سوريون يتساءلون عن حالة ثورتهم.. والشعب لا الساسة هو من يدفع الثمن

حجم الخط
1

لندن- ‘القدس العربي’ في الحروب كل الحروب هناك ضحايا ومجرمون، موتى، ودمار ولاجئون، لكن ليس كل اللاجئين محظوظين، فهناك من يتسولون، ومن يقبعون في الخيم الرطبة، وهناك اغنياء ينتظرون الحظ القادم في غرف وأجنحة الفنادق من الدرجة الأولى، ويتجولون بسياراتهم الفارهة شوارع المدن التي فروا إليها.
وكتب روبرت فيسك قبل أيام عن السوريين الذين قال إن كارثتهم هي الأكبر من الحرب العالمية الثانية، وقال ان اللاجئين منهم في بيروت وهم يتسولون او يلمعون الأحذية، لكنه لم يتحدث عن النوع الأخر من اللاجئين السوريين الذي تقول صحيفة ‘ديلي تلغراف’ ان بعضا منهم يدفع آلاف الدولارات للهروب من سورية التي مزقتها الحرب الى امان ورفاهية جديدة.
ويقول التقرير ان عشرات الآلاف من الاثرياء السوريين يفرون بطريقة غير شرعية ويصلون إلى الدول الاوروبية إما بالطائرات او باستخدام الزوارق السياحية والقوارب الباذخة.
فقد كشف محقق سري للصحيفة عن شبكة لتهريب ابناء النخبة السورية. ففي بيروت ووسط محلات المجوهرات وقاعات عرض الفن في حي البيجو، هناك محل للسفريات الجوية يموج بالزبائن ولكن ليسوا أي زبائن، نساء بملابس ‘شيك وبنظارات غوتشي، وبأظافر مطلية لامعة ينتظرن دورهن ويقلبن صفحات كتيبات ‘بروشورز’ تعرض رحلات بحرية بقوارب مترفة في البحر المتوسط.خلف المكتب كان وكيل السفر يعمل مع الزبائن وطالبتهم، حيث يقول أن جوازات السفر يمكن استخراجها بالسفر، وبنفس الطريقة يمكن استخراج التأشيرات للدول الأوروبية، المشكلة أن الرحلة إلى أوروبا طويلة ولكنها حسب تأكيد وكيل السفر ‘مريحة جداً’. وتقول الصحيفة أن شبكة تهريب الأغنياء السوريين تمتد من لبنان وتركيا وتوصل زبائنها إلى العواصم الأوروبية الكبيرة مثل باريس وستوكهولم ولندن.
وقد تكون الرحلة مكلفة ويحتاج الزبون لدفع عشرات الألوف من الدولارات لكن لم يستطع فالهجرة غير الشرعية مريحة وأقل خطراً من ركوب قارب موت، او الهروب عبر الحدود التركية إلى بلغاريا وهو خيار يعتمد عليه الكثير من الميسورين السوريين للوصول إلى أوروبا.
وبحسب التقرير فقد قدم صاحب شركة السياحة خريطة للطريق الذي يمكن للمسافر الثري المرور به حتى يصل الى مكانه المقصود.
وقد تعلمت شركات السياحة وخلال العامين أو اكثر على الحرب الأهلية تعلمت هذه الشركات الطرق ورسمت خطوط الرحلات التي يمر بها اللاجئون.
وبالنسبة للاجىء الذي هرب بدون جواز سفر، فالوكالة يمكنها استخراج سفر له في سورية مقابل رشوة لا تتعدى مئات الدولارات.

لبنان- بلغاريا

وبعدها يمكن للاجىء اختيار واحد من طرق متعددة، فالطريق المعروف والشائع الذي يتخذه كل السوريين وهو السفر إلى اسطنبول حيث لا يحتاج السوري إلى تأشيرة دخول ومن هناك يتصل بمهربين يأخذونه عبر الحدود التركية إلى بلغاريا. وقد أصبح هذا البلد بالنسبة لخبراء التهريب والمتمرسين فيه البوابة التي يمكن للاجئين غير الشرعيين المرور عبرها إلى اوروبا.
ففي أيلول (سبتمبر) تم حجز 2377 لاجئا على الحدود البلغارية لكن المسؤولين عليها كانوا متساهلين حسب بعض المهربين. ويقول وكيل السفر مؤكدا لزبونه ‘إن لبنانياً، وهو رجل طيب، أخذ لاجئين من قبل ووصلوا بأمان’ الى بلغاريا، مشيراً أنه يعرف مسؤولين في الهجرة ويقومون بغض الطرف عن دخول اللاجئين.
ومن بلغاريا يمكن للاجئين العبور لواحدة من الدول الأوروبية للنمسا، إيطاليا أو السويد التي اصبحت الجهة المحبذة للسوريين خاصة أن البلد يمنح اللجوء لهم وفي بعض الأحيان الإقامة لمن يصل منهم إلى شواطئها.
وزعم وكيل السفر أن لديه رجاله في هذه الدول ممن يقومون برشوة المسؤولين الذين يدخلون لاجئين لا يحملون معهم الأوراق المطلوبة او يدخلونهم خلسة من وراء نقاط الحدود. والراحلون عبر هذا الطريق يقطعونه بالحافلات، وكلفة الرحلة من بيروت إلى بلغاريا أكثر من 9 آلاف دولار أمريكي للمسافر الواحد، ولكن الأسعار تتفاوت بعد الوصول إلى بلغاريا وحسب الجهة المقصودة، وما يميز هذه الرحلة أنها عبر الحافلات المريحة وليس في شاحنات او مشياً على الأقدام في معظم الأحيان.
وأكد وكيل السفر أن لديه عملاء في السفارات الأوروبية الذين يقومون بتسهيل التأشيرات لزبائنه مقابل رشاوى معينة.

تركيا- اليونان عبر البحر

وقد يختار اللاجىء السوري طريقاً آخر عبر البحر، حيث يركب القارب من تركيا إلى اليونان.
وبحسب سورية مسيحية قدمت اسماً مستعاراً (حنة) قالت أن ابن أختها كان جندياً في الجيش السوري وهرب عبر قارب سياحة (كروز) حيث قالت ‘كان جندياً في الجيش السوري وقتل كل رفاقه في الوحدة أثناء القتال، وبعدها قررنا إخراجه من سورية’.
وأضافت أنه ‘عندما وصل تركيا قدم له المهربون عدداً من الخيارات للعبور إلى اليونان: عبر قارب مطاطي مقابل 2700 دولار أمريكي او قارب تجديف بكلفة 4000 دولار أمريكي او أن يدفع 5400 دولار على متن قارب سياحة’.
ولم يكن خيار قارب التجديف مناسباً خوفا على حياته لأن صديقة لها هربت بهذه الطريقة وعندما قام المهربون بحشد أكبر عدد من اللاجئين فيه انقلب وكادت أن تغرق هي وابنتها.
وتقول إنها تعرف عن 100 صديق وعائلة سورية تم تهريبهم بهذه الطريقة خلال الأشهر الماضية، ‘وعندما يصلون إلى اليونان يقوم المهربون باستقبالهم وتزويدهم بالوثائق المطلوبة لمواصلة رحلتهم’. ويقول أحد المقاتلين السابقين واسمه سالم والذي هرب إلى اليونان أن هناك مهرباً عراقياً يعرف بأبو إبراهيم، و’لديه اكثر من 5 آلاف جواز سفر مسروقة، ويأتي إليه الاشخاص ويعطونه صورهم التي تشابه الصور على الجوازات، وإن لم تجد جوازاً يناسب صورتك فإنهم يقومون برشوة عاملين على الزوارق السياحية وتصل إلى السويد بهذه الطريقة ولكن يجب ان تدفع 6111 دولارا أمريكيا’.
ويقول أحمد، من حمص، أنه سيزور عائلة صديقه في كوخها الجديد على جبال الألب في سويسرا حيث قال ‘لقد قضت ستة أشهر تنتظرحتى وصلت إلى هناك ودفعت حوالي 40 ألف يورو وانتظرت أشهراً حتى وجد المهرب جوازاً يحمل صوراً تماثل صور أفرادها’.
ويقول ‘وفي النهاية حصل المهرب على جوازات لعائلة بولدين وبنت، ولصديقي بنتان وولد، وفي المطارتنكرت البنت على شكل ولد’.
فلم تعد سورية مكانا لتربية الأولاد وتنشئتهم فيها بسبب الحرب، ربما توفر جبال الألب المناخ المناسب لهم.

استنفار في الشمال

ومع استمرار الرحيل السوري تستمر المعارك، وقد أحرز النظام تقدماً في الشمال وحول دمشق حيث سيطر على بلدة الحجيرة في ضواحي العاصمة، واستدعى التقدم الذي حققه الجيش السوري الجماعات الجهادية لإعلان النفير العام في صفوفها فبحسب مراسل صحيفة ‘الغارديان’ مارتن شولوف في بيروت قال إن الجهاديين دعوا للتعزيزات لمنع تقدم متوقع للجيش السوري في حلب في أول تقدم له في المنطقة منذ 16 شهراً في عملية ستمتحن قدرة الجهاديين الذين يسيطرون على المنطقة. وتقول الصحيفة أن مناوشات حصلت في جنوب- شرق المدينة، المنطقة الواقعة تحت سيطرة المقاتلين منذ اقتحامهم لها في منتصف العام الماضي.
وفي الوقت الذي لم تبدأ فيه المعركة الحاسمة إلا أنها ستقدم صورة عن الطريقة التي سيواجه فيها الجهاديون التقدم الحكومي، وتحاول جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ منع تقدم الجيش السوري فيما بعد القاعدة العسكرية المعروفة بقاعدة 80 لأن أي تقدم خلفها يعني تهديداً مباشراً للمناطق التي تقع تحت سيطرة الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة ومعها خطوط الإمدادات من الذخيرة والمعدات اللوجيستية القادمة من تركيا، وقد استطاعت هاتان الجماعتان خلال العام الماضي إدخال مقاتلين ومعدات واسلحة ومواد غذائية بشكل مكنهما من إقامة شبة إمارة إسلامية في الشمال.
وهذه المرة الأولى التي سيواجه فيها الجهاديون عملية عسكرية كبيرة للجيش السوري الذي عزز قدراته وجود مقاتلين من كتيبة أبو الفضل العباس المكونة من متطوعين عراقيين.
ويرى التقرير أن معركة في الشمال تعبر ولأول مرة عن الطريقة التي انحدرت فيها الحرب السورية إلى حرب طائفية فستتلاقى قوات الجيش المدعومة من جماعات شيعية مع المقاتلين السنة الجهاديين.
وتتكون قوات هذه الجماعات في المعظم من المقاتلين الأجانب الذين جاءوا من العراق، فيما عبر أخرون من الطريق الأسهل عبر الحدود مع تركيا، وقد استفاد الجهاديون من هذا الطريق السهل.
ويشير الكاتب ان سهولة تحرك المقاتلين عبر تركيا إلى سورية أدى لإثارة تكهنات حول دور لحكومة أنقرة في تسهيل عبورهم خاصة أنهم مقاتلون أشداء قادرون على تهديد ومواجهة القوات الحكومية السورية.

تركيا هي السبب

ونقل التقرير عن قائد من قادة المقاتلين وهو حاج أبو عبدالله ‘ بأي طريقة أخرى يمكنك تفسير هذا؟’ مضيفا أن تركيا ‘بوابة مفتوحة، ونحن نخسر الحرب ولا ننتصر فيها بسبب تركيا’، ويوافق قائد آخر على هذا الموقف بقوله ‘نخسر المعركة مع مرور كل شهر، وهناك سياسة واضحة تقوم على تمكين القاعدة من الفوز بالحرب، وفي المقابل إضعاف مواقعنا بدرجة لا نكون فيها قادرين على الإحتفاظ بمواقعنا’. وترفض الحكومة التركية هذه الإتهامات جملة وتفصيلاً وبحسب الناطق باسم وزارة الخارجية الذي نقلت عنه الصحيفة قوله ‘نحن لا ندعم ولا نتسامح مع الجماعات المتشددة الإرهابية، فليس من المعقول أن يقوم بلد عانى من الإرهاب لزمن طويل بفعل أمر كهذا بل بالعكس فنحن نتعامل مع هذه الجماعات على انها خيانة للثورة’. وتقول تركيا أنها تستقبل سنوياً أكثر من 30 مليون زائر، وتبنت سياسة دخول العرب بدون تأشيرات وتمنح تأشيرات للزاور الأوروبيين حالة وصولهم المطار.
وتقول إنها لا تستطيع وقف زوار يحملون جوازات سفر حقيقية إلا إذا كان هناك سبب قانوني يستدعي هذا. وقال المتحدث باسم الحكومة أن تركيا بحاحة لتعاون اطراف اخرى ثالثة لتحديد طبيعة وهوية الأفراد.
وتثير أعداد المقاتلين الأجانب في سورية قلق الدول حيث زاد عددهم في الأشهر الأخيرة وهناك الكثير من السياح العرب ممن يتجاوزون مدة الزيارة الممنوحة لهم في تركيا، وقام معظمهم باجتياز الحدود إلى سورية ولم يعودوا.
ولوحظ أن رحلات الطيران الداخلي من اسطنبول الى جنوب تركيا دائماً مكتظة بالمسافرين الذين هم في طريقهم للتطوع في الحرب السورية، وعادة ما تستخدم البلدات الحدودية مثل أنطاكية وريحانلي وكيلس كنقاط راحة للمقاتلين في داخل سورية.

قصة عنف

ولا يثير التشدد الجهادي خوف القوى الدولية فقط بل والجماعات المقاتلة التي اصبحت تتأثر من ممارساتها المتشددة، حيث قامت بقتل أحد قادة أحرار الشام’ واسمه محمد فارس، حيث اعترفت ‘داعش’ لاحقاً أنه قتل عن طريق الخطأ واعتقاد من قطعوا رأسه أنه من مؤيدي الأسد او الشبيحة.
وكانت ‘هيومان رايتس ووتش’ قد وثقت ما ارتكبه مقاتلو الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في جبال الأكراد الصيف الماضي حيث هاجموا قرى علوية، وقالت جيوفان دي جيوفاني في تقرير لها نشرته مجلة ‘نيوزويك’ إن الممارسات كانت انتقاماً لمجزرتي البيضة وبانياس اللتين ارتكبتهما ميليشيات النظام في أيار (مايو) الماضي فيما يرى البعض أنها رسالة للأسد انه لم يعد هناك مكانم آمن في سورية حتى في مناطق العلويين.
وبحسب المجلة فقد هاجم المقاتلون الجهاديون القرى في ريف اللاذقية وقتلوا بدون تفريق النساء والأطفال والعجزة.
وقالت أنهم تركوا الجثث لتتعفن تحت حر الشمس، فيما عثر على بعضها معلقا بالأشجار، وأخرى في مقابر جماعية. ونقل التقرير عن شاهد عيان قوله إنهم أي المقاتلين كانوا بالزي الأسود، ومدججين بالسلاح ومعهم القناصة. واحصت المنظمة الأمريكية 67 شخصا قتلوا.
وأشار التقرير الى بيان الإئتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة الذي ابعد نفسه عن هذه الممارسات ودعا لمواجهتها. وشجب نجيب الغضبان المجازر، مشيراً إلى أنهم يكافحون لاستبدال النظام الديكتاتوري بآخر ديمقراطي، ولكن الغضبان قال إن المجازر فظيعة ويجب النظر إليها في سياق الجرائم التي ارتكبها النظام ضد المدنيين، قائلاً إن 120 ألف سوري قتل منذ بداية الحرب، فيما يقتل يوميا ما بين 50-150 معظمهم من المدنيين.
وتقول المجلة نقلاً عن صحافية في دمشق إن المجزرة تم التغطية عليها من قبل النظام والمعارضة ‘ وكأن العلويين يشعرون بالخجل للحديث عن مجازر حلت عليهم كانوا لا يتوقعون حدوثها’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية