لا شك أن سورية بحاجة ماسة جدا إلى التغيير، التغيير باتجاه إنقاذها من كافة الأزمات التي أنتجها احتكار السلطة من قبل أنظمة العسكر والأجهزة الأمنية والآن العائلة، فالاحتكار والعسكر وأجهزة الأمن والعائلة لم تقدم لسورية ما يؤسس لدولة المؤسسات الفاعلة، التي تضمن لمواطنيها الأمن والامان المادي والمعنوي الحضاري، بل (وكما في كل زمان ومكان يكون الاحتكار فيه سيد الحال) أن ذلك يقود إلى غياب الدولة وشلل المؤسسات، الأمر الذي تعاني منه سورية والسوريون اليوم.
فالواقع والحقائق في سورية يؤكدان، وبشكل يومي منذ عقود، أن شلل المؤسسات وتغييب السلطات الرقابية، وخصوصا الإعلام، لم يكن كنتيجة لأخطاء وقعت هنا أو هناك، بل كنتيجة لسياسة ممنهجة اتبعها الرئيس الراحل حافظ الأسد وأقلية من المقربين جدا إليه، أراد بها تحويل سورية بكل من وما فيها إلى ملكية خاصة تلبي حاجاته وتخدم مصالح شركائه محليا ودوليا.
السياسة المذكورة ألحقت بسورية أضرارا مادية وحضارية، عمودية وافقية، أدت إلى ظهور أزمات أصبح من الصعب تجاوزها بإجراء ‘ترقيعات’ هنا أو هناك، كما يفعل الرئيس الشاب، بل أن عمق الازمات وشموليتها تظهر أن التغيير أضحى المخرج الوحيد منها.
التغيير أصبح إذاً المخرج الوحيد الذي ‘ينتشل’ سورية من أزماتها، ولكن في هذه الحال لابد من السؤال عن قوى التغيير وحوامله الذاتية والموضوعية، فالتغيير إلى الأفضل يتطلب توافر أدواته وآلياته، فهل أنتج السوريون ذلك، بحيث يحققون ماتطمح إليه الملايين السورية بمختلف إنتماءاتها القومية والمذهبية والطائفية والمناطقية، وأيضا بمختلف شرائحها ومشاربها الفكرية؟ إنني بكل صراحة أجد أن الظرف الاساس لم ينتج بعد، وما حصل ويحصل منذ يوم الخميس، الثالث من شباط يؤكد أن على الساحة يوجد أجندة متعددة ومختلفة، قومية وطائفية وحزبية، تذكر بمقولة (التسابق إلى سلخ الدب قبل اصطياده)، إذ وجدنا التيار الإسلامي الديمقراطي المستقل (أحد أطراف إعلان دمشق) يدعو، بمعزل عن إعلان دمشق، إلى الخروج إلى الشارع يوم الخامس من شباط لإعلان ما أسماه يوم الغضب السوري، وبعد ذلك الإعلان وجدنا جماعة الإخوان يعلنون عن ثورة سورية في يوم الرابع من الشهر ذاته، وفي الأثناء ذاتها سمعنا أن السيدة سهير الأتاسي نزلت مع مجموعة من الناصريين في مظاهرة أمام السفارة المصرية ومن ثم إلى ساحة باب توما! وفي شمال شرقي سورية ظهرت أصوات تقول ان الثورة السورية انطلقت من إحدى قرى ‘قامشلو’، اما بعض المعارضين من حماة فبدأوا بسن أقلامهم معلنين أن يوم الثأر قد حان!
التغيير ضروري نعم، ولكن إلى أين؟ وبمن؟ فهو إن لم يكن من أجل حياة أفضل لكل السوريين لن يكتب له النجاح، وهذا للأسف ما نراه ونشهده منذ الثالث من هذا الشهر. سورية ليست ملكا لطرف واحد، وشعب سورية أوعى من أن يجر إلى معارك هذا وذاك، ولن يكون وقودا لثورة لا تحافظ على الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والتراب، فهو ذاق الأمرين.
إننا نعيش في عالم ما بعد ثورة الياسمين، وأعتقد ان الجميع قد رأى وسمع والدة شهيد حرية تونس وعموم المشرق عندما ذهبت إلى مرقد ابنها الأخير لتقول: يا محمد يا وليدي أنت فتحت الأبواب.. نعم هي قالت الحقيقة، فالبوعزيزي فتح أبواب تحرر شعوب المشرق من أنظمة الطغيان والاستبداد، بما في ذلك أبواب تحرر شعب سورية، وبرغم الاختلاف الكبير بين سورية وكل من تونس ومصر وحتى اليمن والأردن، فان هذا الشعب لن يفرط بما هو ثمين جدا لديه، وأعني وحدته الوطنية ووحدة اراضيه، فسورية هي أصغر من أن تجزأ وفي الوقت نفسه هي أكبر من أن تبتلع أو تؤسر من قبل هذا أو ذاك.
التغيير قادم وليت الرئيس الشاب يعود إلى عالم الواقع والحقيقة ويتحرر من أباطرة الفساد والاستبداد الذين دمروا سورية، وسيكونون السبب في تدميره هو أيضا، إنني أعتقد أن الحقد والثأر ليسا من طباع الغالبية في بلد الحضارة والرقي، إنني أجد أن موعد تحرر الرئيس وبالتالي الشعب أصبح في المنال.
مروان حمود