سورية: دولة أمرك سيدي !
حكم الباباسورية: دولة أمرك سيدي !لا يمر علي سورية يوم إلا ويسمع السوريون بخط أحمر جديد عليهم ألاّ يتجاوزوه، حتي ليخيّل للسوري من كثرة الخطوط الحمر التي عليه أن يتفاداها، أن الصين حصرت توزيع كل انتاجها من الأقلام الحمر بالسوق السورية، فأول شيء يفعله كل سوري حين يفتح عينيه في الصباح هو السؤال عن الخط الأحمر الجديد الذي تمت إضافته إلي الممنوعات السورية الكثيرة، وتخطئ كتب الجغرافيا في المدارس كثيراً حين تهمل إضافة الخطوط الحمراء إلي المنتجات التي تشتهر بها الجمهورية العربية السورية، فالزيادة الوحيدة في الانتاج السوري توجد في قطاعات الخطوط الحمر، ولو أضافت وزارة السياحة السورية إلي شعاراتها الترويجية لتنشيط السياحة كلمة الخطوط الحمراء لتصبح أهلاً بكم في سورية أرض الحضارات والخطوط الحمراء لتمكنت من مضاعفة عدد السياح في سورية، لأن أي سائح يبحث عادة عن العجائب والغرائب التي لا يراها في بلده، وإذا كان السوريون الحاليون قد اكتشفوا الرقم المسمارية وتماثيل أورنينا وزنوبيا وغيرها من اللقي التي أبدعتها حضارات أوغاريت وايبلا وماري وتدمر علي أرضهم، فلن تعثر الأجيال القادمة من السوريين إلاّ علي الخطوط الحمراء من آثار هذه المرحلة من تاريخ سورية.فعلي مدار العقود الأربعة الماضية صدرت قوائم بخطوط حمراء لو أعاد السوريون النظر فيها اليوم لما عثروا علي نكتة في العالم أكثر إثارة للضحك منها، ولاكتشفوا أنهم مجموعة من المغفلين لأنهم خافوا منها، وبذلوا جهدهم في ألاّ يتجاوزوها، ففي يوم من الأيام كان مجرد لفظ كلمة العراق (وهو بلد عربي شقيق لمن يجهل ذلك) في سورية العروبية، يدخل لافظها السجن، ولا تزال لدي بعض السوريين جوازات سفر مهرت بخاتم في الصفحة المخصصة للبلدان التي يحق لحامل الجواز دخولها يقول جميع دول العالم ماعدا العراق ، وفي مرحلة أخري كان مرور اسم الأردن أمام أي سوري يثير نفس ردة الفعل التي يثيرها ذكر الشيطان الرجيم في حضور مؤمن، وذكر اسم الأستاذ رياض الترك علناً يشبه من يرتدي قميصاً عليه الصليب النازي المعقوف في شارع اسرائيلي.وفي ثمانينات القرن الماضي كان السوري ـ من تلقاء نفسه ـ يتحاشي أن تمر كلمة الإخوان في حديثه، ويحرص علي استبدالها بالأشقاء أو الرفاق أو الشباب، خوفاً من أن يجتهد إبن حلال ويربطها بتنظيم الاخوان المسلمين، ويستبدل كلمة البيانو بالأورغ خشية من إبن أصل يربط كلمة البيانو بالأستاذ البيانوني زعيم الاخوان المسلمين، بعد أن أصبح مجرد ذكر اسم الاخوان المسلمين أو ما يمت إليهم بصلة في سورية يعني أن ذاكره قرر الانتحار!وإذا كانت هذه الخطوط الحمراء تبدو مثيرة للسخرية اليوم رغم أن آلاف السوريين نكل بهم وماتوا وسجنوا وعذبوا لمجرد الاشتباه بأنهم تجاوزوها، فإن ما يثير السخرية أكثر هو اختلاط الخطوط الحمراء وتبدلها بشكل يتجاوز أي منطق في الكون، فالسوري الذي عاش وتربي علي اعتبار اسرائيل عدوه اللدود، ولم يترك نعتاً من نعوت العدوان في كل القواميس إلاّ واستخدمه ضدها (باعتبار اللغة هي الساحة الوحيدة المتاحة أمامه لمواجهة اسرائيل)، فوجئ هذا السوري بالأستاذ فاروق الشرع وزير الخارجية السابق ونائب الرئيس الحالي وهو يصافح ايهود باراك علي شاشة التلفزيون بدعوي التفاوض، رغم أن القوانين السورية التي تحكم علي من يلتقي بأي اسرائيلي بالخيانة لا تزال سارية، ورغم أنه لا يزال ممنوعاً علي أي عربي أو غربي وجد علي جواز سفره ختم اسرائيلي دخول سورية!ثم هل علي السوري أن يضرب في المندل ليعرف ماإذا كان تعامله مع أي مسؤول في سورية سيعرضه في يوم من الأيام للسين والجيم، ففي زمن مضي كانت العلاقة بالسيد رفعت الأسد نائب رئيس الجمهورية السابق امتيازاً لصاحبها، يفاخر بها أمام أهله، وجيرانه يحسبون له ألف حساب بسببها، وفجأة تحولت إلي تهمة يحاول نفيها عنه بأية وسيلة، وكان التقرب من المرحوم محمود الزعبي رئيس مجلس الوزراء الأسبق طموحاً يؤمن صاحبه مستقبله ومستقبل أولاده من خلاله، وفجأة أيضاً صار الشاطر من السوريين هو من يزاود علي غيره في التبرؤ من المرحوم الزعبي، وحدث الأمر نفسه مع الأستاذ عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري السابق (مع اختلاف عن الحالتين السابقتين في أنه هو الذي استقال بينما الآخران أقيلا)، فقد كان كل الذين ظهروا علي شاشة التلفزيون في مجلس الشعب السوري ليردحوا له بعد انشقاقه، ينتظرون أياماً للحصول علي موعد لمقابلته، ولا يزال السوريون يحفظون في ذاكرتهم الفترة التي كان فيها الاقتراب من اللواء آصف شوكت مدير المخابرات العسكرية الحالي خطاً أحمر يمنع الاقتراب منه!حدث ذلك كله ولم يخرج أحد في سورية ليقول للسوريين لماذا تحول (السيد والرفيق الذي تملأ وظائفه وألقابه خمسة أسطر في ورقة فولسكاب وتنتهي بكلمة المحترم) خطاً أحمر، ولماذا يشعر كل مواطن في سورية بأنه مثل تلميذ مدرسة ابتدائية في حالة امتحان دائم وهو يري استاذه ممسكاً طوال الوقت بالقلم الأحمر، ولماذا علي السوري أن يعيش في دولة تريد تحويل كل من فيها إلي غراسين وحجّاب لايعرفون من اللغة إلاّ كلمتي أمرك سيدي!!9