سوريةô وتقاليد جنيف.. مواقف الفرقاء

حجم الخط
1

من دون الدخول الى فسيفساء طلبات كل المجموعات المعارضة (سلفية تكفيرية كانت ام سلمية علمانية) فالتصريحات السياسية تفيد بان غالبية المجموعات السورية المعارضة تشترط وبشكل إملائي واقصائي لا يتماشى مع مبدأ القبول بالآخر، حضور مؤتمر ‘جنيف 2’ بتنحي الرئيس السوري بشار الاسد او تسليمها سلطة الحكم في سورية بدون انتخابات.
تلك المجموعات المعارضة، الخارجية منها والداخلية، المسلحة منها والمرتزقة، مدعومة (بنسب متفاوتة) سياسياً ومالياً وعسكريا واعلامياَ من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلف الناتو (او دول غربية متفرقة) وزبائنهم في العالم العربي وبالتحديد السعودية وقطر، وضعت نصب اعينها هدفا صعب المنال وغير واقعي، وفقا لمعادلة القوى كما هي اليوم في سورية. فعسكريا وبوتيرة مستمرة يسترجع الجيش العربي السوري السيطرة على مناطق اضافية من الجمهورية العربية السورية، بسبب الخبرة المكتسبة والمتزايدة في حرب الشوارع والتخطيط والاستشارة عوضا عن الدعم الروسي والايراني ومع او بدون تدخل قوات عسكرية لحزب الله (في القصير مثلا). كل ذلك يشير الى ان الجيش السوري ذو مبنى هيكلي هرمي متراص واداء وظيفي متمكن ومقاوم للصدمات، وان كل الحملات الاعلامية حول قرب معركة دمشق، لم تكن الا جزءا من الحرب النفسية او التمنيات الخيالية وعدم استيعاب مكونات الواقع العسكري بشكل مهني.
بالمقابل الحكومة السورية اعلنت، دبلوماسياً، انها ستحضر مؤتمر ‘جنيف 2’ بدون شروط مسبقة (معلنة على الاقل) مما سيزيد من مصداقية مواقفها في السياسة الخارجية. ومع ذلك فبينما تصرح الحكومة السورية بانها سوف لا تحاور الارهابيين فانه من الممكن الادعاء ان مجرد حضورها للمؤتمر فيه نوع من القبول الضمني (رغم عدم تحديد هوية المفاوضين من المعارضة بعد، نظرا لصعوبة تحديد من تلطخت يده بالدماء) بمرحلة وجوب او قبول حصول عملية سياسية تشاركية بشكل او بآخر في المستقبل القريب في سورية.
جدول الاعمال
الاعلان عن نية عقد منتدى سلمي لا تعني ان اللاعبين على الارض سيركضون وينصاعون للاوامر الخارجية لمجرد سماع الفكرة، استجابة لضغط على زر اوتوماتيكي، وذلك نتيجة للطبيعة المرنة للعلاقات الدولية، وبالتحديد بين الحلفاء ووجوب التنسيق في ما بينهم. فعقد مؤتمر سلام في جنيف هو مسآلة مركبة تنظيمياً، وسياسياً ودبلوماسيا واداريا ومالياً واعلاميا ولوجيستياً. ومجرد الاقتراح والتنسيق والموافقة ما بين الاطراف في كل من هذه المواضيع يستغرق وقتا طويلا وبالتحديد جسر الهوة (لمجرد وجود تناقضات عديدة) للوصول الى تفاهمات ومفاوضات حول الاجندة والنتائج المحتملة.
والدبلوماسي العالمي المجرب الاخضر الابراهيمي (وبالتأكيد الاقسام المهنية المحترفة المختلفة في وزارات الخارجية للدول المعنية) ليس فقط انه يعي هذه الامور تماما، بل انه كان شريكا فاعلا في العديد من هذه المبادرات السلمية في بؤر نزاع عديدة في العالم، بما فيها المؤتمرات التمهيدية التي تعقد عادة بالسر، وحتى القمم التي تجمع الجانبين السري والعلني.

ثنائية القطبية
الوقوف الحازم لروسيا، التي قطعت قول كل خطيب (مشكك بمواقفها) الى جانب الدولة السورية والتفاهم مع الولايات المتحدة على بعض النقاط العريضة، ادى الى ايصال رسالة واضحة للرأي العام العالمي، ان روسيا وامريكا تريدان عقد مؤتمر ‘جنيف 2’، لضرورة فرض حل سلمي، لكن وعلى الرغم من مرور اسابيع عديدة على هذا الاعلان، ما زالت هناك اصوات (اخلاقية؟) تعبر عن احباطها من عدم حصول تقدمٍ كافٍ بما يتعلق بموعد المؤتمر. فهناك العديد من النقاط التي تطرح على جميع الاطراف وتُبحث في اللقاءات المكوكية التي لا يتم بالضرورة الاعلان عنها او التداول بها باستمرار او علنا ومن بينها:
1) الرعاية: هل ستقتصر رعاية المؤتمر على روسيا الاتحادية والولايات المتحدة فقط، ام سيضاف اليهما الاتحاد الاوروبي؟
2) من هم الشركاء الاقليميون، فاذا شاركت دولة خليجية متحالفة مع امريكا فهل سيفرض ذلك مشاركة ايران في اطار حلف روسيا وسورية؟
3) ماذا سيكون الهدف من المشاركة في المؤتمر؟ المفاوضات؟ الحوار الداخلي؟ حلا سلميا شاملا يعبد الطريق الى مصالحة وطنية؟
4) اية مسائل ستبحث: حكومة تشاركية؟ تقسيم الحقائب الوزارية في حكومة انتقالية؟ التحضير لانتخابات؟
5) هل سيتم علاج موضوع النازحين خارجيا (لبنان، تركيا والاردن) وداخليا؟
6) ميدانيا سيتم ضبط المحاور التي ما زالت المعارضة المسلحة تسيطر عليها؟
7) وقف اطلاق النار: هل سيتم ذلك قبل المؤتمر ام ان مثل هذا الاتفاق سيكون احد نتائج المؤتمر؟
8) ماذا سيتفق عليه بما يتعلق بأمن المواصلات والاتصالات والامن الغذائي وأمن الطاقة (المياه والمنشآت والخ) وهل سيتم تخفيف او رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية؟
جسر الهوة:
احدى الاستراتيجيات التي من الممكن للراعيين الاساسيين ان يحاولا تسويقها الى الطرفين هي ان الوضع الحالي هو:
1) عديم الاستقرار 2) وان استمراره يشكل خطرا 3) وانه لا يطاق من قبل الشعب والحكومات التي تدير الازمة السورية 4) وان الازمة هي هدر للطاقة البشرية والمالية 5) وانه كلما استمر الحال عليه فستزداد المسؤوليات الواقعة على الحكومة، التي قد تنهك قواها تدريجيا من ناحية، ومن ناحية اخرى ستخسر المجموعات المعارضة مصداقيتها كليا، لانها لم تتوصل الى تغيير الامور الى الاحسن، وسوف لا يكترث بها المواطن السوري في المستقبل.
الموضوع الاكبر هو التوفيق بين وجهات نظر الفرقاء (وليس هذا بالامر السهل عندما تكون جهات خارجية تدر الاموال وبعضها يتصرف مثل الخاسر المدمن على طاولة القمار في الكازينو، وهو الذي لا يريد ان يعترف بخسارته ويتصرف كالنعامة) فاحدى نقاط ضعف المعارضة (حتى لو وضعناها في سلة واحدة) هي انه ليس لديها اية شرعية داخلية، لم تنتخب حتى ولو شكليا، وليس لها قواعد شعبية ولا احد يعرف ما اذا كانت ستنتخب في المستقبل اصلاô على سبيل المثال لا الحصر، انظر اين انتهى الامر بكل الحركات المعارضة العلمانية في مصر، وانها تستقوي فقط بواسطة الدعم الخارجي وبدونه سوف لن تكون موجودة.
وضوح الاهداف:
هل سيكون لاي من الطرفين، اي الدولة السورية والمعارضة (على اختلاف انواعها واجناسها)، وضوح في الرؤية والاهداف في العملية التفاوضية قبل وخلال وبعد المؤتمر؟ هناك من ذكر على سبيل المثال ان هدف الرئيس المصري الاسبق انور السادات عشية انعقاد مؤتمر جنيف بعد حرب اكتوبر 1973 كان الحفاظ على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وبالمقابل تطوير علاقات مع الولايات المتحدة.
من هنا من الممكن ان يفهم انه سوف لا يكون من المستحيل ان تقوم الدولة السورية بمحاولة انعاش (اولية) لعلاقاتها مع الولايات المتحدة (والاتحاد الاوروبي) بينما تقوم الجهات المعارضة بمحاولة لبناء علاقات اولية مع روسيا الاتحادية. الا ان اللاعب الذي سيحفظ حدود وهوية كل من المعسكرين، هي ايران التي سيكون دائما في ذهنها موضوع المفاوضات النووية واستمرارية محور المقاومة ورفع الحصار الاقتصادي عنها، آخذين بعين الاعتبار صعوبة الفصل ما بين هذه الملفات المتشابكة. فلن تتمكن المعارضات في احراز اي تقدم في حالة الارتطام بموقف ايراني صلب، ولكن من ناحية اخرى قد ترى وتنتهز الفرصة لفتح قنوات بناءة مع ايران.

التكتيك
من مراقبة لخطاب الدولة السورية، وبالتحديد وزير الخارجية السوري المخضرم وليد المعلم، فان لسورية ما تقوله وتطرحه في ‘جنيف 2’، بينما تتردد اطراف في المعارضة ويمكن تفسير ذلك انها لم تجد او تقتنع بان المؤتمر هو حزام امان لها قد يبقيها، على الاقل المعارضة الخارجية، كلاعب في الحلبة السياسية.
فسياسة الازدواجية في المواقف (وليس المعايير) هي تكتيك متعارف عليه يلجأ اليها العديد من الحكومات. فالدعامة السياسية لهذا النهج هي القبول ببعض الاقتراحات بشكل آني لفحص المراحل المقبلة قبل ‘اغلاق الصفقة’ ورفض بعض عروض الطرف الآخر، بحيث يتم قياس معدل الربح والخسارة عند الاقتراب من المرحلة النهائية، ولكن قبل حسم النتيجة. فبينما رفض الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد الاعتراف باسرائيل من الناحية المبدئية، حضرت سورية مؤتمر جنيف عام 1973 للبقاء قوة طليعية في الصراع، والذي ادعى البعض انه عبارة عن اعتراف غير مباشر، وانه شكلي، بوجود اسرائيل (سياسة الواقع مقابل سياسة النعامة) بينما قال الطرف الآخر ان حضور السوق شيء والتسوق وعقد الصفقات شيء آخر، ولطالما لم يتم التعاقد في النهاية فبقي حضور السوق جزءا من الاستمرار بجس النبض، من دون التنازل عن الثوابت. فبينما صرح وزير الخارجية السوري وليد المعلم بان سورية ستحضر مؤتمر ‘جنيف 2’ فهو بذلك قد اظهر سورية الى العالم بأنها مع الحوار السلمي، ومن شأن ذلك ان يخفف من حدة الضغط السياسي ولربما الامني عليها، بينما رفض المجموعات المعارضة (بشكل عام) حاليا لا يمكنها من تسجيل النقاط لصالحها. اما اذا بدأ الطرفان من نقطة انطلاق يعتمدان فيها على ان مؤتمر ‘جنيف 2’ سوف يحدد من مسافة تحرك الطرف الآخر فسوف لا توصل هذه السياسة الى حل ايجابي في هذه الجولة.
هناك جملة من الاهداف وعلى مستويات متعددة تجعل روسيا الاتحادية والولايات المتحدة تضغطان لعقد مؤتمر ‘جنيف 2 ‘ وهي:
1. انهما مهتمتان وملتزمتان بحل سلمي في سورية للحفاظ على مصالحهما. 2. ان هذه الازمة تجعل علاقات ‘حل الازمات’ بين روسيا وامريكا مستمرة وتطيل من ديمومتها (كخلية اتصالات مستمرة) لخدمة ازمات اخرى في حالة حصولها. 3 . ان هذا قد يساعد على انعاش الحوار الفلسطيني الاسرائيلي المجمد بسبب الاستيطان والعناد الاسرائيلي. 4. فشل او نجاح هذا المؤتمر قد يفقد احد الرعاة (روسيا او امريكا) قوة التأتير على احد الاطراف السورية، وبالتالي يتم ترك الموضوع الى الاطراف الداخلية او الاقليمية، فتستمر الازمة لسنوات عدة فينشأ وضع شبيه بحالة الجزائر في مطلع التسعينيات.
احيانا الاقتناع بان ميزان القوى العسكري في الميدان لن يتغير في الامد المنظور قد يقنع الطرف المعارض بضرورة المشاركة في المؤتمر، لكيلا يتم تصويرهم رافضين غير واقعيين، بينما تقوم اجنحة اخرى تدعمهم او تعمل معهم بالاعداد لاعمال عنف، كتفجيرات كبيرة ليلة المؤتمر لتعكير الجو وتغيير مسار المؤتمر. سوف لا يكون من المستحيل ان تكون احدى المسائل التي يدور حولها عصف فكري مكثف بين الجانبين مسألة السيطرة العسكرية على حلب، ومتى يجب (من ناحية الحكومة السورية) اعادة السيطرة بالكامل على حلب. فاذا احكمت الحكومة السيطرة على حلب قبل مؤتمر جنيف فعندها ستضعف وتضيق المرونة التفاوضية للمعارضة، لانها ستكون قد سحقت بشكل كبير بالتحديد بعد هزيمتها السابقة في القصير. لكن من ناحية اخرى قد يتم الاقتناع انه من الافضل للمعارضة حضور مؤتمر ‘جنيف 2’ قبل معركة حلب، خشية من عدم كسب الوضع الحالي وخسارة ما تبقى من نقاط في جعبتها. الا ان احد الاهداف المهمة هو وضع الطرفين على سكة الالتقاء في مؤتمر سيكون له تأثير رمزي ايجابي (رغم الالم) على نفسية المجتمع السوري والرأي العام العربي والعالمي، مما سيبعث الأمل بامكانية التوصل الى حل سلمي في المستقبل القريب.

‘ اكاديمي فلسطيني مقيم في كامبريدج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية