سورية على الخريطة دولة بحدود وعلى الارض نظام يتداعى.. اقطاعيات طائفية.. مسلحون ومتطرفون وعصابات اجرام

حجم الخط
0

ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’: هذا هو العام الثالث على الانتفاضة السورية، عامان مضيا حصدت فيهما سورية الالم والدمار، وتحولت الى دولة شبه فاشلة ـ تملك حكومتها في دمشق ترسانة من الاسلحة الكيماوية، وتسيطر الفصائل المعارضة على مناطق واسعة من البلاد، تجد صعوبة في ادارتها بسبب استمرار القصف الجوي عليها، ونقص الدعم الدولي، والخلافات بينها.لم تنجح الدول الداعمة للانتفاضة السورية في التوصل الى صيغة واحدة لدعم السوريين، فقد سيطر موضوع تسليح المعارضة على النقاش طوال العام الماضي مذ ان دخلت الانتفاضة مرحلة العسكرة، وها هي فرنسا وبريطانيا تتحدثان عن تسليح المعارضة كضرورة لمنع الاسلاميين من التسيد في مرحلة ما بعد الاسد، وها هي سورية تصبح محط رحال الجهاديين من العالم خاصة من بريطانيا وفرنسا والمانيا.امريكا المترددةالدول التي ترفض دعم المقاومة السورية تعتذر بالقول ان المعارضة مفككة ولا تتبع قيادة واحدة واخرى، فامريكا تصر على الفيتو – وهو عدم التسليح – خوفا من وقوع الاسلحة التي سترسلها الى المقاتلين بيد الجهاديين الاسلاميين، خاصة جبهة النصرة التي وضعتها واشنطن العام الماضي على قائمة الجماعات الارهابية، وتعترف في الوقت نفسه بدورها الفاعل على الارض وقدرتها على جذب وكسب عقول المواطنين، وهذا واضح من تصريحات اريك هولدر وزير العدل الامريكي، ومسؤولين في الخزانة و’كورس’ طويل من الاصوات داخل الادارة. وحتى جون كيري وزير الخارجية الذي كان يدعو لدعم المعارضة بالسلاح ان اقتضى الامر اثناء عمله كسناتور اصبح الآن يتمسك بالحل الدبلوماسي ودعوة كل الاطراف للجلوس الى طاولة المفاوضات.ولم تعد تسمع اللازمة التي كررها اوباما ووزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون بضرورة خروج بشار الاسد من السلطة، وان ايام الديكتاتور السوري اصبحت معدودة. فلم تحظ سورية في خطاب اوباما الاخير الذي وجهه للامة الامريكية الا بفقرة او فقرتين. وكل الحديث والتسريبات والضغوط التي مورست على رئيس الائتلاف الوطني السوري للمشاركة في مؤتمر روما الشهر الماضي لم يؤد الا الى حزمة من المساعدات الانسانية للمعارضة مباشرة.فلم يقدم اوباما للمعارضة سيارات مصفحة ولا سلاحا فتاكا يعينها على التخلص من النظام. واشنطن التي خرجت من العراق وتحضر نفسها للخروج من افغانستان وشاركت في ليبيا في المقعد الخلفي لا تريد التورط في حرب جديدة في العالم العربي.قصة انتفاضة دمويةهذا على جانب السياسة الدولية، التي لم يعد يسمع فيها بعد صوت الجامعة العربية او المبعوث الاممي الاخضر الابراهيمي، فقط الرصاص والسلاح هو الذي سيحسم المعركة. على الرغم من كل هذا فالمشهد السوري اليوم هو غيره قبل عامين، خسر النظام الكثير من مناطقه، ولم تبق بيده الا المدن الكبيرة والتي تتعرض نفسها للحصار والضربات. دمشق التي ظلت الانتفاضة بعيدة عنها طوال الاشهر او قل العام الاول من الانتفاضة وصلت اليها الحرب واصبح صوت القصف جزءا من الحياة اليومية، ويعاني السكان كما يعاني بقية اهل سورية من نقص المواد الغذائية وانقطاع في التيار الكهربائي، حلب مقسمة الى قسمين شرقية وغربية، وقدرة الجيش السوري على الصمود تتناقص خاصة انه يعاني من مشكلة ايصال الوقود والدعم اللوجيستي لقواته. لا شيء بيد النظام آمن على ما يبدو لكنه لا يزال صامدا، على الرغم من معركة دمشق ‘الحاسمة’ اعلن الجيش الحر عنها اكثر من مرة، ولم يستطع الدخول اليها وظل يراوح في المناطق المحيطة في العاصمة. الكل يعرف سواء راقب اعلام النظام او المعارضة ان بشار الاسد ونظامه ليس في وضع قوي، لكن الاسد لم يكن في خطابه امام مجموعة من انصاره في دار الاوبرا بدمشق (شهر كانون الثاني- يناير) في مزاج من يريد التنازل ولا الاعتراف بالواقع او المعارضة. لا شك ان سورية اليوم هي غير سورية التي بدأ الاحتجاج فيها على استحياء. فلم يكن يعرف السوريون الذين دعوا للخروج والاحتجاج عبر الفيسبوك والانترنت للاحتجاج ان دعوتهم ليوم الكرامة ستقود الى مقتل 70 الف شخص وتشريد الملايين وتدمير للبلاد، وتقسيمها؟ كانوا يدعون للكرامة والحرية اسوة بما قام به اخوانهم العرب في مصر وتونس واليمن وليبيا. مطالبهم كانت للتحول الديمقراطي وتعديل الدستور الذي يجعل من حزب البعث ‘الحزب القائد في المجتمع والدولة’.هذه المطالب المدنية وغيرها ادت بالنظام الى ارتكاب سلسلة من الاخطاء واعتماد الحل الامني لقمعها، حيث اكد ان سورية ليست ليبيا ولا تونس او مصر ولا اليمن، كان خيار النظام هو ارسال قوات الامن للشارع لقمع التظاهرات، حيث بدأ القمع في درعا وبانياس وحمص وحماة، مع استمرار التظاهرات بدأ القتلى يسقطون، ثم تتالى سقوط القتل والقمع، واستمر التحدي وحمل الناس السلاح دفاعا عن انفسهم ضد امن النظام والشبيحة، كان صورة حمزة الخطيب الفتى الذي عذب حتى الموت وشوه صادمة في حينها ولكنها الان اصبحت جزءا من ارشيف العنف، فقد ذبح الامن ابراهيم القاشوش، مغني الانتفاضة في حماة ، ودمر جسر الشغور، بعد مقتل اكثر من مئة من جنوده، ثم جاءت حمص وبابا عمرو، والحولة والقبير، وبعدها توسعت الانتفاضة في ادلب وحلب والان يقف المقاتلون على مشارف دمشق. سورية من الجو شاهد العالم الازمة في سورية وتطورها من فعل سلمي الى حرب اهلية عبر عشرات الالاف من الصور وافلام الفيديو التي وضعت على الانترنت ومصدرها الرئيسي المعارضة، والتقارير التي قدمتها وسائل التلفزة العالمية قليلة خاصة ان النظام يحظر على الاعلام الغربي والمستقل الدخول والعمل في سورية.والسؤال الآن هو ماذا بقي من سورية؟ فعلى الخريطة هناك دولة لا تزال تتمتع باعتراف بعض الدول وممثلها في الامم المتحدة يحتفظ بمنصبه فيما حظيت المعارضة باعتراف دولي وهناك امكانية لان تشغل مقعد سورية في الجامعة العربية ان توصلت المعارضة نفسها لتسوية داخلية فيما بينها. لكن الخريطة والاسماء شيء والواقع شيء اخر، فعلى الارض هناك سورية مدمرةـ صور بعض مدنها تعيد للذهن درسدن في الحرب العالمية الثانية، وغروزني في اواسط التسعينات عندما سواها الجيش الروسي بالتراب.واكثر من هذا فقد حولت الحرب سورية كما اظهر تقرير لمجلة ‘تايم’ والتقط صورا فضائية لاماكن فيها الى ركام وحطام، والى امارات تديرها فصائل المعارضة المتنافسة وذات الايديولوجيات المختلفة. سورية اليوم هي نظام يتداعى، اقطاعيات طائفية، مسلحون بزي عسكري، متطرفون، عصابات اجرام. وعلى الرغم من صعوبة فهم الوضع لمن لم يزر سورية وللسوريين المحاصرين في مدنهم والساكنين المغاور والمخيمات الا ان شركة ‘ديجيتال غلوب’ وهي شركة تجارية للصور الفضائية، قامت بالتقاط صور عالية الجودة ووثقت الحرب في سورية، وقارنت الصور القادمة من هناك بما كانت عليه سورية قبل عقد من الزمان حيث الحياة عادية.وحس المقارنة صادم بين اليوم والامس، فالاحياء التي كانت تعج بالحياة والنشاط اصبحت جزءا من التاريخ وانقاضا سويت بالتراب. ومدن تاريخية مثل حمص وحلب اصبحت ارضا يبابا، فيما جرفت الدبابات بساتين الزيتون وفتحت فيها طرقا كي تمر منها لضرب المقاتلين. ولدى شركة ‘ديجيتال غلوب’ حسب المجلة صورة لخندق ممتد على امتار طويلة تقول انه مقبرة جماعية. ونشرت المجلة الدمار الذي تركه القصف المدفعي على بابا عمرو في المواجهة التي استمرت اسبوعين عام 2012 قبل ان يجبر الجيش المقاتلين على الانسحاب من الحي. وتقول المجلة ان الشركة لديها خمسة اقمار اصطناعية تدور حول الارض وتلتقط صورا فضائية عالية الجودة ولدى الاقمار القدرة على تسجيل ادق التفاصيل حتى الزجاج الامامي للسيارة.ونقلت عن ستيفن وود، نائب مدير الشركة قوله انهم في سورية كانوا قادرين على التقاط صور لحملات القمع التي قام بها نظام الاسد ضد مراكز المقاومة. ويقول ان الشركة قامت بمراقبة وتسجيل العملية العسكرية التي قام بها النظام في بابا عمرو العام الماضي حيث قال وود انه كان باستطاعتهم رؤية الجيش وهو يطلق القذائف والدخان المتصاعد من المباني جراء القصف، مشيرا ان الدمار الكبير يؤشر الى الاسلحة الثقيلة التي استخدمها النظام.وقد اشارت منظمات حقوق الانسان والدبلوماسيين الى صور الشركة في توثيقهم للجرائم التي ارتكبها النظام. ويقول وود ان دقة تكنولوجيا الاقمار الصناعية في التقاط الصور تمثل وجها جديدا في تغطية الحروب حيث يقول ان ‘الصناعة التي ننتمي اليها قادرة على اضفاء نوع من الشفافية عل الصراعات الحديثة التي لم يستطع العالم مشاهدتها’. وفي هذا تقدم في تجربة الاقمار الاصطناعية في رصد الحروب من على بعد رؤية عن حجم الحرب وثمنها الانساني الفادح. فرنسا وبريطانيا واسرائيل وستواصل الشركة التقاط الصور لان الحرب لن تتوقف على ما يبدو في القريب العاجل، فدعوة الرئيس الفرنسي الى رفع الحظر الاوروبي عن تصدير الاسلحة للمعارضة والمتناغمة مع المطالب البريطانية تمثل تطورا وتغليبا للعمل العسكري، ولكن الدعوة ستصطدم بالمعارضة داخل الاتحاد الاوروبي، وجاءت تصريحات هولاند بعد اسبوع من التصريحات البريطانية حيث اشار ويليام هيغ، وزير الخارجية ان بريطانيا ستتصرف منفردة حالة رفض الاتحاد الاوروبي خطة تخفيف قانون العقوبات على سورية.وفي الوقت الذي بررت فيه بريطانيا موقفها على انه محاولة لحرف مسار الحرب لصالح الجماعات المعتدلة في الانتفاضة السورية وعدم ترك الساحة للاسلاميين فقد اتهم لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي روسيا بدعم الاسد بالاسلحة، فيما اعتبر سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي ان دعم الجماعات المسلحة يعتبر انتهاكا للقانون الدولي. واشارت تقارير فرنسية الى ان باريس زودت المعارضة بصواريخ ارض- جو من اجل مواجهة التفوق الجوي للاسد.وجاء دعوات فرنسا وبريطانيا في وقت اتهم فيه مسؤول امني اسرائيلي ايران وحزب الله بانشاء قوات دفاع شعبي في سورية قوامها 50 الفا لاطالة عمر النظام ولحماية مصالحهما حالة انهياره. والمعلومات التي نقلتها صحيفة ‘الغارديان’ عن الجنرال افيف كوتشافي ليست جديدة فقد سبق ان اشار المسؤولون الامريكيون الى قوة مماثلة انشأتها ايران على غرار قوات الباسيج الايرانية لحماية النظام.وقالوا ان ايران انفقت الملايين عليها. ولكن كوتشافي، مدير الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية يقول ان ايران تخطط لمضاعفة عدد قوات الدفاع الشعبي هذه الى مئة الف، زاعما ان مقاتلي حزب الله هم الذين يدربون المتطوعين فيه. وفي نفس الوقت حذر الجنرال الاسرائيلي من سيطرة الجهاديين واختراقهم للانتفاضة خاصة جبهة النصرة التي زعم انها تقوم باختراق لبنان، واقامة علاقات مع منظمة في سيناء المصرية اسمها منظمة ‘انصار بيت المقدس’.جيش تتناقص اعدادهوفي الوقت الذي تعارض فيه اسرائيل تسليح المعارضة خوفا من وقوعها في الجماعات المعادية لها الا ان اسرائيل تضع نصب اعينها الترسانة الكيماوية التي يملكها النظام السوري ومنظومات الصواريخ المتقدمة وعليه فالمسؤولون مستعدون للقيام بغارات مماثلة كتلك التي شنها الطيران الاسرائيلي في بداية العام الحالي. ونقلت صحيفة ‘الغارديان’ عن مصدر امني اسرائيلي قوله ان هناك استعدادا لتوجيه ضربات جديدة، وهناك امكانية لتصعيد العمليات ‘وتركز اسرائيل بقوة على هذا ولكنها قلقة من غياب التركيز الدولي’ على موضوع السلاح الكيماوي والصواريخ التي يمكن ان تذهب لحزب الله.وبحسب تقديرات لمسؤول في الجيش الاسرائيلي فحزب الله تملك 50 الف صاروخ من مختلف الانواع وهناك الف منها قادرة على الوصول الى اسرائيل. واعترف المسؤول قوله ان التصعيد قد يؤدي الى حرب لا تريدها اسرائيل ولا حزب الله في هذا الوقت، حيث سيستخدم حزب الله كل ترسانته وسيقود الى اجيتاح اسرائيلي وقوات برية لان تدمير راجمات الصواريخ لن يتم الا بعملية برية واحتلال القرى التي يستخدمها الحزب لاطلاق الصواريخ.ومع ان اسرائيل والدول الغربية تردد دائما ان ضباطا من الحرس الثوري الايراني ومقاتلين من حزب الله يقاتلون الى جانب الاسد، لكن المسؤولين الاسرائيليين يقولون ان قاسم سليماني، قائد لواء القدس زار دمشق للاشراف على العمليات.وفي خطاب كوتشافي ان الضرر الذي سيصيب ايران مع اقتراب انهيار النظام السوري سيكون كبيرا، لانها مع حزب الله ستخسر حليفا قريبا من اسرائيل وستفقد القدرة على نقل الاسلحة الى حزب الله. واشار الى ان ايران تقدم لسورية دعما استشاريا ويشرف قادتها على العمليات.qarqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية