سوق الاعلانات بالمغرب: مبالغ طائلة لا تستثمر في خدمة وتطوير المشهد الإعلامي

حجم الخط
0

سعيد فردي’ياك أعرفتوني.. أنا أنا الليمونة.. جايبا ليكم أخبار جديد.. سانسوس سانسوس’ وصلة اشهارية كان يبثها التلفزيون المغربي سنوات السبعينات والثمانينات.

الإشهار (الاعلان) يغزو القنوات التلفزية بالمغرب فقط ليلهف الأرباح تلو الأرباح.. ويترك وراءه جيوش المتلهفين على الاستهلاك.. في وقت يطال فيه النسيان واللامبالاة قيم الإنتاج.. ومشهدنا الإعلامي لا يستفيد من مداخليه لتطويره وخدمة إنتاجنا الوطني وصورتنا المحلية.. انسجاما مع متطلبات تحرير القطاع السمعي البصري ببلادنا وبموجب القانون السمعي البصري الذي وضع الإطار التنظيمي والقانوني للمؤسسات الإعلامية العمومية، تحولت الإذاعة والتلفزة المغربية والوكالة المستقلة للإشهار إلى شركة مساهمة، كما هو معروف باسم ‘الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة’. وحدد نفس القانون عبر مقتضياته وضعية هذه المؤسسات العمومية ومهامها وواجباتها المتعلقة بالمرفق العمومي، ودقق مواردها ووسائلها من أجل تمكينها من النجاح طبقا لدفاتر تحملات وعقود برامج تمتد لسنوات.. وبعد إدماج الوكالة المستقلة للإشهار مع الإذاعة والتلفزة المغربية في شركة واحدة مساهمة هي الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ماذا عن قطاع الإشهار وسوقه في ظل هذه التحولات والمستجدات، وقد مرت أربع سنوات ويزيد على تجربة تحرير مشهدنا السمعي البصري؟

إذا كان مشهدنا السمعي البصري قد شهد عدة تحولات ومستجدات منذ دخول قانون الاتصال السمعي البصري حيز التنفيذ وتأسيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، بظهور قنوات تلفزية عمومية جديدة وإذاعات خاصة، وما أثاره تحرير إعلامنا السمعي البصري، حصيلة وتقييما بعد أن وصلت التجربة سنتها الرابعة، فإن الملاحظ هو أن مثل هذه التحولات والتغييرات لم تنسحب على قطاع الإشهار الذي لا زالت لم تتضح معالمه بعد رغم هذا التحرير، ولم يضبط بعد مجال اشتغاله، في ظل غياب قانون واضح يحدد ويسطر مهام ومجالات تدخل المصلحة المستقلة للإشهار بالمغرب وكل المتدخلين والمشتغلين في صناعة الصورة الاشهارية الوطنية، وفي ظل انعدام ميثاق للمنافسة الشريفة، يقنن العمل في هذا القطاع الذي يدر أموالا طائلة، وغياب إطار مهني دقيق لا تساهل فيه على اعتبار أن جل الاشهارات المغربية يخرجها ويتدخل فيها أجانب.

في هذه الورقة، نستطلع بعض الآراء والتصورات بخصوص ملف الإشهار في المغرب، ونقف على المسكوت عنه في الدهاليز المعتمة لقطاع سوقه رائجة، ‘سوق الإشهار’ الذي يدر أموالا طائلة ومبالغ تسيل اللعاب، ومع ذلك لا تذهب عائداته على أهميتها صوب الاستثمار المنتج لخدمة وتطوير مشهدنا الإعلامي، مداخيل لا تصرف كلها في إنتاج الصورة المحلية؟ فما هو المطروح اليوم وبإلحاح على المشتغلين بقطاع الإشهار والفاعلين في حقل الإعلام الوطني؟

هل ينظم قطاع الإشهار في بلادنا بقانون واضح وحاسم؟

يحيى اليحياوي (أستاذ باحث في الإعلام)سوق الإشهار في المغرب سوق محدودةومتحكم فيها من طرف لاعبين محتكرين للقطاعتستحوذ التلفزة لوحدها على ما يناهز 49% من الاستثمار الإشهاري الإجمالي، علما أن التلفزة تمس 98% من ساكنة المغرب. سوق الإشهار في المغرب سوق محدودة، ومتحكم فيها من طرف لاعبين محتكرين للقطاع، ومن ثم يصعب فسح المجال لفاعلين أو لاعبين جدد، كما أنه لا يمكن أن يتضاعف بتوزيعه على فاعلين جدد، في غياب قانون منظم للقطاع.

قطاع الإشهار في بلدنا يعاني من الصبغة المؤسساتية التي تخضعه لمؤسسات إدارية، وبالتالي تغلب عليه صفته التجارية المحضة والخالصة.

عندنا في المغرب شركة واحدة للاتصال تمرر المئات من الوصلات الإشهارية بالقناتين والإذاعات والجرائد بمختلف أنواعها وفي المجلات والشوارع والأزقة، وهو مستوى لا تصل إليه المؤسسات الاقتصادية الكبرى الدولية الضخمة.

غياب شامل للشفافية والرقابة على الميزانيات الضخمة التي تخصص للإشهار وبالتالي لا يستفيد منها المواطن المغربي ولا الإعلام الوطني.

في الوقت الذي تؤكد فيه الوكالة المستقلة للإشهار على أن قطاع الإشهار يتوفر على مؤهلات وإمكانيات من الممكن أن تفوق ثلاثة أضعاف معاملاته في السنة التي ودعناها، لأنه سيستفيد من نسيج الاقتصاد المغربي الذي يطبعه الاختلاف والتنوع ومن الرصيد الحضاري والتراثي للمغرب الذي سيساعد مصممي الإشهار في إبداع تصوراتهم.

ولن يتحقق هذا المطمح الا بالتغلب على مجموعة العوائق التي يعاني منها القطاع، والتي تتمثل حسب الوكالة المستقلة للاشهار، أولا في غياب أداة لاستقراء الآراء ونسب المشاهدة بالنسبة للمقاولات الإعلامية السمعية والبصرية والمقروءة، ومعرفة الفئات العمرية ونوعية المشاهدين التي تتابع برامجها، لأن القنوات الموجودة حاليا التي تتحكم في توزيع الإشهار لا تعمل بشكل دقيق ولا تتوفر على دراسات وإحصائيات مضبوطة.

والعائق الثاني، يكمن في غياب مدارس للتكوين في مجال الإشهار الذي يبقى لحد اليوم مقتصرا على الكفاءات الأجنبية في غياب مصممين ومبدعين وطنيين مغاربة. أما العائق الثالث فهو الطابع المؤسساتي الذي يطغى على القطاع ويجعل الشركات الإشهارية تعمل بشكل اعتباطي لكونها لا تتوفر على حرية للتصرف والمرونة.

تأهيل قطاع الإشهار يجب أن يكون محدودا بأفق زمني محدد ويراهن على المدى القريب والبعيد لإستراتيجية وزارة الاتصال الوزارة الوصية وليس الارتباط بسنة معينة.. قطاع الإشهار اليوم يعرف مجموعة من الحالات الشاذة لأنه يستفيد من التخفيض على مستوى التمرير داخل القناتين وهو ما يعطي نتيجة معاكسة للهدف الأصلي من هذا التأهيل. وعلى المؤسسات الإشهارية أن تخاطب حس المواطنة في المشاهد وليس الحس الاستهلاكي الخالص.

عبد الحميد أخريف (أستاذ باحث (الإشهار في علاقته بحماية المستهلك يعرف فراغا تشريعيا واضحادور جمعيات حماية المستهلك المساعدة على ولوج السبل القضائيةفي مواجهة كل إشهار لم يحترم الشروط القانونيةأعقد الشروط والمصاريف الحقيقة والكاملة لا تذكر في الإشهارات والإعلانات. وهذه مسألة خطيرة من شأنها أن تضلل المستهلك وتحجب عنه المعلومات والمعطيات الرئيسة التي تحيط بعملية التعاقد من أجل الاستهلاك. والعديد من المواد أو الخدمات التي نأتي إليها بعد مرورنا بإشهار لها، نفاجأ أثناء التعاقد بشأنها أو بداية الاستفادة منها بالعديد من الشروط المجحفة أو العلاوات والزيادات غير المتوقعة في الثمن القابل لها. وهذا كله راجع إلى الطرق التي يجري بها الإشهار والأساليب التي يوظفها، ليس من أجل التعريف الموضوعي بالمادة أو بالخدمة، وإنما فقط من أجل الدفع بالمستهلك إلى مجرد الاستهلاك وحثه على الشراء!

