‘سوسيولوجية الدولة المغربية’: الدولة المغربية في الفكر السياسي لجاك بيرك

حجم الخط
0

عبد الحق ميفرانيصدر ضمن سلسلة ‘المعرفة الاجتماعية السياسية’، كتاب الباحث عادل المساتي ‘سوسيولوجية الدولة المغربية’ إسهام جاك بيرك في طبعة أولى السنة الماضية. يقع الكتاب في 192 صفحة مع تقديم للأستاذ أحمد بوجداد منسق مجموعة الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والسياسية في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال ـ الرباط. موضوع الكتاب أساسا بحث جامعي قدمه الباحث عادل المساتي سنة 2007، وعن سؤال لماذا الدولة عند جاك بيرك، يؤكد الباحث أن أي اختيار لموضوع الدولة في المغرب، من شأنه أن يعمق معرفتنا العلمية بالموضوع، وأعمال جاك بيرك تأتي في مقدمة الأبحاث الرصينة التي أنجزها باحثون أجانب حول المغرب بقصد إغناء البحث العلمي. كما تستجيب هذه الرغبة لسبب موضوعي ذي طبيعة علمية يكمن في تنمية البحث العلمي في حقل العلوم السياسية بالانفتاح على ما توفره رؤية التحليل التاريخي والسوسيولوجي والأنتروبولوجي من أبعاد، الى جانب سبب ذاتي يكمن في الرغبة توفير بحث للقارئ العربي من إنتاجات جاك بيرك، وباللغة العربية، وينحو البحث رصد علاقة إنتاج جاك بيرك بتطور الدولة في المغرب.

فمقاربته تميل الى التشبث بالجذور، وهكذا نرصد معه نشوء الدولة في المغرب منذ منتصف القرن 16، وقد سلط الضوء على مختلف النزعات التي كانت ترغب في الوصول الى السلطة سواء الدولتية أو التي تتلمس تكريس مشروعيتها. بعد الاستعمار، يشعرنا بيرك بضعف الدولة الكولونيالية بالمغرب خاصة من الناحية السياسية وقد ركز على انبعاث الوطنية وتبلورها الى حد استرجاع الاستقلال، ولا يخفي بيرك التأثير الاستعماري.

بعد مجيء الاستقلال، أصبحت الحداثة مغاربية. إن الاهتمام بالدولة في المغرب في كتابات جاك بيرك يجعلنا نكتشف بداية تشكلها وكيف تبلورت فكرتها وما هو المسار الذي سلكته. من هنا، أهمية الصورة التي يقدمها بيرك عن التطور السياسي بالمغرب معمقا بتحليل للتطورات الاجتماعية والاقتصادية وذلك منذ بداية الحماية حتى مرحلة متقدمة من الاستقلال مرورا بـ ‘محاكمة’ بيرك للمرحلة الاستعمارية.

في بحثه القيم حول سوسيولوجية الدولة في المغرب من منظور كتابات جاك بيرك، وزع الباحث عادل المساتي كتابه الى ثلاثة فصول يتناول أولها نشأة الدولة المغربية وانتشارها المجالي. بينما خصص الفصل الثاني لرصد فعل الدولة وهي في يد الاستعمار، ومدى حدود هذا الفعل في الارتباط مع قضية التغيير. الفصل الثالث يتناول تقييم بيرك للحصيلة الاستعمارية ولفترة الاستقلال الى حدود تتجاوز الـ 70، وقد قدم الباحث عادل المساتي هذه الفصول بمقدمة تأطيرية الى جانب محور تعريفي يقدم لبيرك وأعماله ومكانة المغرب في إنتاجه فضلا عن مكانته هو في الكتابة المغربية.

ـ ‘العلامة’ جاك بيرك(1910ـ 1995(توزعت أعمال جاك بيرك (165 عملا ً فكرياً) بين علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي (70 عملا ً)، والتاريخ الاجتماعي (43)، والقانون وعلم الاجتماع القانوني (17 عملا ً) والتاريخ (35). لقد عمد جاك بيرك الى المزاوجة بين السوسيولوجيا والتحليل التاريخي في دراسة المنطقة العربية والمغاربية والمغربية بشكل خاص. وقد سبق للباحث عبدالرحيم عدناوي أن قارب هذا الإنتاج وأطره زمنيا وفكريا ضمن ثلاث مراحل:

الأولى (1935 ـ 1946) السوسيولوجية الكولونيالية، كان بيرك حينها موظفاً مخلصاً لدى سلطات الحماية في المغرب ويعول ‘عليها في تحديث شامل للمغرب’. المرحلة الثانية (1947ـ 1955) أصبح بيرك يكتفي برصد الواقع ويعمل على تحليل الجوانب المختلفة للنظام التقليدي.

المرحلة الثالثة (1953 الى وفاته) دشنها بمؤلفه الضخم ‘البنيات الاجتماعية للأطلس الكبير’ تمت قطيعته مع توجه السوسيولوجية الكولونيالية إذ عمد الى نقدها لينحو الى إنتاج أعمال ذات صبغة تركيبية ليطرح نفسه كعالم اجتماع يحلل ظواهر تصفية الاستعمار والعلاقة بين الخصوصية والعالمية.

ولد جاك بيرك في مدينة وهران في الجزائر، والده أوغسطين بيرك أنتج الكثير من الكتابات السوسيولوجية والأنتروبولوجية عن الجزائر. في 1930 أدى الخدمة العسكرية في المغرب، بعدها عين مراقبا مدنيا في البروج ثم نائبا بلديا في فاس، ثم مراقبا مدنيا في منطقة ايمنتانوت (1947). عام 1955 خولته أطروحته قصد نيل الدكتوراه أن ينتخب أستاذا في ‘كوليج دو فرونس’ حيث سيشغل كرسي ‘التاريخ الاجتماعي والإسلام المعاصر’ (1956)، عين مندوبا لليونيسكو في مصر (1960). جاك بيرك من العلماء والباحثين الفرنسيين القلائل الذين عمدوا الى إدخال طرق ورؤى جديدة في دراسة المنطقة المغاربية، والمنظومة الإسلامية عامة، فقد عمد الى المزاوجة بين فضائل السوسيولوجية والتحليل التاريخي.

ـ الدولة المغربية من منظور جاك بيرك:

يؤكد الباحث عادل المساتي أن بيرك يتميز في منهجه بالرغبة في العودة نحو الجذور، وفق أسلوب عصي على التتبع بـ ‘طابع الغرابة’ والتعقيد. لقد حققت كتابات جاك بيرك قفزة نوعية في الكتابة عن المنطقة المغاربية والعربية. فهو يتبنى منحى نقدياً بناء، رافضا تنقيص إسهام المنطقة التاريخي، يسبر أغوارا في المغرب لم يجرؤ أحد على الذهاب نحوها قبله.

يهتم جاك بيرك بمسألة الدولة في المغرب من حيث تتبع نشأتها وأطروحته تقوم على أن الأطراف المالكة للسلطة الدولتية في المغرب أو الطامحة إليها هي ذات قدرات متفاوتة. إن التاريخ المغربي، حسب بيرك، لا يفهم إلا في سياقات مختلفة من بينها السياقات القبلية والموفولوجية عامة. لقد أجهد بيرك نفسه ليوضح للقارئ أن السلطة التي كانت تتجه نحو المركزة بالمغرب تستوحي حقا من نموذج الدولة بمفهومها الحديث.

ـ الحاجة الى جاك بيرك:

يسهب الباحث عادل المساتي في التأكيد على أن إنتاج بيرك مهم ويستحق العناية من قبل المغاربة ذاتهم، لذلك يدعونا الى العودة الى بيرك لأن الحاجة إليه ما زالت دائمة، فحتى خلاصة الكتاب أعادت بازدواج تأسيس هذه الرؤية لرجل دعانا ‘الى إعمال العقل في الأشياء، والى الأشياء في إعمال العقل’ وكما أكد المفكر عبدالله العروي ‘إن جاك بيرك يرفض التعميم’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية