صحف عبريةفي نهاية الاسبوع الماضي، علقت الجامعة العربية عضوية احدى الدول المؤسسة لها، الجمهورية العربية السورية. ليس هذه خطوة غير مسبوقة، ولكنها مع ذلك في غاية الاهمية، ليس لان الجامعة العربية نفسها لاعبة دولية موحدة وناجعة، بل بالذات لان هذه الخطوة كفيلة بان تكون علامة تبشر بنشاط مستقبلي لكثير من الحكومات التي تتشكل منها. ولقرار الجامعة العربية تأثير فوري بالمعنى الرمزي، في هز ثقة النظام السوري بنفسه، في ظل رفع معنويات المعارضة. كما أن التأثير كفيل بان يكون جوهريا اذا ما خولت حكومات عربية الجامعة العربية بحث موضوع فرض عقوبات على النظام السوري ومنح تأييد ملموس أكبر للمعارضة؛ قادة المجلس الوطني السوري، المنظمة المعارضة الرئيسة، تلقوا الدعوة الى الجامعة العربية في القاهرة لمواصلة التشاور، وعبدالله ملك الاردن دعا بشكل علني الرئيس السوري بشار الاسد الى الاستقالة من منصبه. ومع مراعاة الموقف المعتدل بشكل عام، الذي تتميز به الجامعة العربية في المواضيع المتعلقة بالعرب، فان تفسير الخطوات التي اتخذتها لا يوجد فقط بمشاعر الرفض الاخلاقي في ضوء وحشية الاسد في محاولاته لقمع الثورة ضد نظامه. لا يمكن لنا أن نستبعد هذا العنصر تماما كعنصر غير ذي صلة. رغم القيود الشديدة على تقارير مصداقة من سورية، واضح ان قوات امن الاسد قتلت حتى الان نحو 3.500 متظاهر على الاقل، اصابت، حبست ونكلت بالاف المتظاهرين الاخرين، ودفعت الكثيرين الاخرين الى طلب اللجوء في الجانب الاخر من الحدود مع تركيا، لبنان أو الاردن. على خلفية الانتقاد المتصاعد، ضغط ممثلو الجامعة العربية لبلورة خطة سلاح تنطوي على سحب القوات العسكرية من المناطق المدينية، تحرير السجناء ومنح عفو لقادة المعارضة. وقبلت الحكومة السورية بشكل رسمي هذه الخطة، ولكن في وقت لاحق رفضت تطبيقها. هذه الخطوة فسرت بشكل محتم كعدم تراجع، ومع مرور نحو سنة على بدء الربيع العربي فان الحكومات العربية باتت بالضرورة أكثر انصاتا لرغبات الجمهور مما كانت في الماضي. وبتعبير آخر، فان الاسد بلا شك يدفع ثمن أفعاله. ولكن الثمن ارتفع بسبب هويته عضو في الطائفة العلوية، التي هي جناح من الطائفة الشيعية، وزعيم، سار في أعقاب أبيه، و ‘استقام في خطه’ مع ايران الشيعية (ضد الاغلبية العربية السنية) على مدى أكثر من ثلاثة عقود. يبدو أن هذا هو عنصر يشرح بقوة الامر حتى اكثر من الفور الذي يثيره سلوكه. في نهاية المطاف، رد زعماء عرب آخرون على الثورات الداخلية بوحشية مشابهة بل حتى أشد. ومع ذلك، فان قادة النظام العسكري في الجزائر في اثناء الحرب الاهلية، صدام حسين في العراق وعلي عبدالله صالح في اليمن نجحوا في التملص من رعب العقوبات التي تحوم اليوم فوق رأس الاسد. في حقيقة الامر، يوجد شاذان جديران بالاشارة لرفض الجامعة العربية انتقاد الحكومات العربية. الاول كانت مصر، التي طردت من الجامعة العربية في العام 1979، ليس لان حكومتها اتخذت خطوات قمع حادة جدا، بل لانها خرجت عن الصف ووقعت على اتفاق سلام مع اسرائيل. ليبيا (2011) هي الحالة الشاذة الاخرى، لكن أغلب الظن فقط لان زعيمها مس بشكل شخصي، أبعد وهدد بشكل جسدي زعماء كثيرين في العالم العربي. فضلا عن ذلك، فان مصر عادت لتستقبل بين ذراعي الجامعة العربية بعد بضع سنوات من ذلك، في اثناء الحرب الايرانية العراقية عندما اتضحت الحاجة الى مساعدتها النشطة للجانب العربي في تلك الحرب لصد تهديد التوسع الايراني. هذا الوصف يوفر تلميحا هاما للسبب الخفي الذي يقف في خلفية النشاط الدبلوماسي العربي الحاجة الى اتخاذ عمل في ضوء تطلعات الهيمنة لدى ايران، والتي يحثها احيانا شيعة محليون يعتبرون عملاء للنفوذ الايراني. هذا التلميح يتلقى الاسناد في ضوء هوية القوى التي تتصدر المبادرة الاخيرة، الموجهة نحو الاسد: قطر والعربية السعودية، الدولتان الخليجيتان المجاورتان لايران. ثمة في ذلك مفارقة معينة وذلك لان ليس قطر ولا السعودية تشكلان نموذجا يحتذى للقيم الديمقراطية. فقد أيدت الدولتان قمع الثورة الموجهة ضد الملكية السنية ذات الاغلبية الشيعية البحرين. بل ان السعوديين تدخلوا عسكريا بشكل مباشر، ليس لضمان احترام حقوق الانسان بل بالذات لوقف ايران التي اشتبه بها بتقديم الدعم للمتظاهرين في البحرين، او على الاقل كمن من المتوقع أن تستفيد من نجاحهم. شهادة اخرى تعزز التفسير الذي يقف خلف التجند ضد الاسد يمكن الحصول عليها من هوية الدول التي صوتت ضد تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية اليمن ولبنان، الى جانب سورية نفسها، والعراق والذي امتنع فقط. في ضوء الوضع السائد اليوم في اليمن يحتمل أن يكون اليمنيون خافوا فقط من سابقة مقلقة (وإن كان القرار بالسماح لصالح بالعودة الى صنعاء بعد العلاج الطبي الطويل في العربية السعودية يشير الى امكانية أن مثل هذا التخوف مبالغ فيه). ومع ذلك، فسواء لبنان ام العراق هما دولتان منشقتان مع طوائف شيعية قوية وحكومتين بسيطرة شيعية او خاضعة تحت قيود شيعية، تخضعان لتأثير ايراني ذي مغزى.
كل ما قيل هنا يشير الى أنه بينما لا تتلاءم أفعال الاسد أغلب الظن مع روح العصر في العالم العربي، فان الشكل المميز لاعمال الجامعة العربية ضده يستمد الهامه من عامل لم يؤكد رسميا أبدا، ولكنه يحوم دوما في الخلفية. الفئوية هي الغسيل الوسخ للسياسة العربية. بعد نحو سنة من قمع الثورة في البحرين، ثماني سنوات من اشتعال النزاع الطائفي في العراق، وأكثر من خمس وثلاثين سنة من اندلاع الحرب الاهلية في لبنان، فان هذا العامل لا يزال مُسكت او منفي، وعندما لا يكون ممكنا تجاهل التعابير التي تشهد على وجوده، فان الميل يبقى تعليق الذنب على مؤامرات الاجانب، الاشرار ونابشي الشر: ايران، الولايات المتحدة أو اسرائيل (والتي اتهمت بالتحريض على الجولة الاخيرة للعنف الموجه، على ما يبدو بالهام اسلامي، ضد المسيحيين الاقباط في مصر). عصر جديد من التعددية والانفتاح لا يزال كفيل بان يبرز في العالم العربي، ولكن العصر القديم لسياسة الهويات لم ينقضِ بعد.
نظرة عليا 20/11/2011