سورية: الهرب الي الامام لن يجدي النظام

حجم الخط
0

سورية: الهرب الي الامام لن يجدي النظام

محمد الحسناويسورية: الهرب الي الامام لن يجدي النظام من الآليات النفسية المعروفة للمأزوم أو المصاب بعقدة ما… لجوءه إلي الهرب، لكن ليس هرب الأصحاء المعلوم، بل هرب الذي طاش صوابه وضيع الاتجاهات، فيكون هذا الهرب طامة أخري فوق طامته التي هو فيها.منذ انقلاب الثامن من آذار (مارس) 1963م وفرض قانون الطوارئ والأحكام العرفية ومحكمة أمن الدولة والمحاكم الاستثنائية حتي يومنا هذا، وربما إلي مدي غير منظور (أسد أسد إلي الأبد) والحكومات المتعاقبة، لا سيما حكومات آل الأسد تعيش وتستمر بفضل (فوبيا الأمن) والخوف من الشعب السوري وقواه الوطنية والمجتمع المدني، فلذلك لا تنفك عن القبضة الأمنية الشاملة القاتلة وقانون الطوارئ، أضيف إلي ذلك في السنوات الأخيرة (نكهة) أو (جرعة) إسلامية لم تبلغ بعد مبلغ (الحملة الإيمانية الوطنية) التي سنها رئيس العراق الشقيق أبو عديّ، وكانت في تقديري (حملة جدية) تبدأ من الصف الحزبي ومن قمته إلي بقية المواطنين، من خلال دراسة الفقه الإسلامي والسيرة النبوية، وممارسة الشعائر الإسلامية في صفوف الحزب وقطعات الجيش، مروراً بالحركة المسجدية المفتوحة نسبياً، وبتعديل المناهج المدرسية، وزيادة حصص التربية الإسلامية وإجراء دورات كفاءة لمدرسي التربية الإسلامية، والتخلص من بعض المنكرات، كمنع بيع الخمر أو منع تداوله علناً، أو في المناطق السياحية من فنادق ومقاه واحتفالات رسمية.وقد يكون الإجراء العراقي في حينه أحد المفردات الاستراتيجية لتحضير الشعب لمرحلة (المقاومة) فيما لو حصل غزو أجنبي أمريكي، وقد حصل الغزو، وظهرت المقاومة الشعبية الإسلامية، ولعل الغزاة قد ندموا علي ما اقترفت أيديهم.أما (البعث) السوري الحاكم بل (القائد للدولة والمجتمع)، وهو الآخر نظام علماني، لكن بنزعة طائفية أو (مورط) للطائفة (ليستفيد هو وهي لا تستفيد إلا الشبهة)، فاستراتيجيته الجديدة للتزيي بالزي الإسلامي، فهي أصلاً منطلقة من عداوته للإسلام وللحركة الإسلامية بالذات، يعني أنه يزيل التهمة التي تتلبسه أي العداوة للإسلام أولاً، ومحاربة الإخوان المسلمين بسلاحهم ثانياً، ومحاولة شق صفوف الإسلاميين داخل سورية رابعاً، وخارج سورية ولا سيما محاولة استقطاب حركات الإخوان المسلمين من أجل عزل إخوان سورية خامساً، وأخيراً وليس آخراً ركوب الموجة السائدة حالياً، وإلي مدي غير منظور أي الصحوة الإسلامية.. سادساً وسابعاً وثامناً…مما يؤكد هذه الاستراتيجية القائمة علي (فوبيا الإسلام)، لا علي الحب النزيه للإسلام، هو إصرار النظام علي القطيعة مع جماعة الإخوان المسلمين برغم نبذهم للعنف، وعودتهم إلي استراتيجيتهم في السياسات السلمية المدنية التي عرفوا بها منذ تأسيس تنظيمهم السوري، وما تتبناه المنظمات الإخوانية الشقيقة في المنطقة العربية والإسلامية.ومن مظاهر هذه القطيعة استمرار قانون (49) الصادر عام 1980م القاضي بإعدام كل منتسب إلي جماعة الإخوان المسلمين، ورفض كل وساطات الحركات الإسلامية لحل الإشكال أو إصدار عفو عام عن كل المعتقلين السياسيين والكف عن انتهاكات حقوق الإنسان السوري الصارخة طوال أربعين عاماً في الأقل. وحتي جوازات السفر التي منحت للمهجرين قسرياً لكل الطيف السوري المغترب، بما فيهم الإخوان المسلمون، قيدت بمدة سنتين اثنتين تنتهي بعدها صلاحيتها، والحل إما بمــــوت المغترب أو المهجر، أو بموت الذي سنّ هذه المدة، بدلاً من ســـــت سنوات، كما هي العادة والعرف والإنصاف. فهـــل هذه السياسة الكيدية من الإسلام أو العروبة في شيء؟ أو حتي حق المواطنة، الذي هو كالدم والجلــــد للمواطن، أو كالماء والهواء للإنسان في القرن الواحد والعشرين..إذن ما هي قصة (أسلمة النظام السوري)؟ وهل يمانع الإخوان من أسلمة النظام؟بلغنا أن أحد مفكري النظام يجتمع دورياً مع نخبة من قادة الأجهزة الأمنية (القمعية) السورية للتداول في قضايا الساعة، ورسم سياسات أمنية أو إلغاء أخري، كان آخر طرح له التطلع إلي ما بعد سقوط النظام، واتخاذ ما يلزم، لأن النظام ساقط لا محالة. لا يهمنا القول إن السامعين لهذا الطرح قد اضطربوا، واستنكروا مثل هذه الأفكار غير السارة، لكن في حدود علمنا أنهم لم يقرروا تعبئة الشعب إسلامياً، كما فعل العراق الشقيق قبل العدوان عليه بسنوات كافية لتؤتي تلك السياسة أُكلها، ويبدو أنه ليس من الوارد أن يخطر علي بالهم هذا الإجراء مجرد خطور، وهم الذين يقفون عثرة ـ أكثر من غيرهم ـ في طريق الإصلاح الداخلي والمصالحة الوطنية، ولا في كل ما يتعلق بقضية الإخوان المسلمين، ولعل أمريكا أقرب إليهم من المواطن السوري، لماذا، لأنهم مصوا دمه، ولا يريدون له أن يخرج رقبته من تحت سكينهم (الحريرية)..والخضوع للقوي الأجنبي خير وأيسر من الخضوع للضعيف الوطني (وكل فرنجي برنجي).أحد القرارات التي اتخذها القادة الأمنيون أو تواصوا بها ـ كما تسرب لنا ـ هو العمل علي (شق) المعارضة السورية بين داخل وخارج أولاً، وشق الإسلاميين داخل سورية ثانياً، وشق الإخوان المسلمين السوريين ثالثاُ، وشق الحركات الإسلامية والإخوانية بالذات عن جماعة الإخوان السوريين رابعاً، ولكن كيف يكون الشق لكل هذه التنظيمات التي يجمعها الإسلام أو التشابه في المنطلقات والأهداف وبالدقة (المآلات) في الحدّ الأدني، وأصحاب القرار هم ما هم من علمانية وطائفية وذعر رهابي؟الجواب هو (خلط الأوراق)، بمعني أن يكف الحزب الحاكم، وبالتالي السلطة عن محاربة الإسلام علنياً، وتنشيط (الإسلام الذي يتجنب السياسة) أو ما يسمي بالإسلام الأمريكي بحسب تعبير المرحوم سيد قطب، أي إسلام بلا أنياب، وأخيراً استدراج الحركات الإسلامية لا سيما الإخوانية منها خارج سورية للتحالف ضد أمريكا وإسرائيل!هل كانت هذه الاستراتيجية المغامرة واضحة في ذهن النظام منذ بدء المواجهة مع الإخوان المخطط لها في القيادة القومية وانقلاب الثامن من آذار (مارس)، أم ولدت نواة داخلية، ثم أخذت تنمو مع الزمن، لأن الحزب الحاكم علماني، ولأن الإسلاميين حتي الثمانين يسقطون من حسابهم كل العلمانيين لا سيما الأنظمة الحزبية منها. لكن الحاجة أولاً، وعامل الزمن ثانياً، وتراكم الخبرات (القمعية) ثالثاً، وغير ذلك من الأسباب أنضجت هذه الاستراتيجية الجهنمية، فاستوت علي ساقها كاملة متكاملة، واتخذت منظمة (حماس) رأس الحربة في هذه الاستراتيجية ومدخلاً ومفتاحاً إلي الأبواب المغلقة.وهكذا كانت (العصا) الغليظة لإخوان سورية، و(الجزرة) الطرية لأشقائهم من الإسلاميين. والمنطق أن تسوي الأوضاع السورية بلا (عصا) ولا (جزرة) لمن يحب الله والرسول ونصرة الإسلام، أو تحرير فلسطين، أو حتي تحرير الجولان في الأقل. وهكذا فطن الشيخ قاضي حسين أمير الجماعة الإسلامية في باكستان لما دعي إلي زيارة سورية فقال للدبلوماسي السوري: (من عادتنا قبل دعوة ضيف لزيارة بيتنا أن نرتب هذا البيت، وحين تنتهون من ترتيب بيتكم وتصلحون حالكم مع مسلمي سورية نقبل زيارتكم). وقد بدأ النظام السوري يستقبل أجوبة الانقطاع عنه من المنظمات الإسلامية بعد نكوثه بكل الوعود التي قطعها علي نفسه لحل الإشكالات السورية، ومنها موضوع الإخوان السوريين، كان آخرها مقاطعة (حزب الإصلاح) اليمني (مؤتمر الأحزاب العربية) الذي انعقد مؤخراً في دمشق. ولذلك ولأسباب أخري أظهر الإخوان السوريون إلي السطح أعظم قرار تاريخي حضاري اتخذه (البعث) الحاكم أو المحكوم تجاه الإخوان والإسلام هو قانون (49) الصادر والمستمر مفعوله منذ 1980، القاضي بإعدام كل منتسب إلي الإخوان المسلمين مجرد انتساب، تحقيقاً لحرية الرأي والمعتقد وإلي الأبد.من المعلوم أن النظام والحزب الحاكم ارتكبا تجاوزات فاقعة ضد الإسلام غير محاربة الإخوان السوريين، مثل تمزيق المصاحف الشريفة علناً، والدوس عليها، واختراق حرمة المساجد، واعتقال العلماء، وحتي قتلهم بغير محاكمات، والتضييق علي كلية الشريعة، وتسريح عدد من أساتذتها، وفرض السفور أو نزع الحجاب في مدارس البنات، ووصل الأمر إلي نزول سرايا الدفاع والطالبات الشبيبيات في دمشق لممارسة خلع الحجاب بالقوة عن السيدات الشريفات المصونات، وفي الدفاع عن النفس سقط عدد من الشهداء، اهتز لذلك القطر السوري من أقصاه إلي أدناه، حتي اضطر الرئيس الأب للاعتذار بنفسه عما جري!! بل صرح في إحدي مقابلاته (إنه لو عاد القهقري وعاش الحرب الأمريكية علي الإسلام لصار أصولياً).بعد هذه الحرب الضارية تجاه الإسلام عقيدةً وشعائرَ وممارساتٍ ورموزاً وتنظيمات، لم تميز بين الإخوان والصوفيين والسلفيين وحتي جماعة التبليغ، ولا جدران المساجد الثمانين التي هدمت في مأساة حملة 1980، ولا أربع كنائس في حماة أيضاً…اضطر النظام ليبقي إلي حصر دائرة المعركة مع الإخوان وحدهم، وبدأ باستراتيجية جديدة ظن أنها تفلح معه، وهي استراتيجية (خلط الأوراق) التي أشرنا إليها. لكن خلط الأوراق غير مزجها. من مفردات هذه الاستراتيجية الجديدة السماح للمبادرات الشعبية الإسلامية غير المسيسة مثل افتتاح مدارس تحفيظ القرآن، وقد سميت بـ(مدارس الأسد لتحفيظ القرآن)، وبفتح معاهد شرعية للذكور والإناث، وكليات جامعية شرعية، والتعاطي مع إقبال الشارع السوري علي العلم الشرعي والحجاب وإطلاق اللحي والدروس المسجدية المتكاثرة بروح السكوت، المشفوع برقابة دائمة، وإعطاء تراخيص مدروسة، وفض كل ما يخشي من خروجه علي الخط المرسوم. ومع ذلك حصلت احتكاكات لا بدّ منها، كما حصل في أحد مساجد حمص حين ضاق رواد المسجد بعنصر المخابرات المكلف بشيخ المسجد وتلاميذه، حتي اتفق المؤذن وبعض الرواد علي التخلص منه نهائياً، وتم لهم ذلك، وما يزال المتهمون في أعماق السجن.آخر انعطاف في استراتيجية السلطة والحزب من الإسلام ما أضيف إلي التقرير السياسي للمؤتمر القطري للحزب الحاكم عام 2000م من نقطتين إحداهما: (إن الإسلام عقيدة وتراث وجزء من حياتنا السياسية)، وظن بعض الإسلاميين أن الإشكالات بين النظام والإسلام كالإخوان سوف تنحل، وإذا الذي تبين بعد ست سنوات من إقرار هذه الفقرة أننا جميعاً ما زلنا في المربع الأول، الذي سبق للقيادة القومية عام 1965م أن وضعت جماعة الإخوان المسلمين تحت خطة الاستئصال مثل استئصال كل الأحزاب المعارضة والهيئات المدنية وأشد. وقد استشهد الرئيس الأب بهذه المقررات في خطابه للمؤتمر القومي الثالث عشر عام 1983م قائلاً ص31: (لقد كان بتقدير المؤتمر القومي الثامن في وقت مبكر من عام 1965م أن الموقف إزاء الإخوان المسلمين والحركات الدينية الأخري، كحركة التحرير، لا يمكن أن يقتصر علي الأسلوب الذي يتبع مع الحركات التقليدية..) ويوضح مراده بقوله ص 32:(فالخطة السياسية إزاء الإخوان المسلمين وأمثالهم، لا يمكن أن تكون إلا خطة استئصالية، أي خطة لا تكفي لفضحهم ومحاربتهم سياسياً، فهذا النوع لا يؤثر كثيراً في فعاليتهم، وربما يزيدهم قوة، بسبب العطف الذي يمكن أن يخلقه، بل يجب أن تطبق بحقهم سياسة هجومية…) وبالفعل شهد القطر بعد هذا المؤتمر الأخير تشددات جديدة في شؤون الأمن، والمواقف من الحراك السياسي، وحقوق الإنسان، نقطف ثمارها العلقمية الكارثية بشكل متصاعد كل يوم، فهل هذا من الإسلام في شيء (حبّ إيه اللي انت جاي تقول عليه)؟من تطبيقات هذه الاستراتيجية الاستدراجية الإيحاء للدكتور سعيد رمضان البوطي عميد كلية الشريعة بما يخدعه كالقول له حين يؤخرونه عن مقابلة الرئيس في القصر الجمهوري: (إن الرئيس كان يصلي)، وأن يتصل باسل الأسد ليلاً بالشيخ سعيد ليسأله في أمور فقهية كأمور الزكاة، أو أن يرسلوا بشكل دوري (شيوخاً) (برآء) لزيارة المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر أو إلي (الخوجة) أربكان في تركيا، لتزكية النظام السوري، والزعم بانتهاء مشكلة الإخوان السوريين، وبالصحوة الإسلامية المترامية في القطر السوري. وفي الوقت نفسه ما زال الإخوان مشردين في المنافي أو في زوايا السجون منذ الثمانينات تحت الصفائح الصم ورمال البادية السورية، فضلاً عن مواطنيهم المضطهدين من بقية الطيف السوري المعارض.في تقديرنا إن كل هذه التطبيبات المسكنة لمرض مزمن لن تجدي النظام، لأن الإسلام لا يخشي علي مستقبله في سورية وفي العالم، ومن الشهادات تقارير لمراسل جريدة النهار علي أثر نجاح (حماس) في فلسطين ونواب الإخوة المصريين في الانتخابات: (لا بد لسورية أن تتأثر بعد نجاح حماس وإخوان مصر) وتقريره : (تنامي التيار الديني في الشارع السوري.. إقبال علي المساجد والحجاب وتعلم القرآن ـ النهار ـ 31/5/2006 م)، ثم تقارير مراسل (الحياة): (سورية العلمانية تزداد إسلامية والسلطة الرسمية ترسم خــــطوطاً حمراء للعلاقة مع الإخوان 18/6/2005 م) و(الاحتفالات بتأسيس البعث تختلط بذكري ميلاد الرسول ودعوات إلي تجاوز الصدام بين المشروعين القومي والإسلامي 12/4/2006 م) و(دمشق تسمح للقبيسيات بنشاط علني) جاء فيه: (لكن الشيخة منيرة القبيسي استطاعت من خلال المزج بين الأمرين من توسيع نشاطاتها في المحافظات السورية قبل أن تعبر حدود البلاد في مرحلة أولي والعالم العربي في مرحـــــلة ثانية، إلي أن بلغ عدد أتباعها أكثر من (75) ألف فتاة، كحدّ أدني، وفق ما أجمعت عليه تقديرات متابعـين وشيوخ) (الحياة 3/5/2006م).والدليل علي ذلك اضطرار النظام لمهادنة الإسلام، أو محاولة ركوب موجته، ولأن الحركات الإسلامية كشفت وعوده المزعومة بالإصلاح ودعاواه بالأسلمة، ولأن المواطن السوري المقموع المسحوق أصدق شاهد عدل، ولأن حبل الكذب قصير، ولأن الدعاوي غير الحقائق، ولأن الممارسات السابقة في قمع المواطنين والإخوان المسلمين أثمرت هوة كارثية، لا يمكن الخروج منها بالتمثيل، ولأن محاربة الإسلام في العمق ومهادنته في السطح كانت أحد أسباب الصحوة الإسلامية المباركة والحراك السياسي الشعبي، ولأن الانغماس في لعبة (الأسلمة) الظاهرية لا بد واصلة ومتحولة بالمآل إلي الأسلمة الجوهرية في الجماهير، وفي النهاية لن يجد النظام نفسه إلا معزولاً، فإما أن يعقل مع شعبه العاقل أو أن يدخل مستشفي المجانين انسجاماً مع مسرحية توفيق الحكيم (نهر الجنون)، ومع سنن التاريخ والاجتماع. وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.كاتب سوري عضو رابطة أدباء الشام8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية