د. محمد عجلاني
كان الرئيس حافظ الاسد يضع رجلا في المحور الايراني ورجلا اخري في المحور السعودي ـ المصري، كان يستثمر هذه السياسة المرنة لتدعيم نفوذه الاقليمي وكذلك مركزه لدي الدول الكبري، كان تارة مع ايران ضد العراق، وتارة اخري مع دول الخليج والكويت ضد العراق.
بالطبع استفاد الرئيس الاسد الأب من تغطية دولية وظروف مناسبة استغلها قدر الامكان للقيام بدوره الاقليمي.
هذه الظروف وهذه التغطية لم تعد متاحة امام الابن، الذي سحبت منه هذه التغطية الدولية ساعة وصوله الي الحكم. بالاضافة الي كل هذا وذاك، لم يعد الابن يتحكم بمفاصل تحالفاته، وخاصة ان الاحداث الدولية من غزو افغانستان الي العراق رمـــــت به داخل المحور الايراني علي حساب المحاور الاخري، فالابن وجد نفسه علي حلبة الملاكمة يتلقي الضربات ولم يعد يضرب مثل والده، بل هامـــــش المناورة اصبح ضعيفا جدا بالنــــسبة له وخاصة بعد طرد قواتــــه العسكرية من لبنان، وتلبيسه تهمة اغتــــيال الحريري.
واليوم يجد النظام السوري نفسه اكثر من اي وقت مضي امام معضلة، فقد اخرج او خرج بنفسه من محور ما يسمي بالمعتدلين العرب اي السعودية ومصر واستبدلوه بالاردن، ليجد نفسه في حلف مع دولة كبيرة تفوقه بالمساحة الجغرافية وعدد السكان والثروة الاقتصادية وكذلك القوة العسكرية، وهذه الدولة التي خرجت كالمارد بعد ان استراحت علي حدودها العراقية والافغانية لتوسع نفوذها وتمده باتجاه البحر المتوسط ومنطقة الهلال الخصيب، واصبح الوجود الايراني او الشيعي واضحا حتي في قلب العاصمة السورية دمشق. وايران الدولة المارقة كما يسميها بوش واحدي دول محور الشر حسب تعبير الرئيس الامريكي نفسه تفرض اليوم نفسها كقوة اقليمية في طور بناء قوة نووية تنافس بها دولة اخري تتمتع بهذه القوة منذ وقت طويل تحت سمع وصمت ودعم العالم.
كان لدي سورية اوراق اقليمية لبنانية وفلسطينية انتزعت منها، ولبنان اليوم اصبح ساحة مواجهة بين ايران والغرب، اكثر منه بين سورية والغرب، حتي ان وزير خارجية فرنسا دوست بلازي اجتمع بوزير الخارجية الايراني متكي اثناء حرب لبنان الاخيرة متجاهلا تماما سورية ودورها.
اما بالنسبة للعراق، فسورية تتحمل تبعات هذه الحرب الدائرة علي الارض العراقية حيث يتواجد اليوم في سورية اكثر من مليون لاجيء عراقي بدون ان تستثمر او يكون لها اوراق ونفوذ حقيقي داخل الساحة العراقية، بل التأكيد يتم علي ان ايران هي اللاعب الرئيسي في العراق، وجيمس بيكر تناول العشاء مع سفير ايران لدي الامم المتحدة متجاهلا تماما وجود عماد مصطفي سفير سورية لدي امريكا. واما بالنسبة للفلسطينيين فقد سلم هذا الملف الي الاردن والملك عبد الله الثاني حيث اصبحت عمان عاصمة اللقاءات والاجتماعات بين الفصائل الفلسطينية بالاضافة الي عراب مبارك عمر سليمان الذي يقوم بمهمة ساعي البريد فقط بين الاسرائيليين والفلسطينيين. اذن سورية اليوم مضطرة للتحالف مع ايران وبالصيغة الايرانية بعد ان وجدت نفسها محاصرة حتي من طرف اشقاء عرب، ساهموا بشكل او بآخر في اخراجها من الساحة اللبنانية.
واليوم يجري الحديث عن فك تحالفها مع ايران كما يسعي الي ذلك الغرب! ولكن هل يمكن فك هذا التحالف بعد ان وصل الي هذه الدرجة من القوة والعمق؟
ثانيا: ما هي الضمانات التي سيقدمها الغرب لسورية؟ ثالثا، ما مدي قدرة الدول الغربية وعلي رأسها امريكا في اقناع اسرائيل بالتخلي عن الجولان؟
هذه هي الاشكالية وجوهر المعضلة، والغرب بحاجة الي ان يمنح تطمينات وضمانات لسورية علي جميع هذه التساؤلات قبل ان يطرح صيغة فك الترابط بين دمشق وطهران.
ہ رئيس مركز دراسات الحياة السياسية السورية في باريس8