سورية ولادة القواشيش

حجم الخط
0

مصعب عزّاوي عندما اقتلعت المخابرات العسكرية حنجرة المغنى الشعبي إبراهيم القاشوش الذي شكّل رمز مظاهرات مدينة حماة التي خرج فيها نصف مليون متظاهر يصدحون بأغنيته الرمز: (ارحل يا بشار)، كانت العقلية الأمنية المريضة التي لم تستطيع يوماً أن تبصر أبعد من أرنبة أنفها تظن بأن تلك العقوبة المرة لمغنٍ شعبي باقتلاع حنجرته سوف تردع كل من يتجرأ على أن يقحم حنجرته في خضم الثورة السورية خوفاً من أن يكون مصيره مثل القاشوش الشهيد.

ولكن العقلية’ الأمنية المريضة نفسها لم تدرك بأن إبراهيم القاشوش لم يكن يصدح بأغانٍ عذبة تصدر من حنجرة فنان منمق يبحث عن المجد و الشهرة والنجومية، ولكنها كانت في جوهر الأمر محاكاة لضمير أبناء الوطن الذي لم يكن أي منهم يستطيع أن يفكر يوماً في ما قد يجول بخاطره في قهر ووجع وألم وحسرة جراء القمع والعسف الذي يتعرض له كل أبناء سورية البسطاء الطيبون والشرفاء والمخلصون كلما فكروا بأن يجاهروا برفضهم لأن يكونوا عبيداً أذلاء مهانين في وطن يزاود عليهم مستعبدوهم بأنه وطن الشعب وحصنه الحصين، والذي كان في حقيقة الأمر وطناً محتلاً من حفنة من المستبدين ومن والاهم من المعتاشين من فساد المستبدين والفتات التي يقتاتون بها من نهش جسد ذلك الوطن المحتل. ولأن القاشوش كان امتداداً طبيعياً للضمير الجمعي المقهور في سورية الوطن المحتل وليس طفرة استثنائية وليدة مصادفة محضة، فقد كان الهول والذهول نصيب الجلادين الذين اقتلعوا حنجرته حينما هم يسمعون كل يوم بآذانهم صداح مغن شعبي حر في كل زقاق وحارة وزاوية من هذا الوطن فكأنما القاشوش الشهيدلم يقتل وكأن حنجرته الطيبة الطاهرة تناسخت في حناجر القاشوشيين الأباة وهم يلهجون بصوت القاشوش المعلم الأجش الذي له عمر سورية الأم ولّادة الحضارة من فجرها، و إيقاع بسيط يحاكي نبضات قلب الوطن الذي يكاد ينفطر كمداً على أبنائه وأيادي الجلادين المحتلين تخطفهم و هم في عمر الورود وزهوتها.

نعم إن قاتلك أيها القاشوش الشهيد لم يدرك بأن سورية أم مخصبة لم يستطيع كل غزاتها ومن احتل أرضها لحين أن يوقفها عن الحيض و المخاض، و م يستطع أن يسلبها خصوبتها التي سوف تنجب في كل لحظة قاشوشاً أبياً يقاوم بحنجرته الجريحة كل مخارز طغاتها ومستبديها، و يحيك بحباله الصوتية المقروحة جسراً نحو وطن لا يخشى فيه أبناؤه على حناجرهم. طبيب وكاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية