سوسيولوجية العنف الأيديولوجي

تعتبر الدورة الزمنية بمثابة الإطار الطبيعي والنموذجي لتفاعل العلل التاريخية، بمجموع تمظهراتها المجتمعية الموجهة إلى حد ما، بقوانين يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، حيث لا يمكن – على سبيل المثال لا الحصر – فصل توتراتنا السياسية والثقافية، عن الأنساق الأيديولوجية المزامنة لها. ذلك أن اتساع حلقة التفكير في الغموض العام الملازم لطبيعة الكون، يتكامل عضويا مع اتساع حلقة التحشيد التدميري والعدواني، الذي تمارسه الديكتاتوريات المؤدلجة على من هم دونها قوة. وضمن مفارقة هذا التكامل سيكون بوسع كل حقل معرفي، أن يهتدي بطريقته الخاصة إلى علاقات القرابة الخفية القائمة بين الحلقتين. كما سيكون بوسعه أن يهتدي إلى مفاصل التأثير والتأثر المتبادل بينهما، ويتعرف على الكائنات الفكرية والمجتمعية الهجينة أو السوية، المتناسلة تباعا من رحم هذه العلاقة.
تحضرنا هنا، نسبة غير قليلة من الخطابات المدججة بعنفها المذهبي، والتي تتمكن من بسط هيمنتها على المحافل السياسية والثقافية، بفعل ما تتمتع به من سلط، تمارس بها هيمنتها الممنهجة على عقول الخاصة والعامة، بالنظر للحمولة التبشيرية التي دأبت على ترويجها، والموحية بحضور عمق عقلاني وفكري، مؤطر بكافة الإواليات الواعدة بحلم «الخلاص» من ربقة التوجهات التيئيسية والظلامية. علما أن التوجه ذاته، وبكل ما يضمره من عنف نظري، يظل باستمرار، الحجر الأساس المحتفظ بتوهجه عند خلفية كل الخطابات والنقاشات المؤدلجة، السائدة في الفضاءات الإقليمية والعالمية. وهي في الغالب، متشحة بأكاذيب مقولات الاختلاف ومشتقاتها، على غرار ثنائية التفاهم والتسامح، لكونها وبكل بساطة، خطابات جاهزة لأن تكون الشيء ونقيضه، أي الصوت الذي تنتشي دوائره المغلقة بموسيقاه القزحية، وفي الوقت نفسه اللهب الملتهم للمنابر المناوئة لجمالية هذا السماع، فضلا عن قدرته على أن يكون موضوع ترحيب هنا، كلما استهدف بالطرد من هناك.
ولعل زئبقية الحضور التي يتميز بها هذا الصنف من الخطابات، هي التي تؤمن له الحماية من كل تآكل محتمل، بدون أن يكون بالضرورة متماهيا مع أي راهن مجتمعي، بالنظر لما يحفل به منطوقه من وعود مستقبلية مؤجلة، قريبة الشبه بتلك الطريدة الوهمية، التي تتراكض الكلاب السلوقية خلفها، أملا في انتزاعها من قبضة المستحيل.
وبما أن القول الفصل في مصداقية أي ظاهرة ثقافية أو مجتمعية، يعود إلى قوة تفاعلها مع الإيقاعات الرمزية والواقعية للمعيش، فإن الخطابات المشحونة بعنفها الأيديولوجي، تستند في تكريس راهنيتها – وبمكر كبير- إلى تقمص التجارب التاريخية البارزة، التي تمتلك ربما بفعل صدفة مبيتة بعضا من خصائصها. وعبر هذا التقمص تغدو تميمة سحرية، لا يمكن الاستغناء عنها في منازلة «الأرواح الشريرة» و«الشرائح اللاتاريخية» التي يحدث أن تعترض طريق الكائن في حياته الخاصة أو العامة. علما بأن تحقق مبدأ التماهي/المطابقة، بين ما يطرحه الواقع من تساؤلات، والأجوبة المقترحة من قبل الفكر، يظل محكوما ومؤطرا بتلك التقلبات المفاجئة، التي تتعرض لها قوانينها الداخلية، ما يؤدي بالكثير من الفرضيات النظرية إلى فقدان فعاليتها الإجرائية، التي حدث أن أكدت فاعليتها في سياقات سابقة، كي يظل مشروع التماهي/المطابقة، حبيس بؤسه اليوتوبي، ومتوجا بهالة شاحبة، يتعارف عليها بالحتمية والعقلانية. ومع ذلك، فإن السلط المؤدلجة، تسعى إلى توسيع رقعتها في قلب هذا الالتباس، بدون أن تفلح في صرف انتباهنا، عن هوس الذات الفردية المسكونة بممارسة الهيمنة، وراء حجاب عقل يدعي تبنيه للمصالح العليا والمشتركة. وهو بالمناسبة، هوس مدجج بأسلحته البدائية المستميتة على الاستفراد بما يعتبره حقائق منزهة عن كل نقض، حيث لا تلبث أن تتحول تدريجيا إلى سلطة متعالية، وقمعية، مباركة من قبل حوارييها وأتباعها المغلوبين على أمرهم.

يمكن تشبيه طقس توسيع الرؤية الأيديولوجية لمساحات تفاعلها، بطقس التعاقدات الاضطرارية، التي تتخلى فيها الذوات عن خصوصياتها المشوبة بهاجس الهيمنة، كي تنخرط في واجب العمق اليوتوبي، المقترن بما هو مشترك وجمعي.

ذلك أن الرؤية اليوتوبية، وأسوة بالرؤية الأيديولوجية، تستمد وجودها من حلمها الجماعي والمشترك، بتملك ما يتعذر تملكه، وما هو في حكم المستحيل. إنها تتقمص بذلك صوت وصورة المستقبل المؤمل استشرافه، بإواليات غالبا ما تكون متقادمة ومستهلكة، مع العلم أن صدق النوايا، ويوتوبية التطلعات لا تفضي بالضرورة إلى أي أفق موضوعي، كما أن صدق التمثل اليوتوبي، بوصفه قيمة أخلاقية، لا يعني توفره بالضرورة على مطلب الحصافة المنهجية، في مقاربة الإشكاليات العالقة، بمختلف مستوياتها ومرجعياتها.
عموما، سيكون من الصعب وضع خيط فاصل بين آلية الهوس الذاتي المسكون بهاجس الإخضاع، وآلية اشتغال العقل الجمعي والموضوعي، لأننا كلما حاولنا تفريغ هذا الأخير من تداعيات الاختيارات الذاتية، فإننا نجد أنفسنا حتما أمام عقل مجرد آلي، ومنفصل تماما عن جدليات المعيش. وأيا كان مسقط رأس هذه المنظومات المذهبية أو تلك، فإنها ستأخذ على الدوام، شكل بذرة قابلة نظريا للاستنساخ وللاستنبات، على ضوء مقولة روح العصر، التي تظل بدورها عبارة عن ترجمة غائمة، لوضعية تعميمية وتبريرية. فالأمر يندرج دائما ضمن رهانات نحت المفاهيم، التي لا تلبث أن تتنكر للأصل في وجودها، كي تتحول تدريجيا إلى سلطة، انسجاما مع سيرورتها التي تكون فيها مطالبة بانتزاع مصداقيتها، عبر توظيفها لكل السبل الديماغوجية المتاحة، تلافيا لافتضاح عجزها الإجرائي .
في السياق ذاته، يمكن تشبيه طقس توسيع الرؤية الأيديولوجية لمساحات تفاعلها، بطقس التعاقدات الاضطرارية، التي تتخلى فيها الذوات عن خصوصياتها المشوبة بهاجس الهيمنة، كي تنخرط في واجب العمق اليوتوبي، المقترن بما هو مشترك وجمعي. وهو تصور ينحو بنا جهة التأكيد على أن البناء النظري، يكون قابلا ”بفعل هيبته” لأن يأخذ شكل مسلمة معززة بقوانينها الملتبسة. أما مصدر هذه الهيبة، فتتمثل في طبيعته التجريدية الصرفة، والمتمنعة على التفكيك، خاصة من قبل التوجهات الشعبوية. وإذا ما كانت واردة إمكانية اضطلاع الأيديولوجية بدور الدليل، في حالة احتفاظها بنسبيتها وانفتاحها، إلا أنها لا تلبث أن تتحول إلى أداة تدميرية، فور تدثرها بمسوح العقيدة المنزهة عن الخطأ.
إن الأيديولوجية من هذا المنطلق، تؤكد انتماءها إلى عالم خيالي ومتعال، وفي الوقت نفسه، ترسخ هويتها بوصفها مختبرا نموذجيا لتصنيع الأقنعة، وتوحيد الهجنة الناتجة عن مبدأ التزام الأفراد بالتنازل عن قناعاتهم الشخصية، التي غالبا ما يدرجها الضمير الجمعي في خانة العاهات الواجب استئصالها. إلى جانب ذلك، تؤكد الأيديولوجيا وضعيتها بوصفها دائرة مغلقة، باعتبار أن إبدالاتها، ليست في الواقع سوى النماذج الأيديولوجية المضادة لها. غير أن هذه الظواهر التي تبدو متماسكة إلى حد ما، لا تلبث أن تكشف عن دواخلها المتفككة في حالات الانفجارات العشوائية، التي تشل حركية الشعوب، حيث يتسبب جحيم القتل والإبادات مثلا، في هدم مسالك القناعات الفردية والجماعية على السواء، والفتك بما يترنح في أجوائها من أيديولوجيات، كي لا يبقى ثمة شيء، سوى الحلم بأيديولوجية عصية ومتمنعة، هي أيديولوجية النجاة.
وبالنظر إلى ترعرع الأيديولوجيا في مسكن القرابات الظرفية، وتحت سقف الروابط العائلية والقبلية المؤقتة، فإنها تظل مؤطرة ببعدها العابر، الذي يمكن أن يتجدد أو يفنى هناك. ولعل الإحساس الدفين بمأساوية هذا العبور، هو ما يؤثر في شحن بطاريتيها معا، أي» النزعات الفردية، واليوتوبيات الجمعية”، بطاقة استثنائية، قوامها العنف المضاعف، الذي يتحين فرصة انفجاره، كلما أعوزته القدرة على تبني استراتيجيات المداهنة المذهبية، ومناوراتها.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية