سورية الشعب في مفاوضات السرّ: التغييب أو مطحنة الشائعات
صبحي حديديسورية الشعب في مفاوضات السرّ: التغييب أو مطحنة الشائعاتكُتب الكثير، وربما أكثر ممّا ينبغي، في وصف انتخابات مجلس الشعب في سورية، المقرّرة يوم 22 نيسان (ابريل) الجاري، ولن تضيف هذه المقالة أيّ جديد أو مزيد علي كبري حقائق هذه الدورة السابعة: انها مهزلة انتخابية، مكشوفة منكشفة، وفاضحة مفضوحة، ومحض لعبة أخري في السيرك الإقتراعي (الرئاسي، البرلماني، البلدي، (النقابي…) الذي أطلقته الحركة التصحيحية منذ العام 1971، حين انتُخب حافظ الأسد رئيساً للجمهورية. ويكفي، للتذكير بفضائل هذا المجلس أن يسترجع المرء مشهد أعضائه وهم يتقافزون، مطبّلين مزمّرين متنافسين متدافعين بالأيدي والمناكب والأقدام، علي الهواء مباشرة، في الردح ضدّ عبد الحليم خدّام بعد ساعات من وصلته الدرامية علي قناة العربية ، أواخر العام 2005.لكنّ في البلد، مع ذلك، حكاية أخري جديرة بأن يسيل مداد وافر في اقتفاء خفاياها وتوصيف ما يمكن اقتناصه من تفاصيلها الملموسة، أو حتي تلك الافتراضية التي تتمتّع بمقدار كاف من ترجيح الملموس. نقصد زيارة رجل الأعمال الأمريكي السوري الأصل إبراهيم سليمان إلي القدس المحتلة، وإلقاء كلمة امام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي، حول مفاوضات غير رسمية أجراها مع ألون ليئيل المدير العام السابق لوزارة الدفاع الإسرائيلية بمساعدة الوسيط السويسري نيكول لانج، تردّد أنها جرت بعلم بشار الأسد وأرييل شارون (ثمّ إيهود أولمرت، لاحقاً)، وانبثقت عنها وثيقة تقترح صيغة للسلام بين سورية وإسرائيل. ولا يبدّل من أهمية الواقعة أنّ وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا، نقلت عن مصدر مسؤول تصريحاً يؤكد أن ما يدلي به سليمان من تصريحات وما يعبّر عنه من آراء لا يعكس وجهة نظر سورية ؛ غير نافٍ أنّ الرجل زار البلد مؤخراً، إذْ أنّ من الطبيعي أن يقوم أو سواه من المغتربين من أصل سوري بزيارة وطنه الأم ؛ جازماً أنه كغيره ممن يعرضون قيامهم بدور في عملية السلام، سمعوا موقف سورية الذي يؤكد رفض إجراء محادثات في الظلام أو عبر أقنية غير رسمية .وبالطبع، لا أحد يقول إنّ سليمان ـ المقرّب من الأسد ووزير خارجيته وليد المعلم، كما تجمع تقارير صحافية عديدة ـ هو الممثّل الشخصي أو الرسمي للرئاسة السورية، إذْ أنّ في هذا الزعم (الأخرق) ذاته ما يشبه النسف المسبق لأيّ طراز من المهامّ غير الرسمية التي يمكن للرجل القيام بها هاهنا بالضبط: محادثات في الظلام، أو عبر أقنية غير رسمية! غير أنّ الحيثيات ، لكي لا نقول البراهين، التي تتدفق من خطاب الرجل لا تُسقط عنه تهمة الكذب وادعاء الدور وتمثيل الذات وحدها فحسب، بل تسبغ عليه مصداقية عالية مدهشة، سيما حين يؤكد التالي… بين معطيات أخري:ـ أن الأسد بحاجة الي شريك إسرائيلي للسلام مع إسرائيل، وأنّ تحقيق ذلك السلام سوف يحوّل سورية إلي صفّ الحرب ضد الإرهاب العالمي ، ويقطع علاقة دمشق بـ حزب الله ، ويسهم في وقف ما أسماه الأعمال الإرهابية ضدّ الجيش الأمريكي في العراق، وأنّ في الإمكان إنجاز ذلك السلام خلال ستة أشهر؛ـ المفاوضات (التي شارك فيها) انتهت، ولم يبق سوي نقاط ثانوية يمكن معالجتها خلال لقائين أو ثلاثة ، ولهذا فإنّ عملنا انتهي، وعلي المسؤولين الإسرائيليين والسوريين الآن أن يحلوا خلافاتهم ، ولقد زودناهم بخارطة للسلام، ويمكن حلّ كل الخلافات بين الدولتين من خلال محادثات هادئة ؛ـ الأسد لا يمكنه أن يرغب بمفرده في السلام. إنه يريد السلام والاعتراف بكونه رجل السلام، وأنا أصدّق ما يقول. لكن الأسد وحده لا يستطيع صنع السلام، إنه يحتاج الي شريك في إسرائيل. وسورية جاهزة الآن للتحدث عن السلام. أتحدي الحكومة الإسرائيلية أن تردّ علي نداء السلام الذي أطلقه الأسد، وأن تتفاوض مع السوريين ؛ـ ولكي يبرهن، أيضاً وأيضاً، أنه عالم ببواطن الأمور وخفايا القرارات، أعلن سليمان أنّ الأسد أفشل محاولة (داخلية، كما نفهم!) لجرّه إلي حرب ضدّ إسرائيل أثناء عدوانها علي لبنان الصيف الماضي، وأنه عيّن جنرالاً مقرّباً منه كي يتولي ملفّ المفاوضات مع الدولة العبرية (كأنه، عملياً، لا يثق بالوزير المعلّم ولا بالنائب فاروق الشرع)، وأنّ سليمان علي صلة دائمة بهذا الجنرال، حلقة الوصل كما يسمّيه؛ـ وأخيراً، كان متوقعاً أن ينحو سليمان باللائمة علي الصحافة الإسرائيلية التي سرّبت أخبار هذه المفاوضات غير المباشرة، وتسبّبت في إغضاب القيادة السورية التي منعت سليمان (نعم: منعته… كما يقرّ هو بنفسه!) من المشاركة في مؤتمر هرتسيليا السابع، الذي عُقد أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي تحت عنوان ميزان المناعة والأمن القومي لإسرائيل ، بمشاركة طائفة واسعة من النخب السياسية والأمنية والاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية والثقافية والاعلامية الإسرائيلية…هل يعقل أنّ هذا الرجل ينطق عن هوي، ليس إلا؟أو أنّ الوحي الذي يُوحي إليه يأتي من مستوي وليد المعلّم وحده، أو حتي من ذلك الجنرال صلة الوصل ، وليس من قصر الرئاسة مباشرة؟ وما الذي يخجل هؤلاء، المعلّم أو الجنرال أو رئيسهما، في مفاوضات تجري تحت جنح الظلام وقد تنتهي إلي نتائج ليست أدعي للخجل من مفاوضات/ رسائل حملتها أو اقترحتها شخصيات مثل رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي نانسي بيلوسي، أو عضو الكونغرس توم لانتوس، أو اللورد ليفي مبعوث رئيس الوزراء البريطاني توني بلير؟ أم أنّ ما وراء الأكمة يدلّ، ببساطة، علي أنّ التعنّت الإسرائيلي الذي أفضي إلي الفشل الذريع ـ وليس البتة أيّ طراز من الخجل أو العفّة ـ هو السبب في تنصّل المصدر الرسمي السوري، ثمّ وزير الإعلام محسن بلال شخصياً، من تصريحات سليمان؟ المرء، مع حفظ الكثير من الفوارق الفكرية والسياقات السياسية، لا يفلح في مقاومة إغراء استعادة مثال غير بعيد العهد علي سيناريوهات شبيهة، صانعة لمناخات عجائبية مثيلة، أطلقها ـ متطوّعاً تماماً هذه المرّة، ومن غير تكليف علي الأرجح ـ المفكّر السوري الدكتور صادق جلال العظم. ففي مقالة مسهبة بعنوان المشهد من دمشق ، نشرتها المجلة الأمريكية المعروفة New York Review of Books صيف العام 2000 وكُتبت قبيل وفاة الأسد الأب وتوريث الأسد الابن، ساجل العظم علي النحو التالي منذ السطور الأولي في مقالته: هل سورية، بوصفها سورية وليس مجرّد حكومة أو نظام، جاهزة للسلام مع إسرائيل في الوقت الحاضر ؟ الجواب، يتابع الدكتور العظم، ينبغي أن يكون: نعم، حَذِرة ومعللة .وبصرف النظر عن اختلاف المرء أو اتفاقه مع هذا الإستنتاج، الحَذِر ولكن شبه القاطع، فإنّ من حقّ المرء ذاته أن يتعجّل الذهاب إلي الأسباب التي تدفع العظم إلي إعلان قناعة كبري كهذه، تخصّ سورية بوصفها سورية ، أي المجتمع والبشر، ولا تخصّ فقط السياسات التي تنتهجها سورية بوصفها مجرد حكومة أو نظام كما يقول. وبالطبع، من واجب المرء إياه، وهذا حقّ الدكتور العظم في عبارة أخري، أن يترقّب من صاحب نقد الفكر الديني و النقد الذاتي بعد الهزيمة و الإستشراق والإستشراق معكوساً و ذهنية التحريم ، أنّ يسوق حجّة رصينة تنهض علي سلسلة براهين ملموسة تؤيّد ما يذهب إليه من جاهزية المجتمع السوري للسلام مع الدولة العبرية. والحال أنّه يبدأ أوّلاً من سورية الحكومة والنظام، وليس من سورية المجتمع والشعب! وهو يقول في الفقرة الثانية مباشرة: خذوا، أوّلاً، بحر التغيير في التصريحات السورية الرسمية عن إسرائيل والصراع العربي ـ الإسرائيلي عموماً ، ثمّ ينتقل إلي الكلمات الطيبة غير المسبوقة التي قالها الرئيس السوري في وصف رئيس وزراء الدولة العبرية إيهود باراك. وبالفعل: بحر من التغيير والمتغيرات. لكنّ المشكلة أنّ أوّلاً هذه لم تكن تخصّ المجتمع والشعب لأنها إنما تخصّ النظام وحده، وفي الهرم الأعلي منه أيضاً.وأمّا حين ينتقل إلي المجتمع السوري، فإنّ العظم يعطي أهمية فائقة لتطوّر جديد في نظره، هو اندلاع سجالات حادة حول إسرائيل والعملية السلمية، وذلك منذ مؤتمر مدريد ، انطوت علي مناقشة مستقبل علاقاتنا مع الجار، فضلاً عن المخاوف، والهواجس، وخيبات الأمل، والإخفاقات، والآمال المتوقعة من صفقة آتية، شئنا أم أبينا، مع العدو القديم .ولكن متي جرت كلّ هذه السجالات في المجتمع السوري؟ كيف؟ ومَن تولّي إدارتها؟ هنا جواب الدكتور العظم، وهنا مصدر المزيد من الدهشة: هذه النقاشات الحادة ليست سجالات مفتوحة علنية، تُبثّ عبر الاذاعة أو التلفزة أو تنقلها الصحف والمجلات والمنشورات الخ… بل هي تبادلات مشحونة تماماً، شاملة، ومعمّمة. أدوات تَنَاقُلها الرئيسية هي الطرائق العريقة في البثّ الشفهي، من خلال محادثات البشر الذين يتهامسون وهم يلصقون الأذن بالأذن. هذه مطحنة شائعات دمشق، وهي صحافة الشعب الحرّة في الآن ذاته . مطحنة شائعات؟ نعم، وأكثر! يتابع الدكتور العظم هكذا: عبر هذه الشبكات المشخصَنة، ولكنّ الفعالة تماماً والناشطة أبداً بصفة غير رسمية؛ وعبر اللقاءات التي تتمّ وجهاً لوجه، يُخلق رأي عامّ غير رسمي، ويتبلور حول مختلف القضايا، ومظاهر الخلل، ومشكلات الساعة . والحقّ أنّ أستاذ الفلسفة، والمثقف النقدي المنشقّ الذي أجاد وصف الشخصية الفهلوية التي كانت بين أسباب هزيمة العرب في حرب 1967، يدرك جيداً أنّ مطحنة الشائعات هذه لا تحتلّ مرتبة الرأي العام الممثل لأمّة ما إلا في نظام استبدادي قمعي محض. يدرك، لكنه لا يقول. ويدرك، لكنه يتغافل. بل إنه يلجأ إلي استغفال قارئه الغربيّ ودغدغة الأنثروبولوجيا الإستشراقية حين يجزم بأنّ مطحنة الشائعات تلك هي السبب في أنّ الدمشقيين يصرفون الكثير من الوقت في زيارة بعضهم البعض … من أجل تكوين الرأي العام!وإذا صحّ أنّ العظم تمكّن من رصد مطحنة الشائعات هذه في ما يتناقله الدمشقيون من آراء، فهل أهل دمشق هم اختصار المجتمع السوري من الجنوب إلي الشمال، ومن الشرق إلي الغرب؟ وإذا كان قد التقط بعض همسات الدمشقيين، فهل التقط مثلها من أبناء حمص أو حلب أو اللاذقية أو القامشلي؟ ومن جانب آخر، كيف يستقيم أننا، وعلي امتداد المقالة الواقعة في ثماني صفحات من قطع التابلويد، لا نقرأ إشارة واحدة إلي وجود (أو حتي غياب!) الرابطة بين السلام وتعطّش المواطن السوري إلي الحرية، وبين السلام ورغبة المواطن في تجريد الحكم من ذريعة كونه دولة مواجهة يحقّ لها ما لا يحقّ لسواها، وبين السلام والسياسة الداخلية، والسلام والنظام؟تلك أسئلة غابت عن محاججة مفكّر سوري مرموق مقرّب من المعارضة، وتعرّض للتنكيل بسبب مؤلفات علمانية؛ تماماً كما غابت عن تصريحات رجل أعمال سوري مقرّب من أهل الحكم، فاضت دموعه حزناً بعد زيارة متحف الهولوكوست في إسرائيل. الأخير نسي أنّ السلام السوري ـ الإسرائيلي لا يخصّ نظام الأسد وحده، فتجاهل الشعب تماماً؛ والأوّل اعتبر أنّ مطحنة الشائعات هي وحدها صانعة الرأي العامّ في ما يخصّ السلام، فكاد أن يضع الشعب في خرج النظام!هذا، في المناسبة، هو الشعب ذاته الذي يزمعون تزوير إرادته في المهزلة الانتخابية، بعد يومين!9