يطرح السوريون، كما العرب، هذه الايام سؤالاً مقلقاً ومحرجاً: هل تردّ سورية على الضربة الإسرائيلية الموجعة التي استهدفت منشآت ومرافق وقواعد عسكرية في محيط العاصمة دمشق، ام تستوعبها ولا تردّ؟ من تقويم المعطيات الموضوعية وتقدير المزايا الإستراتيجية للقوى المتصارعة في المنطقة تستقيم الإجابة عن السؤال المطروح في إطار استخلاص الحقائق والاحتمالات الآتية :
اولاً، ثمة حقيقة بازغة، هي ان الحرب الدائرة في سورية وعليها ليست مجرد صراع على السلطة بين نظام ومعارضة، بل هو صراع محلي واقليمي ودولي متشابك على المواقع والموارد والمصالح ومناطق النفوذ، ادى الى نشوء محورين رئيسين، تقود احدهما الولايات المتحدة والآخر روسيا.
ثانياً، سبقت حراكات ما يسمى ‘الربيع العربي’ وواكبتها واعقبتها انتفاضات وازمات نجمت عنها صراعات وحروب وقضايا متفجرة في أقطار عربية عدّة، الامر الذي ظلّل قضية فلسطين وطغى على صفتها المركزية كقضية العرب الاولى. هذه الحقيقة البازغة صبّت في مصلحة ‘اسرائيل’ التي شنّت على قطاع غزة عملية ‘عمود السحاب’ الوحشية خريفَ العام 2012، ثم اردفتها بعمليات عسكرية موجعة ضد سورية، كانت اخيرتها في الاسبوع الماضي.
ثالثاً، شكّل صعود ايران وبرنامجها النووي عاملاً مساعداً لدول حلف ‘الناتو’ و’اسرائيل’ على تنزيل رتبة قضية فلسطين الى مرتبة ادنى، ورفع خطر ‘ايران النووية’ وتداعياته على دول المنطقة. في هذا السياق، حاولت ‘اسرائيل’ تقديم ‘خطر’ النظام السوري على خطر التنظيمات الإسلامية المتطرفة كتنظيم ‘القاعدة’ وغيره. كل ذلك بقصد استنزاف وتفكيك كلٍ من سورية والعراق ولبنان والاردن، وإحاطة نفسها بطوق من دويلات قميئة قائمة على اسس قبلية وطائفية واثنية عاجزة عن مواجهتها.
في ضوء هذ المعطيات ضربت ‘اسرائيل’ ضربتها الموجعة الاخيرة، ما طرح بقوة السؤال المقلق والمحرج: هل ترد سورية ام تعود الى تكرار موقفها التقليدي بأنها تحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين؟
ثمة ثلاثة اسباب تحمل المراقب المعني على الاعتقاد بأن سورية سوف تتريّث في الرد، وثلاثة اخرى تحمله على ترجيح الرد في وقت غير بعيد.
اول اسباب التريّث ان سورية منشغلة ومستغرََقَة في حربٍ مريرة، ما يفرض على قيادة النظام إعطاء الحرب اولوية مطلقة، ولاسيما لجهة استكمال السيطرة على المفاصل الإستراتيجية الرئيسة، وفي مقدمها المنطقة الوسطى ومحورها حمص التي تفصل بين جنوب سورية ومحوره دمشق، وشمال سورية ومحوره حلب، وبين وسط سورية وغربها وساحلها ومحوره اللاذقية. عنوان هذه المعركة الفاصلة القتالُ الدائر حول مدينة القصير وفيها.
ثاني اسباب التريث محاولةُ التأكد مما اتفقت او اختلفت بشأنه امريكا وروسيا في الاجتماع الاخير لوزيري خارجيتهما في موسكو. هل توافقتا على انتهاج مقاربة سلمية للأزمات الاقليمية تُنتج، عاجلاً او آجلاً، تسوية سياسية للأزمة السورية، ام انهما اختلفتا بشأن الازمة السورية وغيرها من الازمات الاقليمية؟ التوافق على مقاربة سلمية تفاوضية للأزمة السورية يرجّح استبعاد خيار الرد العسكري، خشيةَ تعطيل مسار المفاوضات. الاختلاف يُبعد بدوره الرد العسكري لمصلحة تعزيز إعطاء اولوية مطلقة لخطة استكمال السيطرة على المفاصل الإستراتيجية الرئيسة، وذلك لاستباق قيام امريكا بتزويد مجموعات المعارضة السورية باسلحة متطورة كالصواريخ المضادة للطائرات.
ثالث اسباب التريث تدارسُ الوضع السياسي والعسكري مع حليفي سورية الرئيسين، ايران وحزب الله، في ضوء ما يكون قد تقرر فعلاً لا قولاً في اجتماع موسكو الاخير من جهة، وانعكاساته من جهة اخرى على ‘اسرائيل’ ودول الخليج. ذلك ان سورية تريد التأكّد من ان حليفيها الرئيسين سيكونان فعلاً الى جانبها اذا ما تطوّر تبادل الهجمات بينها وبين ‘اسرائيل’ الى حرب شاملة.
ماذا عن اسباب ترجيح الردّ؟
اول اسباب الترجيح ان سورية كلها، مسؤولين ومواطنين، احسّت بأن الضربة الإسرائيلية طعنت كبرياءها الوطني في الصميم، وان السكوت عليها يُعرّض امنها القومي لخطرٍ شديد. الدعوة للثأر من ‘اسرائيل’ عمّت اوساط الشعب وتركت اثرها في القيادات، لدرجة ان وزير المصالحة الوطنية علي حيدر امتنع عن حضور مجلس الوزراء لعدم صدور قرار بالرد. اكثر من ذلك، ارتفعت اصوات بين المسؤولين والمواطنين تتساءل باستغراب: هل يعقل ان يقوم قطاع غزة الضعيف بالرد على ‘اسرائيل’ القوية بعشرات الصواريخ في كل مرة كان يتعرض فيها لاعتداء، في حين ان سورية القوية بعشرات الاف الصواريخ تحجم عن رد الصاع صاعين؟ كل هذه الواقعات والاعتبارات حملت وتحمل معظم المراقبين على الاعتقاد بان القيادة السوريـة تمهل ولا تهمل، وان الرد حتمي عاجلاً او آجلاً.
ثاني اسباب ترجيح الرد ان سورية قوية فعلاً بقدراتها الصاروخية المتقدمة. رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية اثناء حرب 2006 الجنرال عاموس يادلين قدّم تقريراً للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، بعد وقف العمليات الحربية قال فيه، إن الاربعة الاف صاروخ التي قصفنا بها حزب الله كانت كلها من صنع سورية. اذا كانت سورية زودت المقاومة بأكثر من اربعة الاف صاروخ وألحقت بـ’اسرائيل’ كل تلك الاضرار وتسبّبت باندحارها المخزي، فلا بد انها كانت تمتلك آنذاك عشرات الاف الصواريخ، وربما تمتلك منها الآن مئات الآلاف. واذا كانت سورية تمتلك مئات الاف الصواريخ، هل تعجز، مثلاً، عن قصف ‘غوش دان’، اي السهل الساحلي الممتد بين حيفا ويافا مسافة 90 كيلومتراً بعرض عشرة كيلومترات، حيث يتركّز ثلث الكيان الصهيوني بسكانه وعمرانه وصناعته ومرافقه الحيوية؟ ‘اسرائيل’ تدرك ان سورية قادرة على كل ما تقدم بيانه، لذلك تراها هذه الايام منهمكة بتدابير متنوعة لتبريد الاجواء مع سورية وتوسيط حتى روسيا لتفادي صدام وحريق اقليميين هائلين.
ثالث اسباب ترجيح الرد ان ‘اسرائيل’ خرقت بضربتها الاخيرة بشكل فظ ومخالف للقانون الدولي اتفاق فصل القوات في الجولان. اذا لم تردّ سورية، فإن ‘اسرائيل’ لن تتوانى عن معاودة عدوانها فحسب، بل قد تقوم بتوسيع رقعة احتلالها في الجولان وبإنشاء ‘منطقة عازلة’ بدعوى ‘توطين’ النازحين السوريين في سياق تسريع عملية تفكيك البلاد الى دويلات قبلية وطائفية واثنية. لعل ذلك ما دفع القيادة السورية الى الإعلان عن فتح جبهة الجولان للمقاومة الشعبية، السورية والفلسطينية، كما الإعلان عن تزويد حزب الله بأسلحة نوعية كاسرة للتوازن. ولا شك أن هذا القرار الإستراتيجي هو ما دفع السيد حسن نصرالله الى الإعلان، من جهته، عن اعتزام المقاومة اللبنانية المشاركة في المقاومة الشعبية ضد ‘اسرائيل في الجولان.
‘اسرائيل’ تدرك مفاعيل هذا الرد السوري الإستراتيجي، ولعلها تتمنى الآن ان تعتمد سورية ‘تقدير’ الجنرال يادلين بأن تكـــون الضربة السورية التكتيكية القادمة محسوبة ومحدودة، بحيث يكون الكيان الصهيوني قادراً على تحملّها واستيعابها، وبالتالي عدم الرد عليها! سورية ردّت استراتيجياً، وقد تردّ تكتيكياً. متى تردّ واين؟ ام لا تردّ، ولماذا؟ هذه هي المسألة.
‘ كاتب لبناني