من الناحية القانونية يعرف الإشهار في علاقته بحماية المستهلك فراغا تشريعيا واضحا، حاول مشروع قانون حماية المستهلك أن يسد بعض جوانبه في بابه الرابع المخصص لـ’ممارسات تجارية’ حيث عنون الفرع الأول من هذا الباب بـ’الإشهار’، وفي هذا السياق اعتبر الفصل 18 من المشروع ممنوعا كل إشهار قام بأية طريقة من الطرق بتغليط الأشخاص الذين يتوجه إليهم، وأدى هذا التغليط إلى التأثير على سلوكهم. غير أن هذا الفصل لم يبين كيفية إعمال مسؤولية القائم على هذا الإشهار التغليطي ونطاق مسؤوليته وطبيعتها، ثم وهذا الأهم كيفية مساعدة الأشخاص الذين وقعوا ضحية هذا الإشهار التغليطي، خاصة أن الأمر يتعلق بمشروع قانون لحماية المستهلك وليس بمدونة للتجارة أو قانون للأعمال. ثم إن المشروع لم يفصل في الأساليب الممارسة حاليا في العديد من الإشهارات ولم يفرض قواعد وأخلاقيات واضحة ومحددة يعمل بها في هذا المجال، ثم انتقل المشروع في الفصل 19 إلى نوع خاص وهو الإشهار المقاِرن. وعرفه بأنه كل إشهار يجري مقارنة بين مواد أو خدمات، إما بذكر أو بتمثيل علامة الصنع أو العلامة التجارية أو الخدماتية للغير، وإما بذكر أو تمثيل الاسم التجاري أو السمة التجارية للغير. ولا يسمح بهذا النوع من الإشهار إلا إذا كان قانونيا وحقيقيا ولا يوقع المستهلك في الغلط. ويتعين أن ينحصر هذا الإشهار في مقارنة موضوعية لا ترد إلا على الخصائص الرئيسة والمتحقق منها للمواد والخدمات من نفس الطبيعة والمتوفرة في السوق. ولا ينبغي للإشهار المقارن أن يرتكز على آراء وتقديرات فردية أو جماعية. كما لا ينبغي للإعلانات الإشهارية من هذا النوع أن تنتقد بسوء نية العلامات الأخرى أو توقع في خلط بينها (الفصل 20) . في انتظار خروج مشروع قانون حماية المستهلك إلى حيز التطبيق، وغياب أدوات قانونية آنية فعالة لحماية المستهلك من الإشهار التغليطي والتضليلي يبقى دور جمعيات حماية المستهلك فعالا في التقليل من مضار هذا الإشهار. وذلك عن طريق توعية وتبصير المستهلكين وتزويدهم بالمعطيات الصحيحة والموضوعية، حتى يأتي سلوك المستهلك وقراره الاستهلاكي سليما وملائما لحاجياته وقدراته، فالغاية المنشودة هنا هي العمل على ملاءمة السلوك الاستهلاكي للأفراد والأسر للحاجيات والقدرات، كما يتمثل دور جمعيات حماية المستهلك في هذا الإطار في معاونة الأفراد على ولوج السبل القضائية في مواجهة كل إشهار لم يحترم الشروط القانونية وأوقع المستهلك في غلط دفعه إلى التعاقد. وأخيرا ينبغي إعطاء الحق لجمعيات حماية المستهلك في إشهار ما تراه مناسبا لتوعية المستهلك وإعلان ما تراه مفيدا له في صحته وجيبه.

صورة النساء في الإعلانات الإشهاريةتدعو المادة الرابعة من القانون المتعلق بالاتصال السمعي البصري قطاع الإشهار الوطني بكل مكوناته، من معلنين ووكالات الإشهار ودور الإنتاج ووكالات تسويق الإشهار المتعاملة مع مختلف وسائل الإعلام إلى عدم استغلال جسد المرأة في الدعاية التجارية، وذلك باستعمال إيحاءات أو صور أو رموز أو عبارات تسيء لصورة النساء أو تمس بكرامتهن، والأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي والاجتماعي لوضعية النساء، والتركيز على دور النساء كفاعل اقتصادي واجتماعي وسياسي، وعدم حصر أدوارهن في قوالب اجتماعية دونية أو جامدة، مع عدم التركيز على سلوك الاقتناء والاستهلاك فقط كوصف لصيق بالنساء المادة (5). كما تدعو نفس المادة الجهات المعنية إلى تضمين دفاتر التحملات المشار إليها في المادة (49) من القانون المتعلق بالاتصال السمعي البصري، مقتضيات تنص على احترام حقوق الإنسان وعدم المس بكرامة النساء مع استحضار مقاربة النوع الاجتماعي، وذلك انسجاما مع ميثاق أخلاقيات الإشهار الصادر عن اتحاد المعلنين والمستشهرين المغاربة لسنة 1994. مدخول الإشهار بالمغربتظل السوق المغربية للإشهار غير مستغلة بالشكل المطلوب، حيث تحتكر الشركات الدولية وعشرة معلنين (annonceurs) أو أكثر حوالي 60% من الاستثمارات في المجال الإشهاري السمعي البصري الوطني. وتبقى الشركات المتوسطة والصغرى التي تمثل 92% من النسيج الاقتصادي الوطني خجولة في اللجوء إلى الإشهار التجاري. ويتوقع المختصون أنه في أفق 2010 وارتباطا بانتهاء مشاريع الأوراش الكبرى، سترتفع نسبة المعاملات في مجال الإشهار بصفة ملحوظة.

تقنين مجال الإشهار أخلاقيا ومهنيا وقانونيالعل من بين المسائل المطروحة بإلحاح اليوم على المشتغلين بقطاع الإشهار والفاعلين في حقل الإعلام الوطني، هو تقنين هذا المجال أخلاقيا أولا، عن طريق وضع ميثاق للمنافسة الشريفة، ومهنيا ثانيا، لأن جل الإشهارات المغربية يخرجها ويتدخل فيها أجانب، وقانونيا ثالثا بما يفيد تحديث وتحديد وتسطير مهام المصلحة المستقلة للإشهار بالمغرب، وكافة المتدخلين في صناعة الصورة الإشهارية الوطنية.

الإشهار هو إبداع فني بالصورة والصوت أولا وانعكاس لمخيلة صانعيه ثانيا.

إن الوصلة الإشهارية الضعيفة تؤثر على المتلقي وتجعله يحتقر المنتوج المُشْهَر. إن أزمة الوصلات الإشهارية الوطنية تدخل في إطار الأزمة البنيوية والنسقية للصورة الوطنية التي تعاني من الاستلاب والاغتراب والتيه.

ماذا ننتظر من مخرج أجنبي لا توجد في مخيلته إلا صور فلكلورية نمطية عن الثقافة المغربية، أن يقدم لنا أثناء إنجازه لوصلة إشهارية عن مادة لها ارتباط عميق بالتقاليد والعادات المغربية الأصيلة كالشاي مثلا.

طغيان المباشرية والحوارات الجوفاء أثناء إنجاز الإشهار المغربي الذي يَسَْغْبِي في بعض الأحيان المتلقي.. هيمنة البعد الاستهلاكي الصرف الذي يثوي وراءه قيم الجشع الرأسمالي والإمبريالية السائدة، الساعي إلى أن يتحول المواطن إلى مجرد أداة للاستهلاك.. استغلال هذه الخطابات لوجوه مغربية لها انتشار في مخيال الطبقات المسحوقة بالمجتمع المغربي. . الخطاب الإشهاري المغربي يساهم في إفراز وبلورة قيم لا تتناسب ووتيرة الإنتاج داخل المجتمع المغربي.. الفرد الذي لا يتجاوز دخله المادي عشرة دراهم في اليوم (حتى لا نقول دولارا واحدا!) يحتاج إلى خطاب إشهاري توعوي وتربوي وليس تحريضيا على الاستهلاك الزائد، أي ألا تكون تسعون بالمئة منه موجهة إلى استهلاك المواد الثانوية كما هو الحال الآن.

صحافي/ باحث في السمعي البصري من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية