الطاهر الطويل إنه ‘سوق الدلالة’ بامتياز، و’سوق الدلالة’ مصطلح شعبي يعني ‘سوق المزاد’، وهو ما نعيشه هذه الأيام في المغرب. أما فضاء هذا السوق فهو التلفزيون، ومناسبته: الحملة الانتخابية استعدادا لانتخابات 25 نوفمبر، وأبطاله مسؤولون حزبيون يعرضون بضاعتهم، و’كل حزب بما لديهم فرحون’ كما جاء في القرآن الكريم. الطريف في الأمر أن جل المتحدثين في الوصلات الدعائية الحزبية يتكلمون اللغة نفسها ويرددون الخطاب نفسه، يلتقي في ذلك اليميني واليساري والإسلامي والعلماني والرأسمالي والاشتراكي، جميعهم يقولون إنهم ضد الفساد والرشوة والبطالة والبيروقراطية والمحسوبية، وإنهم يحملون برنامجا للإصلاح، وإنهم مع تجديد النخب السياسية. ومن فرط تكرار العبارات ذاتها على ألسن المتحدثين، يجد المشاهد المغلوب على أمره نفسه أمام مسلسل رديء، يُجبره على الهروب نحو إحدى القنوات الفضائية العربية أو الغربية. هذا إذا كان يبحث عن شيء من الجدية أو حتى عن الترفيه الهادف؛ أما إذا أصرّ على مشاهدة وصلات الدعاية الحزبية، فإنه سيجد نفسه يستلقي على قفاه من شدة الضحك، خاصة حين يرى مسؤولا حزبيا يتحدث عن ‘تجديد النخب’ و’تشبيب الكوادر’، وهو نفسه الماسك بزمام أمور حزبه، ملتصق في كرسيه الحزبي، رغم أنه بلغ من الكبر عتياً وغزت التجاعيد كافة قسمات وجهه ولم يعد يقوى على الوقوف طويلا. والحال أن الناس ينبغي أن يلمسوا تجديد النخب مجسَّداً على أرض الواقع، من خلال إعطاء المسؤولية للشباب الكفء، وليس الاكتفاء بشعارات تلوكها الألسن.
في أغلب الأحيان، تكون تدخلات ممثلي الأحزاب السياسية في التلفزيون بمثابة ‘حوار الطرشان’. إنهم يسألون أنفسهم ويجيبون أنفسهم أيضا، ويستعرضون عضلاتهم في تبشير المواطنين بجنّة على أرض المغرب، دون أن يجدوا من يُسائلهم حول ما فعلوه من قبل للوطن وللمواطنين. وكم كنت أتمنى لو نُظّمتْ مناظرات تلفزيونية حقيقية ـ على غرار ما هو معمول به في القنوات الغربية ـ، تجري خلالها مواجهة الأحزاب التي شاركت في الحكم ومحاسبتها عن مدى تطبيق الوعود التي أطلقتها خلال حملاتها الانتخابية السابقة؛ وفي الوقت نفسه، تُساءَل أحزابُ المعارضة عن مدى قيامها بدور مراقبة عمل الحكومة ونقدها.
تبدو الديمقراطية في المغرب بمثابة ‘تحالف للمصالح’، حيث تلتقي جل الأحزاب ـ مهما اختلفت مرجعياتها وتوجهاتها المعلنة ـ في هدف واحد: الحقائب الوزارية. بدا ذلك واضحا على مدى أكثر من عقد من الزمان، عندما تضمنت تشكيلات الحكومات خليطا هجينا من الأحزاب التي تسمي نفسها يسارية وتقدمية، والأحزاب الأخرى التي كانت تنعت بالإدارية والرجعية… وارتأت مشيئة السلطة أن يتم تطعيم كل ذلك الخليط بأسماء أخرى لا انتماء حزبيا لها، ولكنها أُلْبستْ أزياء أحزاب بعينها.. بين عشية وضحاها! وعشنا حتى رأينا مَن كانوا يَنعتون غيرهم بالأحزاب ‘المخزنية’ (نسبة إلى كلمة ‘المخزن’ التي تعني التحالف التقليدي بين السلطة والمال) يتحولون هم أنفسهم إلى ‘مخزنيين’ حتى وإن سمّوا أنفسهم تقدميين، يُدافعون عن اختيارات غير ديمقراطية ولا شعبية في السياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها من القطاعات، يكون ضحيتها في النهاية المواطن المسكين. ولو أردنا أن نعطي أمثلة على ذلك لضاق بها حيز هذا العمود، ويكفي أن نستشهد بصنيع وزارة التعليم، عندما رصدت مبالغ مالية باهظة لما أطلقت عليه ‘مخططا استعجاليا’ لإصلاح القطاع. أين ذهبت أموال هذا المخطط؟ هل بُنيت بها مدارس جديدة تخفف من معاناة الأطفال في البوادي والجبال الذي يقطعون مسافات طويلة في رحلتي الذهاب والإياب؟ هل أُصلحتْ بها الأوضاع المادية للمعلمين والأساتذة الذين يجدون أنفسهم محرومين من العلاوات التي تُرصد لموظفين في قطاعات أخرى (كالمالية مثلا)؟ هل تغيرت بها المناهج التعليمية والكتب المدرسية التي تعتمد على مبدأ الكم عوض الكيف، وتثقل كاهل التلاميذ بمحفظات ثقيلة جدا؟ مصادر مطلعة تقول إن وزارة التعليم فكرت ثم دبرت ثم فكرت ودبرت، فاكتشفت أن الحل السحري لإصلاح أحوال التعليم والمعلمين، يكمن في تزويد المفتشين بسيارات ‘لوغان’ سوداء وهواتف محمولة وأجهزة كمبيوتر محمولة (لاب توب). وبعد كل هذا، تأتي الأحزاب الحكومية لتطلب منا أن نصوت لها في الانتخابات البرلمانية… والشيء بالشيء يذكر، نرى أنه حري بالتلفزيون المغربي أن يكفّ هذه الأيام وحتى 25 نوفمبر ـ يوم التصويت ـ عن تغطية الأنشطة الوزارية، لأن في ذلك دعاية غير مباشرة لهذا الحزب أو ذاك.
هل نسينا شيئاً أساسياً؟ إنه طبعا الربيع العربي المبارك، وقد وصلتنا بعض نسائمه في المغرب الأقصى، فهبّ شباب يطالبون بالتغيير. هل سنكون إذن، أمام برلمان جديد يفرز حكومة جديدة بوجوه جديدة؟ نخاف ألا يحصل ذلك. والدليل إصرارُ العديد من الوجوه المستهلكة على الثبات في المقاعد الوثيرة: برلمانيون طال بهم المقام واستطابوه، ومستشارون قدّموا استقالتهم من مجلس المستشارين طمعاً في مقعد بالبرلمان يضمن لهم مكوثا أطول تحت القبة، وأكثر من 12 وزيرا رشحوا أنفسهم للانتخابات… وبين هذا وذاك، تبحث عن الوجوه الجديدة وعن الكفاءات الحقيقية، فتكون كمن يبحث عن إبرة وسط كومة قش. نأمل أن يبدد الشعب مخاوفنا وتشاؤمنا، فيختار من يلمس فيه الصدق والإخلاص والرغبة في خدمة الصالح العام. أما محترفو الانتخابات الطامعون بالحصانة البرلمانية والامتيازات على حساب مطالب المواطنين في التعليم والصحة والعمل والعيش الكريم، فيقول لهم الشعب: لن نمنحكم أصواتنا، فارحلوا، لقد مللنا وجوهكم التي تثير الاشمئزاز! ثورة فاشلة.. إياك أعني وافهمي يا جارة!
قدمت قناة ‘ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي’ مؤخرا برنامجا وثائقيا حول ما أطلقت عليه ‘أول ثورة في التاريخ’. وطبعا لن تكون هذه الثورة حدثت إلا في ‘أم الدنيا’، وعلى عهد الفراعنة. الطريقة التي أنجز بها البرنامج تثير التشويق وتشد أنفاس المشاهدين، باعتمادها على مشاهد تمثيلية، وكذا على أسلوب جذاب في الحكي، حيث جعلنا البرنامج نعيش أجواء الإعداد للثورة على الفرعون الغارق في ملذاته متجاهلا ما كان يعيشه الشعب من فقر وظلم واستبداد، حتى إذا أوشك الانقلاب على النجاح بمساعدة زوجة الفرعون نفسه، اكتشف حراس الملك المخطط، فأجهض حلم الشعب بالتغيير. مناسبة هذا البرنامج غير بريئة؛ إنه يُبثّ في سياق عربي خاص، سياق الحراك الشعبي وما أفرزه من ثورات بعضها نجح وبعضها الآخر في طريقه للنجاح. وكل نجاح شعبي يحفز على الاقتداء، ويبث الحماس في سكان البلدان المجاورة، لاسيما تلك التي تغيب فيها العدالة الاجتماعية وكرامة المواطنين وحقوقهم. أما قناة ‘ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي’ فكان لها رأي آخر يفيد ما معناه: ‘قد تكون بعض الثورات الشعبية فاشلة، فحذار من عواقب التمرد، تماما مثلما وقع في عهد الثورة الشعبية على الفرعون منذ آلاف السنين!’ خطابٌ ضمني، تقدّمه قناة خليجية في بلد خليجي للمواطنين الخليجيين وغير الخليجيين المقيمين في ذلك البلد والعاملين فيه. ‘إياك أعني وافهمي يا جارة’ كما قال المثل العربي قديما! ‘دمى قراطية’ أو درجة السخرية في السياسةالديمقراطية تُقاس بدرجة حرية التعبير، وحرية التعبير تقاس بدرجة النقد والسخرية في الإعلام ولاسيما المرئي والمسموع ذي التأثير القوي على المتلقين. وفي لبنان، اختار بعض الإعلاميون اختبار هذا الرهان، فكانت السلسلة التلفزيونية ‘دمى قراطية’ التي هي تحوير ومزج بين كلمتي الدمى والديمقراطية. في هذه السلسلة، تُعتمد الدمى وسيلة للنقد بطريقة ساخرة، لا تسلم منها جل الوجوه السياسية في لبنان. البرنامج الذي يبث على قناة LBC يعده ويقدمه شربل خليل، وهو نسخة عربية للبرنامج الفرنسي الشهير Les Guignolsالذي بلغ هذا العام سنته الثالثة والعشرين. لا ضير في التقليد، لاسيما إذا كان إيجابيا. ولكن، مَن يُنكر أن لدينا ـ نحن العرب ـ تراثا إبداعيا قديما سابقا على تلك التجربة الفرنسية هو فن ‘القراقوز’؟ كاتب من المغرب[email protected]