وقف جدي أبو ابراهيم وجها لوجه امام الجنرال الفرنسي غورو (عندما أفرج عنه وكان محتجزا في الميدان لانه كان يقاتل مع الثوار)، وخبط بيده على مكتبه قائلا: ‘ يا ريت ما دخلت فرنسا ولا شفناها، أنا سوري ودمي بس لسورية. لم يخف من ان يعيده سجانه الى السجن، او ان يقطع لسانه في تلك اللحظة، لانه كان ينطق بالحق الذي ينبع من داخله والذي يسري في عروقه. سورية لابنائها البررة لا لاحد غيرهم.اي منا كان قبل اكثر من ثلاثين عاما يستطيع ان يصرخ بملء فيه سورية يا حبيبتي وليس سورية الا… ومنذ متى كانت سورية حقا مشروعا لحاكم او لعائلة يستبيحون خيراتها ويتقاسمون مواردها وكلنا صم بكم لا يفقهون.علمونا ونحن في الصفوف الاعدادية ان الاشتراكية هي ملح الارض وان لهذا الملح اسم علينا ان نبوح به صارخين بالروح بالدم نفديك يا حا… .اجبرونا ان ننطلق بمظاهرات نؤيد فيها حق الفلسطيني في العودة الى دياره، لا ان نؤيد حق السوري بحياة حرة كريمة يتنسم فيها حقه المشروع بابداء الرأي فللحيطان آذان. وكم من ثائر ذهب الى غير رجعة.اذكر في احدى المرات وانا ادخل دمشق عن طريق المصنع اوقفنا احد الحواجز العسكرية وسأل ما معنا؟ اجبته معي هاتان التفاحتان الحمراوتان طلبتهما مني ابنتي الصغيرة. خطف الكيس من يدي وقال: ‘ليش نحنا ما عنا تفاح’. التصق لساني في حلقي ولم استطع الرد وأنا اشاهد عن يساري احدى السيارات تقطع الطريق العسكري محملة بكل شيء (ولا مين شاف ولا مين دري)! كنت اريد ان اصرخ في وجهه بأي حق تأخذ مني تفاحتين وهناك سيارة محملة ثمرا تمر بهدوء وكأنك اعمى. ضغط زوجي على يدي كي لا اتكلم وقال: لا تنسي اطفالك. سكت والغيظ يحرق داخلي. ماذا سيقول عني جدي وهو لم يأبه بالمستعمر وصرخ بوجهه وأنا ماذا جبانة جبانة.هذه هي العروبة التي علمونا اياها: (بلاد العرب اوطاني من الشام لبغدان).العروبة ماتت منذ زمن طويل. ماتت مع جدي ابو ابراهيم ورفاقه. يحلو لي دائما ان اقرأ كل ما يقع بين يدي، ولكني لا اعرف ماذا يحدث لي هذه الايام. اقفز بين السطور علني ألمح خبرا يهدىء روعي ويوقف الدموع في عيني. اقرأ واقرأ والغليان يشتد في اعماقي. هل صحيح ما يحدث؟دمشق عروستي الحلوة تنزف دما. تصرخ مآذنها وصلبانها. تستغيث حاراتها وأبوابها. يئن بردى العظيم وقد اختلطت مياهه بدماء ابنائه. ويهدد قاسيون الشامخ وقد ثقلت عيناه من مشاهد المار. اجيبوني بالله عليكم هل شاهدتم أمّاً تنحر اولادها؟ او أبا يسفك دماء اطفاله؟ او أخا يضرب اخاه حتى الموت؟ هل من المعقول ان يحدث هذا في دمشقي الغالية. لا استطيع ان اصدق ما اسمع وما اقرأ.الجميع دخلوا عليك يا حبيبتي الحلوة كل يغتصبك كما يحلو له وأنت تأنين ولا من يستجيب. أين حاراتك المسنة وقد اختلطت فيها رائحة الياسمين والفل برائحة البارود والموت؟ أين جوامعك وقد سكتت مآذنها عن التكبير؟ وكنائسك وقد صمتت اجراسها عن الطنين؟ حولوك بؤرة عفنة تتكدس فيها اشلاء الموتى، ولا احد يعرف هوية الآخر.هذا يقاتل عن حق درسه منذ اكثر من ثلاثين عاما حق سموه الاشتراكية والديمقراطية وهي بعيدة عنهم بُعد المريح عن الارض. والآخر يقاتل لان الحكم ظالم والحاكم اظلم. وهو يريد تحرير الوطن، لذلك يصوب بندقيته الى صدر اخيه ويجلب الموت والخراب لبلده الحبيبة، وهو في نفس الوقت يتصارع على السلطة التي حلم ويحلمون بها قبل ان تصبح بين ايديهم.وهناك من يقاتل وهو لا يعرف لمصلحة من ولماذا هذه الحرب البشعة.كل ما يعرفه انهم اعموا عيناه بحفنة لا بأس بها من الذهب وهو لا يعرف ان هذا الذهب مجبول بعرق اخوته العرب هناك الذين لا يرون منه الا القليل لانه كله يصب في خزائن ملوكهم وامرائهم. وهكذا اختلط الحابل بالنابل. الموت يحصد العشرات كل يوم، وكل فئة تشرب من دماء الاخرى حتى الثمالة.أليس من عاقل حكيم في بلدي يستطيع ان يصرخ عاليا: كفى كفى اوقفوا آلات الموت والدمار لنجتمع معا يدا واحدة وننقذ ما تبقى من بلدنا الجريح علها تهدأ دماء شبابنا وتهمد نفوسهم المتأججة ليعلموا يقينا ان ارواحهم لم تذهب هدرا، فكل نقطة من دمائهم ستغيث ياسمينا وفلا، لتعود سورية الحبيبة كما كانت عاصمة العلم والرخاء، عاصمة العروبة الحقة.سمراء الدمشقي