سوسيولوجيا الثورة المضادة في اليمن

حجم الخط
0

‘في كل بلد عانى تجربة الثورة اشتبك الثوريون من جهة والاصلاحيون وخونة المستقبل من جهة اخرى’، هي عبارة الفرنسي ريجيس دوبريه في كتابه ‘ثورة داخل الثورة’ وهي ذاتها العبارة التي يبدأ بها غالي شكري كتابه ‘الثورة المضادة في مصر’.. وهي ذاتها العبارة الافتتاحية لمن يريد ان يحلل واقع الثورات المسروقة في الربيع العربي. فقد اظهر الشباب حماسا منقطع النظير ورغبة في التغيير والنهضة، الا ان مظاهراتهم وانتفاضاتهم اتصفت بسوء التنظيم والقيادة، الامر الذي مكن الاحزاب الانتهازية من الظهور الاعلامي والجماهيري كواجهة سياسية للانتفاضات الشبابية والشعبية، ومن هنا ظهر اول ملمح في الانحراف عن مسارات الربيع.
وللعلم ووفقا لمنطق التاريخ وتجاربه فان القوى الانتهازية المستملكة للدولة والثروة غالبا ما تندس في اوساط مظاهرات وانتفاضات شعبية، أو تدفع بآلاف من الشباب الى مظاهرات مماثلة حتى تعيد تنظيم صفوفها وتدافع بضراوة عن مصالحها ضد فئات وجماعات وافراد كانت تتورع عن المصادمة معهم، وهذا ما حدث في ربيع العرب واليمن خصوصا.
واذا كنا في اليمن قد ثرنا خلال المئة عام الاخيرة خمس مرات متتابعة، لكن المكسب السياسي والاجتماعي كان حليف القوى الانتهازية المتحالفة مع الخارج، ولم يحقق الشعب اي نجاح يذكر سوى في امور مظهرية وشكلانية. ونحن في اليمن نعيش ثورة مضادة مستمرة خلال قرن كامل.. فالاستقلال عن الاتراك 1917 لم يعقبه ما تم الاتفاق عليه بين مختلف القوى الوطنية من الشورى والتحديث وبناء الدولة الوطنية، بل كان الاحتكار الكامل للسلطة وتوريثها في أسرة ضمن مزاعم تاريخية ولاهوتية مفارقة للمنطق وللسياسة. ومع ثورة 48 رغم وضوح الفكرة من خلال مشروع الدستور الا ان ذات الفئات الاجتماعية التقليدية الراغبة في التغيير لم تكن لترغب اكثر من احلال أسرة بدلا من اخرى، ضمن البنية السياسية والاجتماعية المنغلقة على ذاتها. ومع ثورتي سبتمبر 1962 واكتوبر1963 حقق اليمن قدرا من المتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، بفعل نشاط المواطنين في الداخل والمهاجرين والدعم الخارجي، وتم فرض منطق الدولة بنظامها الجمهوري بدلالاته السياسية والاجتماعية. الا ان الصراعات على السلطة والانقلابات المتتابعة (عشرة انقلابات في الشمال والجنوب في اقل من عشرين عاما) ثم الاستملاك للسلطة من طرف القبيلة وحلفائها، تم على اثره اقصاء كل رموز الثورة وقياداتها ومناضليها وتأسست سلطنة تحت اسم جمهورية في شمال اليمن.
وهنا كان الانتهازيون والباحثون عن الغنيمة هم نجوم المجتمع، ورافق ذلك ما نراه حاليا من دعوات حزبية وحركية لمزاعم جديدة في شعارات سياسية تعلن حق هذه الاحزاب في الاستملاك السياسي للدولة والمجتمع وفق نظرية التوحد الكامل بين الارض والسماء، في انموذج مفارق للوعي وللمنطق وللواقع بكل متغيراته، وهو انموذج تم سحبة من كاثوليكية العصور الوسطى ليعاد انتاجه في بيئة ومجتمع مغاير في تاريخه ونسقه المعرفي والديني بصحيحه. وتزايدات الممارسات السياسية من احزاب ادعت انها في صف الثورة، وهي تسعى جاهدة لؤاد الثورة والتنكر للثوريين والمناضلين وتدمير اقتصاد المجتمع، بل واعتماد سياسات معادية له، وهنا تستكمل حلقات الثورة المضادة المستمرة من مئة عام في واقع اجتماعي لم يتبلور طبقيا، ولاتزال العلاقات الاولية تشد الافراد، ومنهم الحزبيون والمثقفون نحو اطر جهوية سابقة للدولة.
ان منطق المحاصصة والغنيمة الذي تم اعتماده مع المبادرة الخليجية، وكأهم مخرجات الحوار الوطني، يعتبر احد اهم وجوه الثورة المضادة التي تعصف بمفاهيم وقيم الجمهورية والمواطنة، تحقيقا لرغبات احزاب ذات قيادة بائسة وبليدة، لكنها في مقدمة الصفوف في الغنيمة والاستملاك السياسي للمقاعد الحكومية.. وخلال السنوات الماضية لم يكن للاحزاب اي دور تنويري (سياسيا وثقافيا) ولم تكن في صف المجتمع والفقراء، بل كانت دوما تهرول نحو النظام ومغانم الارتباط به. وهنا اظهرت التجربة اليمنية قيادات سياسية وحزبية وقبلية تعمل وفق تكتل وتحالف معاد للشعب ومصالحه في الجمهورية والمواطنة والديمقراطية.. لكنها جميعا منقادة كالقطيع نحو اربابها في الخارج الاقليمي والدولي.. وتتم دوما السخرية من الشعب وتطلعاته ونضالاته، سواء من خلال خطاب ديني زائف لا يعبر عن حاجات المواطنين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، او من خلال خطاب يساري وقومي بائس ومفارق للواقع المعاش، او خطاب تهريج من الحكومة يعكس فسادها اللامحدود. وهنا لا يجد المجتمع ايا من الروافع التنظيمية والحزبية التي تعبر عنه وتمثله، وهو واقع بين قوى سياسية وحزبية ليست الا وكلاء للخارج بالتنسيق مع اعداد قليلة من رموز البرجوازية الطفيلية التي تشكلت خلال سنوات الثورة المضادة.
واكثر مظاهر الثورة المضادة ما تشهده بلادنا حاليا من تنكر الحكومة والرئاسة للشعب وللشباب الذين اوصلوهم الى مقاعد السلطة، فتنكروا للشهداء والجرحى وانزلوا بالشعب عقابا جماعيا، من خلال قطع الكهرباء لعشر ساعات يوميا، واختلاق ازمات النفط ومشتقاته وتعميم الفوضى الامنية واعتماد اجراءات تزيد من الافقار والبطالة، ودونما اي التفات للمطالب الشعبية التي رفعها الشباب خلال انتفاضتهم الربيعية من قبيل الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة، وانفاق موازنة الدولة في امور ترفيهية واستهلاكية دونما اهتمام بحاجات المواطنين الاساسية. فقد تم تشويه متعمد لمسار التطور الاجتماعي والسياسي خلال العقود الاربعة الماضية، فبـــــدلا من تعزيز حضور الدولة تم تعزيز حضور القبيلة، وبدلا من نشر قيــم المواطنة والقانون والمدنية تم تعميم قيم القبيلة والثقافة السلفية، وبدلا من الاصطفاف الحزبي والطبقي تم احياء النزعات الجهوية لخلق تكتلات وفقا لها. ونحن في اليمن نشهد تغييبا متعمدا لما تبقى من اجهزة الدولة لصالح مراكز القوى التي استطاعت ان تكون حاضرة في المشهد العام بقوة تنظيمها واموالها، وان تشتت القوى الصاعدة خاصة الشباب، وتستقطب بعضهم وتعاقب البعض الاخر، والايحاء بان التقرب منها ضرورة للصعود الاجتماعي والترقي الاداري باجهزة الحكومة، وهنا تم تشويه التشكل الطبقي والتدخل في رسم حدوده ومظاهره.
وعليه نحن نعيش ثورة مضادة خلال قرن كامل، رغم حيوية الشعب وديناميته في الخروج نحو التغيير والتطلع للمستقبل ورفع شعارات حداثية، الا ان القوى التقليدية استطاعت بالتحالف مع العسكر والاحزاب البائسة ان تسيطر في كل مرة على مسار التغيير وتجعله في خدمتها، وهي ذات تحالف استراتيجي مع الخارج الاقليمي والدولي تمرر مصالح ذلك الخارج مقابل دعم بقائها في السلطة، بل انها عطلت مفاعيل الجغرافيا السياسية اليمنية لصالح انظمة وصفقات تخدم ذلك الخارج ضدا من مصالح الوطن والشعب. والدولة والحكومة في بلادنا ما هي الا ادوات وآليات لتعظيم دور الثورة المضادة، وليست ادوات وآليات للبناء السياسي وتحسين معيشة المواطن، بل ان الانقلاب على مسار التغيير يتم من خلال الدولة ذاتها.

‘ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية