في موقع مميز وسط العاصمة السورية دمشق قريباً من ساحة المرجة «الشهداء»، وبين أشجار وارفة تلقي بظلالها على جانبي الطريق، تصطف عشرات المحال الأثرية إلى جانب بعضها البعض، ويعرض أصحابها مئات القطع الفنية الخشبية والقماشية والجلدية والمعدنية والزجاجية: إنه سوق المهن اليدوية في التكية السليمانية.
منذ افتتاحه في سبعينيات القرن الماضي، ازدهر هذا السوق وتحوّل إلى مقصد للسياح وللسكان المحليين على حد سواء، حيث كان يضم عدداً من أمهر حرفيي دمشق، واعتاد كثر منهم على الجلوس أمام محالهم أو داخلها وهم ينجزون قطعهم الفنية أمام الزوار مستعرضين مهاراتهم وذوقهم الرفيع.
لكن مرور السنوات أبى إلا وأن يترك أثره على حجارة هذا المبنى العثماني العريق والذي تحتاج أجزاء منه لعناية وترميم عاجلين، لتأتي الحرب مرخية بظلالها على السوق الذي يبدو اليوم شبه خالٍ من زوّاره، وعلى حرفييه الذين يُعتبر بعضهم من أواخر ممارسي المهن اليدوية المختلفة والتي يتقنونها أباً عن جد.
بناء عثماني قديم
يعود تاريخ التكية السليمانية إلى أواسط القرن السادس عشر، حيث أمر السلطان العثماني سليمان القانوني ببنائها لتكون بمثابة مكان يخدم الحجاج في طريقهم من تركيا وأوروبا إلى الحجاز، وأيضاً عابري السبيل والفقراء حيث يمكنهم الإقامة فيه بشكل مؤقت. صمم المعماري التركي الشهير آنذاك معمار سنان مبنى متكاملاً يمتد على مساحة تتجاوز عشرة آلاف متر مربع، وانتهى بناؤه بإشراف مهندسين مختصين عام 1559.
تتألف التكية من منطقتين غربية وشرقية، وهما تضمان مسجداً بمئذنتين، ومدرسة وحرماً للصلاة وصحناً سماوياً تحيط به أروقة، وغرفاً مسقوفة بقباب، وبحرة كبيرة مستطيلة الشكل. المنطقة بأكملها مبنية بطراز عثماني استانبولي مميز، كالمئذنتين النحيلتين الطويلتين المتناظرتين في الشكل والحجم وهو تصميم لم يكن معروفاً في دمشق قبل ذلك، وكذلك الزخارف التي تزين جدرانها والتي تعتبر مزيجاً من الفن العثماني والدمشقي.
وفي العهد العثماني، كان للتكية – التي تعني المأوى أو مكان الاتكاء والراحة – وظائف تتمثل في إقامة الشعائر الدينية خاصة للمتصوفين المتفرغين للعبادة بعيداً عن عالمهم الخارجي، وأيضاً التصدق وإيواء المحتاجين. وبذلك تحوّلت التكية السليمانية في دمشق إلى ملاذ للحجاج والمتصوفين وأيضاً الفقراء والمحتاجين وفي بعض الأحيان العاطلين عن العمل، حيث كانت وزارة الأوقاف في ذلك العهد تتكفل بمصاريف هذا المكان وسكانه، وهو ما يدفع للتساؤل أيضاً عن احتمال تسمية المكان بالتكية نتيجة اعتماد – أو اتكاء- زواره وسكانه على الدولة بشكل تام للحصول على احتياجاتهم.
بعد نهاية الحكم العثماني، وخلال سنوات الاحتلال الفرنسي لسوريا، كانت للتكية السليمانية استخدامات متعددة، كالتدريس وطباعة بعض المجلات، وأيضاً كمقر عسكري. وبعد استقلال سوريا تحولت لمدرسة إسلامية، ولملجأ للعديد من الفلسطينيين الذين هُجروا من بلدهم، ثم أنشئ في الجزء الغربي منها المتحف الحربي أواسط القرن الماضي، وتحوّل الجزء الآخر لسوق للمهن اليدوية، حيث بدأ عشرات الحرفيين بالعمل بمختلف مجالات الأعمال اليدوية التقليدية السورية والتي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من هوية وتاريخ البلاد.
مرور السنوات والحرب
السنوات الطويلة المتعاقبة تركت أثراً واضحاً على مباني وأحجار التكية السليمانية، حيث تصدعت وتشققت بعض الجدران والأسقف والأعمدة، وظهرت تعرجات في باحة المسجد بسبب خسوفات وتجويفات في الأرضية وخروج بعض الأحجار من مكانها.
ودفع ذلك إلى عقد اتفاقيات مع جهات تركية مختصة منذ أكثر من عشر سنوات، للبدء بإعداد دراسات تهدف إلى ترميم وإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل ان تتعذر إعادة الحياة لأحجار هذا المبنى العثماني العريق ويصل حالها إلى وضع كارثي. لكن الحرب وتبعاتها السياسية والميدانية أوقفت أعمال الترميم تلك إلى أجل غير مسمى حيث انقطعت كل خيوط التواصل بين البلدين، ولم تتكفل أي جهة محلية بعد بمتابعة العمل وإنجازه بالشكل المطلوب، وبقيت الأحجار متهالكة في انتظار من يكترث لحالها.
إهمال تبعته سنوات حرب طويلة خسرت فيها سوريا الملايين من أبنائها بين قتيل ومهجّر، وتراجعت مؤشرات الاقتصاد إلى مستويات متدنية غير مسبوقة، مما أرخى بظلاله على حرفيي التكية السليمانية كما معظم حرفيي البلاد، حيث كانت أعمالهم تعتمد بمعظمها على السياح الخارجيين القادمين إلى سوريا.
آخر الحرفيين والفنانين
عند مدخل سوق المهن اليدوية من الجهة الغربية، يجلس بعض أصحاب المحال متحلقين أمام اثنين يلعبان طـاولة الزهر. لا يكترثون كثيراً بالزوار القلائل الذين يتجولون بين الواجهات، ومعظمهم من أبناء المدينة على الأغلب، إذ تبدو متابعة اللعبة شيقة أكثر. قد يقطعها دخول أحد الزبائن لتفحص غرض ما أو السؤال عن سعره، وسرعان ما يعود الكل لمكانه.
تضم هذه السوق ما يربو عن عشرين حرفة، على رأسها الفضيات والحلي اليدوية، والحفر على الخشب والموزاييك والتطعيم بالصدف، والسجاد والمطرزات الشرقية وأهمها البروكار، والزجاج المعشق، والفخار، والجلديات، وصناعة الأعواد الدمشقية. لا يصعب على الزائر أن يرى كيف طالت نيران الحرب معظم ممارسي هذه الحرف في السوق اليوم، فاليد العاملة تقلّصت حتى حدودها الدنيا بسبب سفر الآلاف من فئة الشباب أو توجههم نحو أعمال ذات مردود مادي أعلى. وفي الوقت نفسه، ومع ارتفاع أسعار القطع المنتجة يدوياً، ينصرف السوريون عن شرائها فهي اليوم من الكماليات، ويغيب السياح والزبائن القادمون من خارج البلاد.
بعض المحال على الجانبين مغلق. صاحب أحدها ترك محله واختفى دون أثر منذ سنوات ولا أحد يعلم مصيره تماماً.
محل آخر كُتب على لافتته «مرسم ناجي عبيد ورغدة قاسم». عبيد هو فنان ورسام تشكيلي سوري تجاوز اليوم عامه التسعين، واشتهر بارتدائه النظارة السوداء، وتكديسه عشرات اللوحات في مرسمه، حيث أصر على بيعها بسعر رخيص بعيداً عن صالات المعارض. من أشهر لوحاته وأكثرها جذباً للزوار فيما مضى «عنترة وعبلة» و»الزير سالم» وغيرها من الشخصيات العربية الأسطورية، والتي اعتاد رسمها بذات الطريقة على الدوام، كما يتفاخر بامتلاكه لوحات لشخصيات تاريخية مثل الملك فيصل ويوسف العظمة والشريف حسين والملك حسين، وبأن حجم نتاجه الفـنــي تـجـــاوز الأربعة آلاف لوحة. المحل اليوم أيضاً مغلق ولا سـيـاح أو زوار يقفون لتأمل تلك الشخـصــيات التاريخــية على واجـــهــته أو داخـــله، حيث تمـــكـن المرض من عبــيــد وتعمل زوجته بين الفيــنة والأخرى على الاهتمام بحركة البيع، إن وجدت.
على جوانب الباحة الداخلية أمام المسجد، تتلاصق محال أخرى يبيع أصحابها السجاد اليدوي والخزف والبروكار واللوحات. في الزاوية اليمنى يجلس محمد رنكوس داخل محل صغير وأمامه نول خشبي قديم متوقف عن العمل. رنكوس هو من آخر الحرفيين الذين يتقنون أسرار صناعة البروكار الدمشقي، وهو قماش اشتهر بجماله وغلاء سعره حيث يصنع من الحرير والقصب ويستخدم للتزيين والملابس والمفروشات. إضافة لذلك، فالرجل الثلاثيني هو من أصغر صنّاع هذا القماش الدمشقي الشهير اليوم، ما يعني بأن لا أحد من شباب الجيل الجديد يكترث بتعلّم هذه الحرفة التقليدية العريقة، فهي صعبة وتحتاج الكثير من الصبر والتأني والإتقان. ومع وجود ما لا يزيد عن عشرة أشخاص فقط يتقنون حياكة البروكار، يعتبر رنكوس بأن هذه الحرفة الدمشقية الأصيلة «تدق ناقوس الخطر».
وفي الزاوية المقابلة، بالكاد يمكن سماع صوت نول السجاد الخشبي الذي يعمل عليه غسان وردة، وهو أيضاً من آخر صنّاع السجاد اليدوي في دمشق. النول لا يدور سوى ساعات قليلة في اليوم، بما يكفي لصناعة ما يمكن بيعه من البسط اليدوية، خوفاً من تكديس البضاعة دون وجود من يشتريها. يحتفي وردة بالزبائن القلائل الذين يقصدون محله، ويتحسر على زمان كانت فيه كل محافظة سورية تضم ما يدعى «سوق النوالة» أي مكان تجمع الأنوال اليدوية التي تنتج مختلف أنوع الأقمشة، في حين أن هذه المهنة اليوم «ما بتطعمي خبز».
لعلّ صناع وبائعي الحلي الفضية المشغولة يدوياً هم الأوفر حظاً اليوم، فلا تزال منتجاتهم مرغوبة إلى حد ما من الزبائن المحليين، على اعتبار أنها ذات أحجام صغيرة وتكاليف قليلة، وبالتالي سعر معقول إلى حد ما. يتباهى هؤلاء الصنّاع بما يعرضونه على واجهات محالهم وداخلها من تصميمات شرقية بديعة، ورغم ذلك لا تخلو أحاديث معظمهم من الشكوى من ركود حركة البيع، وانتظار ما قد يحركها ويدفع بها نحو الأمام.
حال الحرفيين في التكية السليمانية اليوم يشبه حال أحجار هذا المكان. يشعر الزائر عند مدخل التكية وكأن مرور الأيام والسنوات قد توقف، ويبدو الجميع وكأنهم في انتظار عجلة الزمن كي تعاود الدوران بهم من جديد.