لندن – ‘القدس العربي’ تعود القصة لبداية العام الحالي ولكنها تعبر عن وضع المقاتلين المعارضين لنظام بشار الأسد، وبحثهم عن المصادر لتمويل قتالهم في ظل تردد المجتمع الدولي لدعمهم. فلم يمت القيادي العسكري رياض الأحمد في مواجهات مع الجيش السوري مثل بقية رفاقه في الجيش الحر بل نتيجة لخلافات على المال والأسلحة.
ويعبر مقتل القيادي عن وضع شحت فيه الموارد مما أدى إلى مناوشات بين الفصائل المقاتلة حول الحصول عليها. ويشير تقرير لصحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ على أن المنافسة بين المقاتلين على الذخيرة زادت حدتها في الآونة الأخيرة في المناطق القريبة من الحدود مع تركيا التي تمثل المعبر الرئيسي للسلاح والدعم اللوجيستي للمقاتلين.
الفدية لشراء السلاح
ويقول التقرير إن بعض الجماعات تلجأ الى الإختطاف كي تحصل على المال الكافي لتأمين شراء السلاح، كما يقول المقاتلون. وكان الأحمد واحدا من الذين اختطفوا للحصول على الفدية في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث طالب الخاطفون مبلغ 300 ألف يورو أي ما يقارب (400 ألف دولار أمريكي)، وبعد مرور ثلاثة أشهر على الطلب قتل أحمد لان المبلغ لم يدفع، وبعد أسابيع من البحث عنه عثر المقاتلون على جثته ملقاة قرب جبل الأكراد الذي يبعد 50 ميلاً عن الحدود مع تركيا.
وكان الأحمد هو أحد اهم القادة البارزين الذين تم اختطافهم منذ بداية الحرب لكن هناك عددا آخر من القادة الميدانيين الصغار الذين اختطفوا ولا يعرف الكثير عن أيامهم الأخيرة في الخطف.
ونقل التقرير عن المتحدث باسم الجيش الحر جميل الصعب قوله ‘أتذكر خلال تلك الفترة تحذيرات الجميع، لقد تم اختطاف رياض، كن حذراً، قد تتعرض أنت للاختطاف، ولقد سمعت عن الكثير من حالات الإختطاف، ولا نعرف الكثير عنها لعدم وجود أشرطة فيديو مثل رياض’.
ملجأ آمن
ويشير التقرير إلى الكيفية التي تحولت فيها المناطق الجنوبية من تركيا الى ملجأ ليس للهاربين من الحرب ولكن لقيادات المعارضة العسكرية التي اتخذت من هذه المناطق خاصة منطقة هاتاي قاعدة لتزويد لشراء الأسلحة ونقلها للمقاتلين في الداخل.
وكان أحمد قبل اختطافه قائداً لواحد من الفصائل المهمة والأكثر تنظيماً في الجيش الحر وعرفت باسم جنود السلام.
وقد انشأ الفصيل له قاعدة في تركيا عام 2011 ومن خلالها قام بشراء كميات كبيرة من الأسلحة وأدخلها لسورية.
وترى الصحيفة أن السبب وراء قلة السلاح يعود إلى تردد الإدارة الأمريكية بتسليح المعارضة ورفض إدارة باراك أوباما الإنضمام للسعودية وقطر لإرسال الأسلحة للمقاتلين السوريين، ذلك أن واشنطن زعمت قلة معرفتها بجماعات المعارضة ولا تريد والحالة هذه وقوع الأسلحة بأيدي الجماعات الجهادية.
وقد حدث نحو من التحول على الموقف الأمريكي عندما قررت إرسال دعم عسكري محدود للجيش الحر ولهيئة الأركان التي يقودها اللواء سليم إدريس، ولكن الأسلحة لا ترقى لطموحات المقاتلين الراغبين بالحصول على أسلحة ثقيلة وصواريخ مضادة للطائرات والدبابات، فضلاً على تأخر وصولها لاسباب لوجيستية وأمنية.
ويقول قادة المعارضة أن ما يصل إليهم من السلاح قليل سواء من أمريكا او الدول الداعمة لهم، حيث يتم إعتراض شحنات الأسلحة في الطريق وتباع مرة أخرى مما يمنع وصولها للقادة الميدانيين المنضوين تحت لواء المجلس العسكري الأعلى للثورة في سورية.
ويقول أبو أحمد الذي كان قبل انشقاقه عن الجيش ضابطاً في الجيش السوري، إنه لا توجد حكومة بعينها تدعم تسليح الجيش الحر بشكل كامل، ولهذا يعمل الآن من الريحانية في جنوب تركيا على جمع الأسلحة والمواد التي يحتاجها المقاتلون ونقلها للفرق العاملة مع اللواء إدريس.
ويقوم بشراء الأسلحة من تجار سلاح بعينهم. فيما تعتمد فرقة عسكرية إسمها ‘كتيبة البكر’ على حداد سابق وابنه لصناعة الأسلحة من مثل القنابل اليدوية والذخيرة الحية الصغيرة الحجم. ويقول المقاتلون أن ما يصل إليهم من السلاح أو الدعم المالي الخارجي قليل جداً، معهم محسوبون على اللواء إدريس.
ويقول سوري اسمه طارق ويعيش في سان دييغو، كاليفورنيا إن الكثير من الكتائب الصغيرة والعاملة تحت راية الجيش الحر لم تر الأسلحة التي وعدتها بها القوى الأجنبية.
ولهذا السبب يقوم طارق بمحاولات للضغط على الحكومة الأمريكية كي ترسل مزيداً من المال والمصادر لسورية، ويقوم بالسفر بشكل منتظم لأنطاكية في تركيا وسورية لهذا الغرض.
ويقول طارق ان الفرق المقاتلة ذات العدد القليل تقوم بالإعتماد على أموال رجال الأعمال والأثرياء السوريين وغيرهم، حيث تشتري بها المال وتقوم بتهريبها عبر تركيا ولبنان.
وتعتمد كل كتيبة على ممثل لها يقيم في المناطق التركية حيث يقوم بشراء الأسلحة التي تنقل عبر أشخاص معروفين عبر المعبرين الحدودين اللذين يسيطر عليهما المقاتلون.
وهناك مصدر آخر للحصول على السلاح وهو الجنود الذين ينشقون عن النظام. والمشكلة التي يعاني منها المقاتلون هي أن الأسلحة التي تشترى في تركيا لا تصل إليهم مباشرة حيث يقوم المهربون ببيعها في الطريق لجماعات مقاتلة أخرى لزيادة أجرهم او لزيادة أموال الكتيبة.
وفي بعض الأحيان يتم شحن السلاح للكتيبة الخطأ وهذا يعود لسوء التنسيق والإتصالات، ولا يوجد ما يضمن عدم سرقة الأسلحة او إعادة بيعها لجماعات أخرى منافسة. ويقول أعضاء في المعارضة إنه كلما ازداد حجم التنافس على المال والتأثير والأسلحة بين المقاتلين كلما زاد الخطر على العاملين في تركيا.
التحقيق
وتشير إلى حادثة اختطاف الأحمد الذي تعاونت على التحقيق في سبب اختطافه عدة فصائل من بينها جبهة النصرة التي تعتمد على تمويل خاص ومستقل عن بقية الجماعات المقاتلة.
وتوصلت اللجنة التي شكلت للتحقيق في اختطافه إلى أن جماعة منافسة لفصيله هي المسؤولة حسب صديقه عبدالرحمن والذي كان عضواً في اللجنة. وقد وصل الفصيل له من خلال واحد من معارفه حيث تم التغرير به وجره إلى اجتماع، وساعد في العملية مقاتل اتهم سابقا كان عميلا للحكومة قبل بداية الإنتفاضة. وكان الأحمد قد اختفى في 29 كانون الثاني (يناير) الماضي حيث كان يعرف خاطفوه أنه غني ولديه معرفة بمكان الأسلحة، ولم يعرف مكان اختطافه حتى شباط (فبراير) حيث طلب من شقيقه دفع الفدية ، إلا ان شريط الفيديو الذي يظهر جثته ظهر بعد ذلك بأيام.
وعلى الرغم من اعتقال شخصين واتهامهما بقتله إلا أنهما هربا ربما بمساعدة من أشخاص داخل اللجنة التي أوكل لها مهمة التحقيق.
ومهما كانت المخاطر التي تواجه ممثلي الفصائل في تركيا فهذا البلد يظل بالنسبة لهم المفتاح لتحقيق ما يريدونه وهو التخلص من نظام الأسد. مع أن تركيا بدأت عدداً من الخطوات لمراقبة حدودها ومنع تدفق الجهاديين إلى سورية.
مقتل الصالح
ويأتي الحديث عن اختطاف الأحمد في ظل التطور الجديد وهو مقتل القائد الميداني لكتيبة التوحيد عبدالقادر الصالح الذي كان وراء تنظيم واحدة من أفعل الكتائب المقاتلة في شمال سورية، وقد أعلن عن وفاته متأثرا بجراحه التي اصيب بها جراء هجوم للقوات الحكومية يوم الخميس.
وينظر لوفاة الصالح على أنها ضربة للمعارضة المسلحة في وقت تتزايد فيه نشاطات الحكومة في منطقة الشمال، ووسط خلافات بين المعارضة نفسها.
وكان الصالح ويعرف بـ ‘حاجي مارع’ قد نقل الى بلدة غازي عينتاب في تركيا حيث توفي هناك.
وأدى الإعلان وفاته الى حالة من الصدمة بين أتباعه حيث تبادلوا الرسائل والتعازي عبر وسائل التواصل الإجتماعي واليوتيوب. ونقلت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن أحد قادة الكتيبة قوله أن الصالح توفي يوم الخميس بعد اصابته في الصدر لكن تم التعتيم على وفاته حتى يتم دفنه يوم الأحد في بلدة ‘مارع’ في شمال حلب، فيما قال آخرون ان التعتيم جاء للحفاظ على معنويات المقاتلين.
وكان الصالح يعمل تاجراً قبل الإنتفاضة ومجنداً في الجيش السوري، وقام بتنظيم جنوده من المناطق الريفية وبدعم قطري.
وقال ناشطون أن محمد حمادين (38 عاما) سيخلفه في موقعه القيادي، وهذا هو ضابط سابق في الجيش السوري من حلب. وقد تعاونت كتيبة التوحيد مع جبهة النصرة حيث اعتبرت معها كأكبر فصيلين مقاتلين في شمال سورية، لكن الصالح رفض الجهاديين الأجانب.
الإقتتال
وترى ‘نيويورك تايمز’ ان الإقتتال الداخلي كان سببا وراء التقدم الذي حققته القوات الحكومية في شرق حلب.
ويقول المقاتلون ان هذا التقدم لم يكن ليحصل لولا دعم الميليشيات الإيرانية ومقاتلي حزب الله للجيش النظام. ونقل تلفزيون ‘اورينت’ عن الصالح قوله ‘لن نسمح لإيران او حزب الله التقدم إلا على أجسادنا’.
ويقول مقاتلو الجيش الحر إن الصالح المتزوج وله خمسة أولاد خدم قبل الإنتفاضة في وحدة السلاح الكيماوي في الجيش السوري.
ومثل بقية المقاتلين شارك الصالح في الاحتجاجات السلمية في بلدته قبل حمل السلاح. وقد تمتع الصالح بشعبية واسعة بين جنوده لكن أهالي حلب تحفظوا بعض الشيء على دخول المقاتلين مدينتهم لخوفهم من رد الفعل المفرط للحكومة السورية. وفي الوقت الذي كان يدعو الصالح لإقامة نظام إسلامي إلا أنه أكد ‘أنه لن يفرض بالقوة’ وجاءت وفاته بعد عدة محاولات قام بها النظام لاغتياله ورصد 200 الف دولار لمن يقتله او يلقي القبض عليه.
وبالتأكيد ستترك وفاة الصالح أثراً على الساحة القتالية فقد كتب آرون لوند المحلل السويدي المستقل لشؤون الشرق الأوسط ‘في الوقت الذي يتقدم فيه الجيش السوري في حلب فوفاة الصالح ما هي إلا اخبار سيئة للمعارضة’ لكن القائد السابق للمجلس العسكري في حلب، عبدالجبار العكيدي يخالف هذا الرأي ويقول حسبما نقلت عنه صحيفة ‘واشنطن بوست’ ويرى فيه حافزاً على الوحدة والرد على النظام بقوة.