة ملايين الدولارات، لكنها في الواقع كانت تذهب لصالح تجار الأزمة من الفاسدين وتكون سبيلا لعمليات غسيل أموالهم.
في تعليقه على ما يدور في سوق الصرافة في سوريا اليوم، قال د درغام: «اعتقد أن الدولة ليست سعيدة في فوضى التصريف، وأن يصل الأمر إلى مزاولة هذه المهنة من على البسطات»، متوقعا بأن «تتخذ الحكومة العديد من الإجراءات لضبط الأمر في الفترة المقبلة».
ووصف البسطات بـ»الأمر المخيف»، معيدا ذلك إلى «وجود اقتصاد الظل غير المعلن، وفي الظروف الراهنة لا يمكن معرفة أطراف عملية التصريف»، محذرا من «استغلال هذه الظروف وانتشار الدولار المزور لغياب أدوات كشف التزوير وغياب الرقابة، وبالتالي لا يمكن معرفة مصدر هذه الأوراق النقدية».
درغام الذي شغل منصب حاكم المركزي بين عامي 2016- 2018، اعتبر أن «الفرق الهائل بين سعر الصرف الرسمي للدولار أمام الليرة وبين تصريفه في شركات الصرافة وعلى البسطات، أمر غير صحي، وخصوصا أن «المركزي» لا يشتري الدولار من المواطنين منذ شهر، من دون أن يبين أسباب توقفه عن الشراء ما دفع المواطنين إلى شركات الصرافة والبسطات لتصريف الدولار». ورأى درغام أن «المركزي» حاليا لا يستطيع التحرك حتى يعلم ماهية الاقتصاد السوري في الفترة المقبلة، بمعنى هل سيكون اقتصادا محررا أم ممنهجا أو يعتمد على المساعدات في الفترة الحالية، ولكن لابد وأن يكون هناك احترام لمهنة الصرافة وألا يتم بيع الليرة على الأرصفة كما يحدث حاليا».
وتحدث درغام عن «وجود جمود في الاقتصاد السوري، وبالتالي لا يمكن الحديث عن واقع الليرة السورية ولا يمكن التنبؤ بمستقبلها، حتى تبدأ عجلة الاقتصاد بالتحريك»، مشيرا إلى أنه «في ظل حبس السيولة وعدم استطاعة المستوردين من الحصول على أموالهم المودعة على المنصة الخاصة بالاستيراد، وكذلك عدم قدرة الكثير من الموظفين بالحصول على رواتبهم، فإنه يمكن أن نشهد طلبا على الليرة السورية ما يرفع من قيمتها، ولكن هل يعتبر هذا حالة طبيعية أم لا»؟ّ
ولفت إلى أنه «عندما تطغى حركة الصرافة على حركة المصارف، فإن ذلك دليل على عدم العافية، بمعنى أن هناك حوالات تأتي من الخارج ولكن لا توجد شبكة صرافة طبيعية لاستقبالها».
تنظيم التصريف
وشدد مدير عام المصرف العقاري السابق مدين علي، على ضرورة أن يكون هناك تنظيم لعملية تصريف العملة، موضحا أن «التصريف يخضع لعملية العرض والطلب وهذا موضوع يحتاج إلى تنظيم».
وفي تصريح لـ»القدس العربي» أشار إلى أن «مصرف سورية المركزي قادر على ضبط عملية التصريف في الفترة المقبلة، ويجب أن يكون هناك ضبط للسوق باعتبار أن الفارق بين سعري المركزي وشركات الصرافة إنما يدل على وجود خلل معين».
وجالت «القدس العربي» على مجموعة من شركات الصرافة والحوالات، وعند الاستفسار عن السبب وراء الفارق بين تسعيرة «المركزي» وتسعيرة الشركات الخاصة، قال أحد أصحاب الشركات: «إن المركزي يصدر أسعاره يوميا، لكنه في المقابل يمتنع عن بيع الدولار لشركات الصرافة، وبالتالي فإننا غير ملزمين بنشرته».
صاحب شركة أخرى بين أن «تسعير الدولار في شركات الصرافة يتم وفق المتعارف فيما بينها، ولا ضوابط للموضوع»، مشيرا إلى أن هناك بعض الشركات تسلم الحوالات الآتية من الخارج لأصحابها بالدولار وهناك شركات أخرى ترفض ذلك وتصر على تسليم قيمتها بالليرة السورية، وبأقل من السعر الرسمي بما يتراوح بين 1500 و 2000 ليرة.