د. مثنى عبدالله يبدو أن زعماءنا مازلوا مصرين على تجاهل دراسة التاريخ والاستفادة من عظاته. ففي كل مرة يثبتون لأنفسهم ولنا ولغيرنا بأنهم أميون حتى النخاع وأنانيون حتى العظم. فبينما يتجه العالم يوما بعد يوم الى أكتشاف وشائج وتطوير صلات أرتباط أبعد من الحدود القومية، بعد أن أعطوا لصلاتهم التقليدية المتعارف عليها بين البشر أستحقاقاتها، يتعامل حكامنا مع صلتنا القومية وكأنها غير موجودة في قاموس الامة، بل أنهم يقطعون حتى الصلة الانسانية في تعاملاتهم فيما بينهم، ويغالون في تجاهلهم لحقائق الحياة وسننها فيمنعوا حتى عن شعبهم العربي الاحساس بها، من خلال عدم السماح بالتضامن فيما بيننا، وعرقلة الجهود الشعبية في التكافل. وبينما لاتزال الحالة العراقية أمام أعيننا نازفة الدماء، بعد أن أداروا ظهورهم لاستحقاقات روابط الدم والدين والتاريخ واللغة وتركوا مصير أحد أهم الاقطار العربية بين يدي الغزاة والمحتلين يتحكمون به وبشعبه بما تقتضيه المصلحة الغربية والاقليمية، هاهم يكررون نفس الموقف مرة أخرى مع سورية الشعب والوطن، حتى باتت وكأنها ليست ضلعا من أضلاع الخيمة العربية وعمادا رئيسيا من أعمدة الامن القومي العربي. بل أن حالة الصمت الطاغية على مواقفهم تجاه مايحصل فيها تشي لنا بأنها دعوة مبطنة للتدخل الدولي، وأغراء فاضح لتكرار مايحدث في ليبيا بعد أن شاركوا مشاركة فعالة في أيصال الوضع الليبي على ماهو عليه اليوم من خلال منحهم الشرعية للتدخل الدولي فيه وتوفير الغطاء السياسي له، وها هم اليوم يقفون عاجزين عن فعل أي شيء أزاء المذبحة القائمة هنالك بأيدي دول الناتو والنظام والمعارضة على حد سواء، وشعبنا وأهلنا هم فقط من يدفع الثمن وتتمزق اشلاؤهم كما هي جغرافية وطنهم، التي باتت واقعيا في حالة أنقسام واضح بعد أعتراف الكثير من الدول ومنها دول عربية بالوضع السياسي القائم في بنغازي. أن الوضع المتدهور القائم الآن في سورية لن يخدم الوضع العربي العام أطلاقا، وأن تأثيراته السلبية ستطال الاقطار العربية المجاورة كما حصل في التأثيرات السلبية للحالة العراقية التي عمت دول الجوار العربي. فلقد تعطلت الحياة في هذا البلد ودخلت الكثير من قطاعاته في حالة الشلل التام، وتطورت الحالة السياسية فيه الى أزمة أمنية تتفاعل يوميا بشكل تصاعدي، وبات رد الفعل العسكري والاستخدام الواسع للقوة العارية هو الغالب، بدل الحوار الشامل القائم على الثوابت الوطنية، والذي بدوره سيدفع الكثير من القطاعات الشعبية لدخول الفعل ورد الفعل المعاكس مع السلطة وليس العكس تماما. فالاستخدام اللامسؤول للقوة في الشأن الداخلي لم يعد بعد اليوم مخيفا كما كان عليه الحال قبل عقود من الزمن، لان التطور التكنولوجي الذي وصل اليه العالم في وسائل الاتصال جعل من أية حركة تمرد صغيرة كانت أم كبيرة عامل تأثير فاعل في الوضع القانوني والسياسي والسيادي لتلك الدولة، وتشكل أحراجا للسلطة السياسية في محيطها الاقليمي وكذلك على الصعيد الدولي. وعلى الرغم من أن هذا الوضع يشكل دافعا معنويا للمعارضة السياسية الشعبية في مواصلة أنتفاضتها، ويشعرها بأنها قادرة على الخروج من نطاق المنع السلطوي وأنتقال مطالبها الى المحيط الاقليمي والدولي وكسبها التأييد والدعم لكنه أيضا عامل سلبي مؤثر في تطوير حركتها وتحكمها بمراحل الثورة، لأن السلطات باتت على وعي تام بمدى أيجابية عوامل الاتصال على الحركات المناهضة لها، فعالجت هذا العامل بزيادة رد فعلها بشكل مفرط والزج بكل قواها في قمــع المعارضة من خلال أستخدام الجيش وليس قــــوى الامن الداخلي كما كان متعارفا عليه، وهي تهــدف من وراء ذلك طمر التمرد بأسرع وقت كي لايرتب عليها المجتمع الدولي والرأي العام أية أستحقاقات سياسية أو قانونية، وهذه هي الحالة القائمة اليوم في سورية. فالسلطة لم يعد في ذهنها أنها تواجه أنتفاضة أو تمردا سياسيا شعبيا مطالبا بحقوق وأصلاحات، بل هي اليوم تعتقد أنها تواجه عدوانا خارجيا بأيد داخلية، لذلك أنتقلت مواجهتها مع الشعب الى فعل شرس تجسد في جسر الشغور، وأكثر من ذلك في المواجهة الدامية عشية شهر رمضان الحالي في مدينة حماه، مما يؤكد بأن الوضع السياسي سيتطور الى أكثر دموية من الايام الماضية، خاصة وأن بعض الاطراف المحسوبة على المعارضة بدأت تتقبل فكرة دخول الغرب على خط الازمة سالكة طريق المعارضة الليبية، طمعا في أعتراف هزيل وأرصدة مجمدة قد يفرج عنها لهم لاحقا، على الرغم من يقيننا بوطنية وعروبة غالبية الاطراف المعارضة. من المؤسف أن يقف الزعماء العرب موقف المتفرج على الوضع في سورية، وعلى الدماء الغالية التي تسفح يوميا في أرض الشام من شهداء أمتنا، بينما ترتجف (شواربهم) نخوة على مواطنين أمريكان أو من جنسيات غربية أخرى، أختطفتهم القاعدة أو قراصنة في افريقيا أو غيرها، فيوعزوا لاجهزة مخابراتهم البحث عنهم فتراهم حاملين حقائب مليئة بملايين الدولارات ويجوبون الصحراء الافريقية، كي يتوسطوا لدى هذا الزعيم القبلي أو ذاك كي يدلهم على المختطفين فيبذلوا لهم أموال الامة في سبيل أطلاق سراح أولئك، بينما ينقسمون أزاء وضع أهلهم في سورية بين شامت لما يحصل، لأن له مع النظام ثأر قديم في أطار الصراع بين ما سُمي محور الاعتدال ومحور الممانعة، ويتمنى سقوطه ليس تضامنا مع أشقائه بل لغاية في نفسه، لذلك تجد كتابهم وصحفهم عافوا المأساة الليبية لأنها بيد حلفائهم من دول الناتو الضامنة لعروشهم، وباتوا يتوسلون الناتو مجددا للتدخل في سورية. وأخر صامت على مضض لان النظام وقف معهم فيما يسمى حرب تحرير الكويت في العام 1991 ولم يعد يهمه شهداء الشعب العربي السوري الذين يتساقطون يوميا، وطرف ثالث هي حكومة الدمى في العراق التي باتت جسرا بين النظام السياسي السوري والحليف الايراني، والذي يشكل موقفها هذا أكثر من أعلان صريح على أنها أداة بيد الاجندة الايرانية.
أننا نتساءل اليوم كما تساءلنا من قبل في قضية العراق وليبيا وقبلهما فلسطين وغيرها. لمصلحة من يتخلف زعماؤنا عن وضع مشروع عربي خالص لمعالجة الوضع السوري الدامي؟ ولماذا هذا الغزل لدول الناتو لدخول الازمة في سورية؟ ولماذا يسعون جاهدين لاشعارنا نحن أبناء الامة الواحدة بأن صلاتنا، ليست سوى مجرد هراء أخترعناه لأنفسنا في لحظة تاريخية مظلمة، بينما صدعوا رؤوسنا من كثرة القابهم الوطنية والقومية والاسلامية؟ أن أستمرار الوضع الراهن في سورية على حالته التصاعدية الدامية بدون موقف عربي مسؤول، سيحول هذا القطر الى دولة فاشلة تنضم الى دول عربية فاشلة أخرى في المنطقة، مما يهدد الامن القومي للامة ويضع مقدراتها بين فكي القوى الغريبة عن الواقع العربي، والطامعة بالامكانات العربية والساعية لبناء مجدها على حسابه، وأن المسؤولية التاريخية تتطلب تخلي الزعماء عن أنتظار الحل الاجنبي الذي لن يأتي بدون ثمن، ونبذ سياسة المحاور التي ثبت انها لن تحمي أحدا بعد أن عجزوا عن أنقاذ مبارك من شعبه، والتأسيس لمرحلة تاريخية جديدة تقوم على أساس أن المصلحة العربية هي العليا وأن مصلحة الحاكم هي التي يجب أن تتكيف مع مصلحة الامة وليس العكس. كما أن على السلطة القائمة اليوم في سورية، أن تراجع مواقفها والارضية التي تقف عليها وكذلك قوامها الفكري والسياسي، كي تخطو خطوات جديدة على أرض الواقع أن أرادت حقا المصلحة الوطنية والقومية، وهو المنهج الوحيد للبناء ولخارطة جديدة، يتطلع اليها شعبنا العربي في سورية. أما طريق القوة المفرطة وخلط الدماء البريئة بغيرها، فانه سيعمق الهوة ويترك النظام وحيدا في المواجهة، بل أنه سيمنح القوى الكبرى جزرا أصطناعية هنا وهناك داخل النسيج الاجتماعي السوري، تبني عليها قواعد سياسية للمرحلة القادمة من مراحل الصراع السياسي بين السلطة والشعب. لذلك نجد الموقف الامريكي في حالة تطور تصاعدي مع تصاعد الاحداث في الشارع لانهم يريدون مسك موضع هنا وموضع هناك، وعندما يتحسسوا ثبات أقدامهم فأنهم سيطورون مواقفهم تبعا لذلك، لعلمهم بان أتخاذ موقف متسرع من النظام في الوقت الحاضر سيفرض تطورات على الوضع اللبناني والعلاقات مع أيران وداخل سورية أيضا، لان الموقف الشعبي مازال منقسما تجاه الوضع خوفا من عرقنة جديدة.’ باحث سياسي عراقي